التمديد المتوقع والانسداد الدستوري في العراق

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
10 شباط 2026

التمديد المتوقع والانسداد الدستوري في العراق

١. المقدمة : إدارة الأزمة بدل حلّها وما يجري بعد انتخابات نهاية عام 2025 وانتخاب رئيس مجلس النواب، بعدها دخل النظام السياسي العراقي مرحلة انسداد دستوري جديد نتيجة تعثّر انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء ضمن المدد الدستورية المحددة. هذا التعثر لم يقتصر على خلل إجرائي، بل كشف مرة أخرى عن هشاشة البنية الدستورية وقدرتها المحدودة على فرض الحلول في ظل غياب التوافق السياسي. ومع تجاوز المدد الدستورية دون وجود جزاءات واضحة، يبرز خيار “التمديد المؤطر” كآلية غير معلنة لإدارة الأزمة، عبر الإبقاء على الحكومة القائمة أو تحويلها إلى صيغة تصريف أعمال موسّعة، بما يجنّب الفراغ لكنه يراكم مخاطر سياسية ودستورية بعيدة المدى. في هذا السياق، تتقاطع تساؤلات الشرعية والاستقرار ومستقبل العملية الديمقراطية، لتفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة تتجاوز مجرد تشكيل حكومة جديدة إلى إعادة تعريف العلاقة بين النص الدستوري والواقع السياسي.

٢. الإطار الدستوري للمشكلة: الدستور العراقي واضح نظرياً لكنه مرن سياسياً في التطبيق:
إ. مجلس النواب أكمل انتخاب رئيسه وفق المدد الدستورية .
ج. تعثر انتخاب رئيس الجمهورية يعني استحالة تكليف رئيس وزراء جديد.
د.تجاوز المدد الدستورية لا يترتب عليه جزاء تلقائي يعني لا حل ذاتي ولا إسقاط تلقائي.وهذه الثغرة هي جوهر الأزمة.

٣. ما ذا لو تم الاتفاق على تمديد عمل الحكومة الحالية الحاليه ..يخضع ذلك لضوابط مؤطرة عملياً للسيطرة على سلوكها السياسي والاقتصادي والعسكري..ينتج عنه معاضل اكثر تعقيدا للاسباب ادناه :
أ. يعتبر خرق دستوري كبير .
ب. العودة الى لعبة التوافق السياسي.
ج. تدخل القضاء حامي الدستور بقرار من المحكمة الاتحادية.
د.شرعنة الواقع القائم دون الاعتراف الرسمي بفشله.

٤. السيناريوهات المتوقعة :
أ. استمرار الحكومة الحاليّة برئاسة السيد محمد شياع السوداني . يُنظر لها باعتبارها حكومة قائمة وليست تصريف أعمال يتم تعطيل فكرة انتهاء ولايتها بحجة الضرورة …المحكمة الاتحادية قد تفسر النصوص بمرونة..ربما يتسإل البعض لماذا هذا الحل هو الأرجح السبب لا يوجد بديل توافقي لان القوى السياسية تخشى الفراغ ..أما دول الإقليم والفاعلون الدوليون يفضلون الاستقرار النسبي..مع تلك المبررات يبقى ان الاجراء لا يخلوا من مخاطر مثل إضعاف الشرعية الدستورية وتكريس سابقة خطيرة لان الحكومة تبقى بلا سقف زمني..قد يسبب ذلك تصاعداً في الاحتجاجات والاحتقان الشعبي .

ب. تحويل الحكومة إلى تصريف أعمال لا تخلو من معاضل كبيرة منها :
اولاً. إجراء سياسي غير دستوري .
ثانيا. تقيد الحكومة نظرياً بحدود الصلاحيات ..مع توسع فعلي في الممارسة.
ثالثاً. الدستور لا يعترف بأجراءات تصريف أعمال موسّعة.
رابعاً. ان اتخذت الحكومة قرارات كبرى مثل الموازنة، التعيينات، الاتفاقيات ستتعرض للطعن والرفض .وتواجه شلل اقتصادي.
خامساً.صراع مؤسساتي بين البرلمان ، الحكومة ، القضاء ..كلاً حسب حدود واجباته وصلاحياته.
سادساً. تحدي للحكومة أمام الأزمات الأمنية والمالية.

