
بقلم احمد فخري
قصة (عشق الصبى) - الجزء الاول
في الصباح الباكر جلس سمير بغرفته، فتح حاسوبه وبَحْلَقَ بالشاشة العريضة امامه وكأنه يستشيرها عن مشروع شيطاني جديد يريد الخوض فيه او خطة محبوكة المعالم يتمكن من خلالها ابتزاز احد المستضعفين ممن لديهم دراية متواضعة في ميدان الحواسيب. بدأ يومه بتفحص بريده الالكتروني لتظهر امامه اعلانات كثيرة مظللة ورسائل تافهة لا ترقى لأن يُضِيعَ وقته بفتحها، فتجاوزها واغلق البريد ليفتح مواقع التواصل الاجتماعية المعتادة وراح يتابع ما ينشره البعض من تحايا صباحية وجمعة مباركة وهلا بالخميس واعلانات لبعض المواليد الجدد وآخرون ينشرون نعياً لمن رحل من هذه الدنيا ومنشورات اخرى فيها حِكَم رصينة تدعو للفضيلة والاخلاق الحميدة في زمنٍ فقدت فيه تلك المبادئ ليصبح الحق والعدل للقوي الذكي المراوغ المعوجة قيمه ومبادئه. في ظل كل تلك المنشورات شاهد اعلاناً جديداً صادماً اثار انتباهه وجعل لعابه يسيل لانه يلائم اعماله الغير مشروعة. كان ذلك الاعلان تعتليه صورة امرأة ورجل يُلبِسان بعضهما البعض خواتم الزواج وكتبت تحتها عبارة،
"لدينا قاعدة بيانات كبيرة لرجال ونساء ممن يبحثون عن شريك الحياة. اليوم اصبح بالامكان تسجيل اسمك مجاناً حين تستعمل تطبيقنا (كيوبيدي) دون الحاجة لدفع المال للاشتراك كي تختار شريك حياتك. فقط سجل بموقعنا وستجد ما يسرك"
دفعه فضوله للتحقيق بالامر لانه يعرف تمام المعرفة ان من يُدخِلْ معلوماته الشخصية بتلك المواقع كمن يسلمهم الجمل بما حمل ويصبح عرضة لاشخاص خبثاء (هاكرية) من امثاله يستطيعون جني اموالٍ غير مشروعة من حسابات الضحايا المصرفية. وبذلك يصبح هدفاً سهلاً ولقمة سائغة لكل من هب ودب. اغلق جميع النوافذ المفتوحة من على شاشته وعاد ليفتح ذلك الموقع المشار اليه بالاعلان أي موقع (كيوبيدي) فوجد انه يطلب منه التسجيل واعطاء عنواناً الألكتروني كي يتعرف عليه مستقبلاً. لذا قام بكتابة عنوان الكتروني مزيف كان قد انشأه في الماضي لهذا الغرض بحيث يتمكن من خلاله التلصص على اعضاء ذلك الموقع دون ان يورط نفسه بشيءيشكل خطراً على نفسه. قام بادخال اسمه مستعار [زين العابدين حميد] وراح يملأ باقي المعلومات المظللة كالعمر والمواهب والافلام والاغاني المفضلة وما الى ذلك. وفي تلك الاثناء فَتَحَتْ عليه باب غرفته اخته الكبرى اسماء ودخلت لتقول بحدة،
اسماء : الا زلت تلعب بحاسوبك؟ الم تأمرك امي ان تستعد للذهاب الى المدرسة؟ هل نسيت انك في السادس العلمي ولديك بكالوريا هذا العام؟ هل تريد تذوق طعم السقوط؟
فورما وضعت خطوة واحدة بداخل غرفته ضغط سمير على الزر الذي يقطع التيار الكهربائي عن شاشة حاسوبه فتحولت الشاشة الى سواد في سواد كي لا تتمكن اخته من التلصص على المحتوى الذي امامه. استدار اليها وقال،
سمير : لا لم انسى البكلوريا ولا المدرسة اللعينة.
اسماء : لكنك لا تزال جالساً امام الحاسوب. ما هذا البرود؟ كم انت مجنون؟ هيا اغلقه وانزل فامي ستصاب بالجنون إذا تأخرت كما هي العادة كل يوم.
سمير : فقط امنحيني دقيقة واحدة وسانهي هذه الرسالة التي شرعت في كتابتها لصديق لي في الصين ثم سالحق بك الى الطابق السفلي.
اسماء : لكن شاشة حاسوبك مطفأة. من المؤكد انك اغلقتها لانك تريد ان تخفي عني المحتوى. ماذا كنت تشاهد؟ صور اباحية مثلاً؟ ما اقذرك. على العموم هيا تحرك، ساسبقك للاسفل.
سمير : حسناً اسّومة سالحق بك خلال ثوانٍ.
رجع سمير ليضغط على زر تشغيل الشاشة ويفتحها من جديد فوجد ترحيباً قد ورده من الموقع يُدْخِلُهُ بالصفحة الرئيسية لموقع كيوبيدي ويعرض عليه مجموعة كبيرة من صور الحسناوات من كل الاجناس والاعمار والالوان. عدل سمير من مجلسه وفرك يديه يمينها بشمالها استعداداً لعمل جديد مثمر يدر عليه بالمال الوفير. ابتدأ بتفحص الرجال الذين يبحثون عن شريكة الحياة لانهم عادةً يشكلون صيداً سهلاً لمثل تلك الاعمال. كانوا يدخلون هذا الموقع بروح وقلب مجروح اثر تجارب عاطفية فاشلة جعلت منهم حطاماً انسانياً مزرياً فيصبحوا جسداً بلا روح. صار يتأمل المديح العاطفي الذي يبدونه ويقارنه بتجاربه العاطفية السابقة فيبتسم ويتابع باقي الرجال الواحد تلو الآخر ثم قرر بعدها ان يغير المسار ويتجه نحو الاناث. هذه المرة اصيب بالاعجاب لما وصفن الفتيات انفسهن بطرق شاعرية مثيرة للاعجاب وما تريده لانفسهن وما تشتهيه لمستقبلهن. قرأ واحدة منهن تقول،
اسمي پونگ من تايلند، هيا بنا نتمشى معاً يدٌ بيد، أنا وأنت فقط فنترك الدنيا وما فيها. اريدك صديقاً وشريكاً حقيقياً للحياة. فانا فتاة اشعر بالوحدة دائماً.
واخرى كتبت،
اسمي ديگنا من الفلبين، الحياة لا تبدو أبدًا كما نريدها، لكننا نعيش بأفضل طريقة ممكنة. اريد رجلاً يحمل عني المسؤولية ويقدر اعباء الحياة الزوجية. أريده ان يخاف الله في كل اعماله كي استطيع ان اثق به واحبه والجأ اليه.
وثالثة تقول،
اسمي هند من العراق، أنا انسانة مهذبة مسؤولة ومحترمة، لا أبحث عن علاقة عابرة. فانا لست مثالية، ولكن أرغب الارتباط بشخص يفخر بي ويحترمني ويحبني. لا أحب استغلال الآخرين، ولا أحب أن يستغلني أحد. انا لست غنية بل انحدر من عائلة من الطبقة المتوسطة. أتحدث الإنجليزية بطلاقة الى جانب لغتي الام العربية. أبحث عن رجل يستطيع فهمي ولا اعير للسن وزناً. اريده أن يكون إيجابيًا وذا خلق حسن. إذا كنت محتالًا، فلا تضيع وقتك معي. وإذا كنت تفضل النساء الجميلات، فلا تقترب مني لانني لست جميلة.
واخرى كتبت،
اسمي نيجان من تايلند، أبحث عن شخص انيق ذكي موهوب ومتعلم ذو مهنة محترمة لعلاقة جدية تنتهي بالزواج. إذا كانت لديك مآرب اخرى فارجوك واصل طريقك وابتعد عني.
واخرى قالت،
اسمي سميحة من مصر، أحب الطبخ والسفر. لا أرغب بالحديث عن الجنس، لذا يُرجى تجاهلي إذا كنت ترغب في ذلك. أنا هنا لأكوّن صداقات جدية واتعرف على شخص لطيف مهذب قد تنتهي العلاقة بارتباط ابدي. شكراً لتفهمكم.
في تلك اللحظة سمع نداء امه من الطابق السفلي فعلم انه سوف يواجه انتقاداً حاداً إن لم يترك الحاسوب ويذهب الى المدرسة على الفور. اغلق حاسوبه، التقط حقيبته ووضع فيها بعض الكراسات التي سيحتاجها لذلك اليوم ونزل بسرعة فائقة ليغلق اذنيه كي لا يسمع تأنيباً لاذعاً بسبب تماديه في الجلوس امام الحاسوب. خرج من باب المنزل مسرعاً تاركاً ورائه الباب مفتوحاً فحصل على المزيد من التأنيب والنقد اللاذع. بقي يمشي في الطريق باتجاه مدرسته وفكرة واحدة كانت تدور برأسه. {يا ترى كيف تبدو تلك الفتاة التي قالت ان اسمها هند؟ قالت انها من العراق لكنها لم تقل من اي محافضة ولماذا لم ترفق صورتها؟ فكل الفتيات يضعن صورهن في حسابات التعريفي الا هي. يجب ان ابحث عن ذلك الحساب وانظر الى صورة تلك الفتاة فكلماتها جميلة تبعث الامل بقلبي}.
مشى سمير في الشارع حتى صار يلاحظ المزيد من زملائه الطلاب يسيرون على الرصيف بالجهة الثانية متجهين بنفس اتجاهه. ولما بلغ بوابة المدرسة وصل الى مسمعه صوت الجرس معلناً بدء الحصة الاولى. دخل الصف مسرعاً وجلس خلف منضدته المعتادة فوجد نفسه لا يزال يفكر بهند ولكن لماذا هند بالذات؟ ما الذي جذبه اليها؟ هل اعجب بها يا ترى؟ {ما هذا الجنون؟ كيف اعجب بفتاة لم تضع صورة لنفسها؟ اذكر انها قالت بانها قبيحة. لا لم تقل قبيحة. ماذا قالت يا ربي؟ لقد نسيت. اتمنى لو كان حاسوبي معي الآن لتأكدت مما قالت}. فجأة دخل الاستاذ نعيم وبدأ درس الفيزياء. كان ذلك الاستاذ يعتبر من افضل الاساتذة في المدرسة وبذلك اليوم كان يلقي محاضرة عن الكهربائية لكن تركيز سمير كان في مكان بعيد تماماً. كان يفكر بهند ويحاول ان يشكل لها صورة في ذهنه. {ربما كانت فتاة قبيحة وجهها مليء بالحبوب والحفر}. فساعة كان يشبهها بخادمتهم السابقة فضيلة فيتذكر كيف كانت بشعة. {لا لايمكن ان تكون بقبح فضيلة. ربما اجمل بقليل. يجب ان لا انسى انها مثقفة وتتحدث الانكليزية وهذا يعني انها مطلعة على اعلانات التجميل بالانترنيت. ثم من قال ان لديها انترنيت او ربما هي لا تعرف كيف تستعمله بتاتاً... ما هذا يا ابو سمرة؟ لو لم يكن لديها انترنيت فكيف سجلت بموقع (كيوبيدي) إذاً؟} طبعاً إذا كانت معلوماتها ضعيفة فبامكانه ان يعلمها كل ما ترغب فيه، لانه بالنتيجة يعتبر نفسه خبيراً بالحواسيب. أليس هو من النخبة الرفيعة من القراصنة (الهاكرية)؟ الم يوقع ذلك الرجل (ليام) من امريكا بشباكه كي يبعث له بـ 1000 دولار؟ وقتها تظاهر سمير بانه فتاة جميلة ليرفق صورتها التي انزلها من جوجل فيتمكن من خداعه. وماذا عن الشاب الفرنسي؟ الذي صار يحاوره اياماً طويلة على انه فتاة نايجيرية حتى ارسل له 500 يورو ثم قطع الاتصال به بعد استلام المبلغ. وتلك السيدة برناديت من اليونان. فالسيدة ارسلت له 200 يورو، وماذا عن حسين الرجل اللبناني المتقاعد حيث بعث له بـ 100 دولار... وفجأة سمع الاستاذ ينادي اسمه باعلى صوته قائلاً،
الاستاذ نعيم : سميـــــــــــــــر هل انت نائم يا سمير؟ سألتك مرتين. هيا اخبرني؟
سمير : بماذا اخبرك يا استاذ؟
الاستاذ نعيم : سألتك عن قانون فلمنغ. اتعرفه يا سمير؟ هل تتذكره؟ انها معلومة قديمة من الثالث المتوسط.
سمير : اجل استاذ. انه من خلال اليد اليسرى تستطيع ان تحدد الحركة والمجال المغناطيسي.
الاستاذ نعيم : هل انت متأكد من كلامك؟
سمير : اجل يا استاذ، انا متأكد.
الاستاذ نعيم : غلط يا نايم. كنت اسأل عن اليد اليمنى وليست اليسرى. هيا اشرح لي الاتجاهات.
هنا تذكر سمير انه قرأ قانون فلمنغ للحركة وتذكر الصورة بذاكرته فمد يده اليمنى وقال،

قانون فلمنغ لليد اليمنى
سمير : الابهام يا استاذ يشير الى الحركة والسبابة تشير الى المجال المغناطيسي اما الوسطى فتشير الى مسار التيار الكهربائي اي تدفق الالكترونات.
الاستاذ نعيم : احسنت يا سمير لكنني شعرت بانك كنت شارد الذهن قليلاً، ماذا دهاك؟ انت واحد من المع الطلاب عندي. ما الذي يشغل بالك يا ابني؟
سمير : لا شيء يا استاذ. سامحني فقد تاخرت بالنوم البارحة لانني كنت اراجع دروسي استعداداً للبكالوريا.
الاستاذ نعيم : حسناً يا ابني اجلس. والآن دعني اشرح لكم ما قاله زميلكم بالتفصيل.
شعر سمير انه نجى من غضب الاستاذ نعيم باعجوبة وعليه ان يركز اكثر. لكن شيئاً ما كان يُرجِعُ تدفق أفكاره نحو هند ووجهها المبهم بمخيلته. اتخذ قراراً وقتها ان يسألها عن صورة لها كي يريح باله. نظر الى السبورة فشاهد الاستاذ قد غاص برسومٍ كثيرة يشرح فيها المحركات الكهربائية التي تعمل بالتيار المستمر. فتجاوز هند وعاد الى الواقع.
وبعد ان انتهت الحصة وخرج الطلاب لاستراحة قصيرة امدها خمس دقائق، جائه صاحبه المقرب ليسأله،
اياد : ماذا دهاك اليوم يا سمّورة؟ لماذا كنت شارد الذهن بدرس الفيزياء؟
سمير : القصة طويلة يا صاحبي.
اياد : ما الامر؟ هل وجدت هدفاً جديداً تبتزه من أولئك الحمقى ممن يريدون ارسال المال اليك؟
سمير : اخفض صوتك يا معتوه ولا تفضحني. الم أقل لك ان الامر سر بيني وبينك؟
اياد : لا تخف، انا هنا وحدي اتحدث اليك. ليس هناك شخص غريب بالقرب منا.
سمير : كنت اعرف تماماً انني غلطان عندما سلمتك رقبتي وافصحت لك عن عملي من خلال الانترنيت. المسألة خطيرة جداً يا اياد.
اياد : لا تنظر اليها من هذا المنظار يا صديقي. فانت تقوم بالتسلية وحسب. والمردود جيد جداً.
سمير : هل قلت تسلية؟ يا لك من احمق! هذه جريمة يا ايودي وقد يحكمون عليّ بالسجن.
اياد : أيسجنوك لمجرد انك تضغط على بعض المفاتيح بحاسوبك العفن القديم لتضيع وقتك وتتسلى؟
سمير : اولاً حاسوبي جديد ومعالجه من نوع (core i9). اشتريته بعد ان حصلت على عملية خداع الرجل الامريكي الذي ارسل إلي 1000 دولار.
اياد : كم انت بخيل يا ولد. لم تفكر ان تمنحني عُشْرْ ذلك المبلغ فانا صديقك المقرب. كان الاجدر بك ان تعطيني ورقة على الاقل.
سمير : يا سلام، وكما يقول المثل (يچد ابو چزمة وياكل ابو كلاش). لا تنسى انني اخذتك يومها الى مطعم في المنصور وتناولنا وجبة دسمة هناك؟ الا تتذكر؟
اياد : هذا صحيح ولكن ليس كمن يحمل ورقة او ورقتان ليمنحها لاعز صديق عنده.
سمير : لو كنت تعمل معي لاعتبرتك شريكي ولتقاسمت معك المبلغ. لكنك لم تعمل اي شيء لتستحق تلك الشراكة.
اياد : انت تعلم انني غبي جداً ولا افهم اي شيء بعلم الحواسيب الذي تبرع انت فيه. كذلك لا اعلم فن ملاغاة ومراوغة الناس. ما العمل؟
سمير : العمل انك تغلق فمك وتتمنى لصديقك الخير وحسب.
اياد : طيب والآن اخبرني عن هدفك الجديد. من يكون وباي دولة يعيش؟ وما هو اسمه؟
سمير : بالحقيقة هدفي الجديد هو من نوع ثانٍ. يختلف تماماً عن كل الاهداف السابقة. دعني اخبرك عنها...
فجأة قاطع حديثهم صوت الجرس فسارعا بالدخول الى الصف كي يحضرا درس اللغة العربي.
كان اياد مهتماً بهدف صديقه سمير ويحب ان يكون له حصة فيما سيجني من مال. بقي يؤشر لصاحبه من بعيد اثناء الحصة بداخل الصف مستفسراً عن هوية ذلك الهدف. لكن سمير لم يبالي لاشارات صاحبه وركز على الدرس فقط لان لديه نقطة ضعف بتلك المادة. فهو يكره الاعراب بشكل كبير الا انه يروم للحصول على علامات عالية بالامتحان الوزاري القادم كي يدخل الجامعة ويتعلم فيها التجسس السبراني.
بعد ان توالت الدروس على الطلاب، سُمِعَ الجرس معلناً فرصة طويلة نسبياً مدتها نصف ساعة. هذه المرة لم يتحمل اياد من الانتظار حتى يخرجا الى الساحة. اقترب من رحلة صاحبه سمير وقال،
اياد : هيا اكمل ما بدأت به في حديثك اثناء الفرصة السابقة.
سمير : عن اي شيء تتحدث؟
اياد : لا تحاول تظليلي. انت تعرف تماماً عن اي شيء اتحدث. سألتك عن هدفك الجديد. من سيكون وباي دولة يعيش؟ وما هو اسمه؟
سمير : اسمه؟ هل قلت اسمه؟ بل اسمها يا حبيبي، اسمها هند. آخخخخخ يا صاحبي لقد دمرتني وجعلتني افكر بها طوال الليل.
اياد : هل جننت يا رجل؟ النساء اذكى منا بكثير وسوف لن تقع بفخاخك ولن تمنحك حتى دولاراً واحداً. لماذ قررت ان تجعل من الفتيات هدفاً لمهمتك هذه المرة؟
سمير : انت لا تعرف شيئاً يا سعيد.
اياد : اي سعيد هذا؟ هل نسيت ان اسمي اياد ؟ انك حقاً تعاني من امراض نفسية اولها الاعجاب بالنساء. الا تعرف كم هن محتالات ويفتقرن للمشاعر؟ انهن يقمن باستغلال مشاعرك كي يسيروك على نهجهم. لا تقع بشباك النساء يا صاحبي.
سمير : اسمع ايودي، لو انك قرأت فقط ما كَتَبَتْ عن نفسها لعلمت سبب اعجابي بها. ثم انك تتحدث وكأنني قد صاحبتها وواعدتها وانتهى الامر. كل ما هنالك انني فقط انوي فتح حوار معها. لانني لم اطلب صداقتها بعد.
اياد : على العموم كل انسان مسؤول عن تصرفاته. وانا لا يمكنني ان احيدك عن مسارك الذي تمضي به لذا ساتركك تنهار ولكن لا تأتي الي يوماً وتقول بانني كنت على حق وانني لم احذرك.
سمير : اطمئن يا صاحبي سوف لن افعل ذلك. الجرس يدق الآن دعنا نعود الى الصف.
رجع الصديقان ليتلقيا درس الرياضيات. لكن سمير كان يفكر بهند طوال الوقت وكيف سيقوم بمفاتحتها لطلب الصداقة. وفي نهاية الدوام خرج مسرعاً كي يتجنب المزيد من التأنيب من صديقه اياد اوعز ذلك للغيرة والحسد. فاياد شاب من النوع الخجول الذي لا يمكنه تكوين علاقات مع الجنس الآخر. ربما بسبب نشأته مع عائلته المحافظة او ربما لسبب آخر يجهله. رجع سمير مسرعاً الى البيت فرأى امه تقف امامه والابتسامة تملأ وجهها سألته،
ام سمير : كيف سارت الامور؟ وكيف كان يومك؟
سمير : كان يوماً عادياً لا يختلف عن سابقاته. اليوم لدي الكثير من الواجبات يجب ان اكملها لاسلمها غداً.
ام سمير : ليس قبل ان تتغدى. لقد عملت لك وجبتك المفضلة. "انها تبسي بيتنجان".
سمير : واو، انا احب التبسي ولكن يجب ان افعل شيئاً بسيطاً بغرفتي وسوف التحق بك بالمطبخ يا امي.
ام سمير : لا هذا لا يجوز. اختك تنتظرك بفارغ الصبر لانها تشعر بجوع قاتل. هيا اغسل يديك وتعال لنتناول الطعام سوية.
سمير : وماذا عن ابي؟
ام سمير : انت تعلم انه لا يستطيع ان يتناول نفس طعامنا. لذلك اخذت له وجبته المعتادة الى غرفته وقمت باطعامه بنفسي فهو كما تعلم ليس بامكانه الاكل لوحده.
سمير : اجل اعرف ذلك. حسناً يا امي سالقي بحقيبتي في غرفتي ثم اغسل يدي والتحق بكما في المطبخ.
ام سمير : ارجوك استعجل يا بني ولا تدع الطعام يبرد.
صعد سمير الى الطابق العلوي ورمى حقيبته على السرير ثم نظر الى الحاسوب بشوق كبير لكنه يعلم تمام المعرفة ان امه ستصاب بالجنون لو تأخر عن الانضمام الى السفرة. وقف وارتدى ملابس فضفاضة وغسل يده ثم نزل الى الطابق السفلي لينضم الى امه واخته فيبدأوا بتناول الطعام. لاحظت اخته اسماء انه بالكاد اكل لقمتين لا ثالث لهما حتى قال، "الحمد لله، لقد شبعت". قالها وانتصب من الكرسي ليغادر السفرة ويتجه نحو السلم صاعداً الى غرفته. اغلق الباب ورائه واحكم اغلاقها بالمفتاح، بعدها فتح حاسوبه ليدخل على الفور الى موقع التعارف (كيوبيدي) ثم ضغط على خيار، [الرسائل الواردة] فلم يجد لحبيبته اي جواب. هنا تذكر انه لم يخاطبها كي ترد عليه. عاد وتفحص صورة الرمز التي اختارته لحساب تعريفها فرأى صورة وردة بيضاء فلماذا لم ترفق صورتها الشخصية؟ لذلك كتب لها،
"السلام عليكم، لا اعلم إن كان اسمك الحقيقي هو هند. لكنني ساستمر بالتواصل معك حتى تردين علي وتعطيني اسمك الحقيقي. اردت فقط ان اخبرك بانني معجب بك وانني..." هنا توقف عن الكتابة دون ان يرسل ما كتب للتو، وصار يفكر ملياً، {كيف اخبرها بانها كذّبت حين اعطت اسم هند؟ ثم انني كيف اصرح لها باعجابي دون ان اراها او اتواصل معها؟ بالتأكيد سوف تأخذ فكرة سيئة عني وسوف تحضرني ولن تدعني اتحدث اليها ابداً}. هنا قام سمير بمحو كل ما كتب وبدلاً عن ذلك اكتفى بكتابة كلمة (هلو) لتبقى تحية مبهمة. بقي ينتظر ردة فعلها بعض الوقت لكنها لم ترد على تحيته. صار يبحر بالمواقع الاخرى محاولاً تضييع الوقت ثم يعود الى نفس موقع التعارف (كيوبيدي) عسى ولعل ان تكون قد استجابت لرسالته المقتضبة. لكنها لم تفعل شيئاً وتجاهلته تماماً. {ربما نَظَرَتْ الى ملفي وتطلعت بصوري ليثير شكلي امتعاضها! لكن انتظر، انتظر، انا لم ارفق صور حقيقية لي بداخل بروفيلي المزيف}. فتح الرسائل الواردة بداخل صفحته فلم يرى منها شيئاً. هنا اصيب بالجنون {لماذا تتجاهلني؟ هل لان عمري اصغر من عمرها؟ او ربما لم يعجبها اسمي}. اغلق الموقع والحاسوب كله ليلتقط حقيبته ويبدأ بالمطالعة. وبينما هو يتصفح الكتب ويقيد المعلومات على دفتره. مرت على ذهنه فكرة رائعة قد يستفيد منها اثناء الدوام بالمدرسة حين تسائل، ربما لدى نفس ذلك الموقع خدمة اضافية يستطيع من خلالها الدخول اليه مستعملاً هاتفه النقال؟ فهاتفه بجيبه حتى بالمدرسة. لذلك فتح الحاسوب من جديد ودخل الى الموقع وفتش كثيراً حتى وجد ملاحظة كتب فيها باللون الاحمر، [بامكانكم تسجيل الدخول من خلال تطبيقنا للهاتف وهو يحمل نفس اسم موقعنا]. فرح سمير بذلك فرحاً جماً وانزل التطبيق على هاتفه وسجله بحيث اعطى اسمه المغلوط (زين العابدين) وبريده الالكتروني المزيف فظهرت له صفحته التي انشأها على الموقع. ابتسم وقال، {ينصر دينك يا استاز نفيسا. الآن بامكاني ان افتح التطبيق حتى عندما اكون بالمدرسة}. رجع الى المطالعة وهو يشعر بالاعتزاز بنفسه لانه سيتمكن من التقاط اي ردود افعال من منتسبي ذلك الموقع اثناء الدوام بالمدرسة.
في اليوم التالي استيقظ كعادته ونزل الى الطابق السفلي كي يتناول وجبة الافطار. بعدها اخذ حقيبته وخرج تاركاً الباب مفتوحاً ورائه ليتلقى المزيد من التوبيخ من قبل امه.
بالمدرسة دخل الصف فرأى صاحبه واقفاً امامه يسأله بحماس،
اياد : بشرني سمورة، هل اجابتك الفتاة القبيحة؟
سمير : اولاً الفتاة ليست قبيحة لانني لم ارى صورتها بعد. ثانياً لا، لم تجب على طلب الصداقة.
اياد : كيف صغت طلب الصداقة؟
سمير : اكتفيت بكلمة (هلو).
اياد : لماذا لم تكتب لها بانك عاشقها وانك مغرم بجمالها. الفتيات يحبون تلك العبارات فتجعلهم يذوبون بسحر تلك الكلمات.
سمير : وكيف تريدني ان اخبرها بانني مغرم بجمالها وانا لم ارى شكلها بعد يا عبقري؟ لاحظ ان هناك قانون غير مدون لدى صيادي النساء مفاده، "لا تبالغ في الافصاح عن مشاعرك بالوهلة الاولى والا فإن الفتاة سوف تظنك شخصاً مراوغاً".
اياد : انت حقاً زير نساء محترف يا صديقي. اتمنى لو اقدر ان اصبح مثلك يوماً. يجب ان تعلمني فن اصطياد النساء.
بتلك اللحظة انفتح باب الصف ودخل سيل من الطلاب يتبعهم المدرس فجلسا باماكنهم لتبدأ الحصة.
وبعد انتهاء الحصة، بدأت الفرصة الأولى فخرج اياد وسمير الى الساحة قال،
اياد : هل استطيع ان ارى الموقع على هاتفك؟
سمير : اجل بالتأكيد سافتح هاتفي الآن لانني جعلته صامتاً اثناء الحصة والا فانت تعرف الاستاذ جورج، سوف يأخذ الهاتف مني ويرميه من الشباك. لحظة واحدة دعني افتحه لانه يأخذ وقتاً طويلاً حتى يصبح جاهزاً فهو هاتف قديم وبطيء.
وبعد قليل فتح سمير صفحته وصاح باعلى صوته،
سمير : يا الهي، لدي رد، لدي رد، دعني ارى من الذي رد عليّ.
فتح الرسالة ليجدها من احدى الفتيات السمراوات الداكنات من افريقيا قال،
سمير : تباً لكِ، يبدو انني تحمست بلا فائدة لانه انذار كاذب. فانا لم اراسل تلك السوداء. يا حسرتي، هند لم ترد على رسالتي.
اياد : ربما كانت مريضة او تعاني من العادة الشهرية او لديها مشاكل في الدخول على الشبكة او ما شابه. لا تفقد الامل يا صديقي.
سمير : ها قد رن الجرس من جديد وعلينا البقاء بالصف الآن. الفرصة تخالها 5 ثواني يا رجل.
جلس الصديقان خلف رحلاتهم وواصلا دروسهم. وبعد الظهر عند انتهاء الدوام رجع سمير الى بيته يشعر بتعب شديد لا يريد سوى ان يستلقي على سريره الوثير قبل ان يباشر بكتابة الواجبات المنزلية. دخل البيت فسألته امه إن كان يشعر بالجوع لكنه اكتفى بقوله (انا متعب واريد ان انام، سآكل فيما بعد). لم يكلف نفسه عناء خلع ملابسه بل دخل الفراش وغرق بنوم عميق كان من الممكن ان يبقيه نائماً حتى اليوم التالي. لكنه بعد اقل من ساعة من نومه رن هاتفه رنة غريبة وغير معتادة. اراد ان يهملها ويواصل النوم لكن الفضول صار يأخذ منه مأخذاً. فتح عيناه بصعوبة والتقط هاتفه ليرى رسالة واردة بالتطبيق. فتح الرسالة واذا بها من هند. فانفرجت جفناه باقصاها وجلس على السرير وهو متحمس تغمره السعادة. ظل يقول (لقد جاوبتني، لقد جاوبتني، لقد جاوبتني).
فتح الرسالة الواردة ليقرأ،
مساء الخير سيد زين العابدين، انا هند من بغداد.
{بغداد؟ هل قالت بغداد؟ يا الهي انها هنا بالقرب مني. يا ترى كيف تبدو؟ بطبيعة الحال انا لا اريد ان اخيفها منذ الوهلة الاولى فتضيع مني. لذلك سأسألها سؤالاً مشروعاً ساكتب،}
- مرحباً انا زين العابدين من بغداد، كيف حالك؟
- وانا هند من بغداد ايضاً. بخير والحمد لله وكيف حالك انت يا زين؟
- الآن اصبحت بخير. دعيني اسألك سؤالاً، لماذا لم تضعي صورتك على بروفيلكِ؟
- انا لا اريد الاغراب ان يشاهدوا صورتي.
- لكننا تعارفنا الآن. فلماذا لا ترسلي بصورتك اليّ؟
- هل تريدني ان ارسلها بالبريد العادي مع ظرف وطابع؟ هاهاهاها
- لا طبعاً. هل لديك تطبيق واتس آب؟
- اجل لدي.
- إذاً، اعطني رقم هاتفكِ؟
- بل انت الذي ستعطيني رقم هاتفكَ.
- حسناً بما انك لا تثقين بي بعد، فتفضلي رقمي هو 9647901682475 +
وبعد وقت قصير رن هاتفه برنة الواتساب الخاصة ففتح الهاتف ليجدها مكالمة صوتية وليست مرئية. وضع الهاتف على اذنه وقال،
سمير : صباح الخير هند.
هند : اعتقد انك تقصد مساء الخير.
سمير : اجل، اجل، لديك الحق مساء الخير.
هند : انت كذلك لم تضع صورتك على صفحتك.
سمير : انا مثلك. المعجبات كثيرات ولا اريدهن ان يزعجوني.
هند : يبدو انك واثق من نفسك.
سمير : بعد ان اضفتك بهاتفي ظهرت لي صورتك على الشاشة.

هند
يجب ان اعترف بانك جميلة جداً. يا ترى، متى اخذت هذه الصورة؟
هند : اخذتها قبل فترة قصيرة لانني نويت ان اقدم على الجامعة بعد ان اخوض امتحان البكالوريا.
سمير : شيئ لا يصدق، والله لا يصدق. انا مثلك تماماً يا هند. فانا بالسادس العلمي واريد ان ادخل كلية الهندسة إن تحصلت على المعدل الذي يخولني لذلك.
هند : اما انا فاريد ان ادخل كلية الآداب فرع الجغرافيا لأنني ادرس الادبي.
سمير : ولكن دعيني اسألك سؤالاً آخراً. الصورة جداً جميلة لكنها لا تبدو كانها صورة تصلح للتقديم الى الجامعات.
هند : وانا لم اقل ذلك. الحقيقة هو ان المصور بعد ان التقط لي الصورة الرسمية بالابيض والاسود. طلبت منه ان يلتقط لي صورة اخرى ملونة فاجلسني بمكان آخر في الاستوديو كي تظهر صورة الزهور من ورائي في الخلفية ثم التقطها.
سمير : هذا يفسر الالوان لكنه لا يفسر قولك بانك لست جميلة. فلماذا كتبت ذلك على صفحتك على موقع كيوبيدي؟
هند : بصراحة يا زين، انا احاول ان اخفي جمالي ولا افصح عنه كي لا استقطب الطامعين من الرجال.
سمير : وعن اي نوع من الرجال تبحثين إذاً؟
هند : انا ابحث عن الرجل المثالي. الرجل الذي يحبني، يدافع عني، يحميني، يحملني حين اسقط، الرجل الذي لا يصدق اي شيء يقال عني من الآخرين بل يأتي الي مباشرة ويسألني فاجيبه بكل صدق وصراحة. ابحث عن الرجل الصادق الامين الشريف الذي لا يتوانى عن فعل اي شيئ كي يرضي الله.
سمير : اعتقد انك تبحثين عني دون ان تدري.
هند : هذا ما ستكشفه الايام. والآن اعذرني. يجب ان اقفل الخط معك فإن والدتي تناديني. الى اللقاء زين.
سمير : انتظري يا هند لحظة واحدة، اين تسكنين... الو... الو...
لكنها اغلقت الخط بوجهه قبل ان تستمع الى سؤاله، مما جعله يستشيط غضباً ويتمنى لو انها اخبرته عن محل اقامتها فهو يتحرق شوقاً لرؤيتها بدمها وشحمها.
في تلك الاثناء سمع رنين جرس الباب ثم نداء والدته من بعيد تقول، "ابني سمير... لقد جاء صاحبك اياد". رد عليها وقال، "دعيه يصعد يا امي انا في الاعلى". انتظر قليلاً حتى سمع الباب ينفتح ويدخل اياد فيقول،
اياد : هل اجابتك يا سموري؟
سمير : اجل يا اياد اجل. لقد تحدثت اليها مطولاً.
اياد : هل عرفت اين تسكن؟
سمير : انها تسكن في بغداد لكنها لم تعطني العنوان بعد. يجب عليها ان تطمئن لي اولاً ثم تسمح لي كي اقابلها وجهاً لوجه.
اياد : يا لك من ثعلب مكار. وكيف ستفاتحها لتمنحك المال؟
سمير : هل جننت يا اياد؟ انها ليست كباقي النساء. انا لا اريد منها المال، فانا تعلقت بها وصرت احبها.
اياد : وكيف تحب شخصاً لم يسبق لك ان رأيت شكله وملامحه؟ الم تقل لك انها قبيحة الشكل؟
سمير : قبيحة؟ هل قلت قبيحة؟ إذاً دعني اريك صورتها. اقترب مني وانظر يا مسكين.
ادار سمير شاشة هاتفه ليوجهه نحو اياد وقال،
سمير : انظر الى هذه القبيحة.
اياد : يا الهي، انا لا اصدق. انها اجمل من هيفاء وهبي. هل يعقل انها سترضى بواحد مثلك؟ ثم انها تبدو اكبر منك بكثير. ربما هي في الجامعة.
سمير : لا يا حمار. انها بنفس عمري. لقد اخذت هذه الصورة كي تقدمها للتسجيل في الجامعة بعد ان تخوض البكالوريا كما نفعل نحن.
اياد : يا سلام، كم انت محظوظ يا سموري لانك عثرت على شريكة حياتك المستقبلية.
سمير : ليس للحظ اي مكان بتلك العملية. لقد تحصلت عليها من خلال خبرتي في التعامل مع النساء على الشبكة العنكبوتية. فالنساء لا يشبهوننا في طرق تفكيرهن ولديهن آليات واساليب مختلفة بالتفكير.
اياد : انت فعلاً بارع في هذا المجال لكنني لا اجرؤ ان افعل ما تفعله انت. فانا لا اعرف كيف افتح الحديث معهن ولا اعلم إن كانوا يكذبون عليّ ام يصدقونني القول. الا علمتني كيف اتعامل معهن كي احاول ان اعثر لنفسي على فتاة بجمال حبيبتك؟
سمير : حسناً ساعلمك ولكن يجب ان تتبع تعاليمي بشكل نظامي ولا تحيد عنها. اسمع يا صديقي: يجب عليك في البداية ان تعرف مدينة اقامة الفتاة. يجب ان تسكن بالقرب منك. فإن كانت قريبة منك او ربما كان مكانها ليس بعيداً مثل بابل او الصويرة او العزيزية او ما شابه فهذا امر مقبول.
امسك اياد بورقة وصار يكتب ملاحظاته: بابل، صويرة، عزيزية.
سمير : بعدها تتفحص صورها. فانت مثلي تماماً تحب الرشيقات فقط ولا ترغب بمعاشرة الفتيات البدينات لذلك عليك ان ترى محتوى الصور. اعلم ان الفتيات البدينات تحاولن اخفاء بدانتهن في الصور من خلال طرق ذكية، فاما أن تضع يدها امام بطنها واما تمسك بحقيبة يدها امامها وكأنها تتكئ عليها واحيانا تمسك بمخدة وكأن ذلك شيئاً عفوياً. لكن الواقاع هو انها تحاول اخفاء كرشها المتدلي. اغلب الفتيات البدينات يرفقن صور وجوههن فقط وهذا لا ينفع. لذلك يجب ان تراها واقفة بالصورة كي تستطيع ان تحكم على رشاقتها.
اياد : يدها، حقيبة، مخدة، كرش متدلي. طيب تابع حديثك.
سمير : الكثير منهم يحاولن استخدام فلترات لجعل اشكالهن اكثر جمالاً وصفاءاً. ولكي تكشف ذلك فإن البرامج التي تستخدمها الفتيات للتجميل تكون لها بصمات معروفة وواضحة.
اياد : فلاتر للتجميل، بصمات، برامج، طيب.
سمير : انتبه هنا لان بعض النساء يكونن متزوجات ولكن يذكرون بانهن (منفصلات). وانت تعلم ان المطلقة غير المنفصلة. اليس كذلك؟
اياد : مطلقات، منفصلات، اكمل.
سمير : هناك نصائح اخرى بامكاني تنبيهك عنها ولكن حاول ان تريني كل شيء قبل ان تتورط بواحدة تنسيك