ج . حل مجلس النواب والذهاب لانتخابات مبكرة وهو الاحتمال الاضعف للاسباب ادناه .
اولاً. نظريا ممكن بطلب من رئيس الوزراء بتصويت الأغلبية أو ضغط شعبي استثنائي.
ثانياً. عملياً نفس القوى ستعود للواجهة ولا ضمان لتغيير المشهد.
ثالثاً. ينتج عن ذلك تكلفة سياسية ومالية عالية.
رابعاً. قد يُستخدم هذا السيناريو كورقة ضغط أكثر منه خياراً حقيقياً.

٥. هل ممكن التمديد للسيد السوداني ..الجواب لا يوجد تمديد دستورياً ولكن ممكن ذلك بصيغة آخرى سيُقدَّم على أنه ( ضرورة وطنية ، استقرار مرحلي ، منع الفراغ وانتظار التوافق ) وهذا أخطر ما في الأمر عندما يتم التحايل على الدستور بدل تعديله أو احترامه.

٦. المخاطر الاستراتيجية بعيدة المدى هي :
أ. تجاوز فكرة التداول السلمي للسلطة.
ب. تحويل الاستثناء إلى قاعدة.
ج. إضعاف ثقة الشارع بالانتخابات كأداة تغيير.
د. تعاظم دور التوافقات خارج المؤسسات.
ه. فتح الباب لتدخلات إقليمية أكبر بحجة الوساطة.

٧. الخلاصة : العراق لن ينهار، لكنه قد يستقر على خلل دائم. الانسداد لن يُحل جذرياً، بل سيتم إدارته.
والتمديد لن يُسمّى تمديداً… لكنه سيكون كذلك فعلياً. ما يجري في العراق لا يمكن قراءته بوصفه تعثراً داخلياً معزولاً، بل حلقة جديدة في مسار إضعاف الدولة عبر إدارة الأزمات لا حلّها. الانسداد الدستوري الحالي، مع ما يرافقه من تمديد مؤطر للحكومة وتجاوز صامت للمدد الدستورية، يفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الخارجية لتملأ فراغ القرار الوطني. وكلما طال أمد العجز الداخلي عن إنتاج تسوية دستورية واضحة، تحوّل العراق إلى ساحة تفاوض غير مباشر بين قوى إقليمية ودولية، تُعاد فيها صياغة التوازنات الحكومية بعيداً عن إرادة الناخب والمؤسسات الدستورية.الخطر الحقيقي لا يكمن في بقاء حكومة أو حلّ مجلس، بل في تكريس سابقة خطيرة مفادها أن الشرعية لم تعد تُستمد من الدستور أو الانتخابات، بل من القدرة على الصمود بدعم خارجي وتوافقات تتخطى الوطنية. ومع تآكل ثقة الشارع بالعملية السياسية، يصبح التدخل الخارجي أقل كلفة وأكثر قبولاً تحت عناوين الاستقرار والوساطة ومنع الانهيار. وبهذا، يواجه العراق مستقبلاً قاتماً تتراجع فيه السيادة تدريجياً، ويُعاد إنتاج النظام السياسي بوصفه نظام إدارة أزمات مفتوحة، لا دولة قادرة على اتخاذ قرارها المستقل أو رسم أفقها السياسي.الاستمرار في تطبيع الانسداد الدستوري لن ينتج فراغاً داخلياً فحسب، بل قد يستدعي وصاية خارجيّة ناعمة تفرض باسم الاستقرار وتنهي فعلياً ما تبقى من القرار الوطني .
قد ينتج وصاية خارجية ناعمة تُفرض باسم الاستقرار ولكنها تضعف وحتى تنهي فعلياً ما تبقّى من القرار الوطني .

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

718 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع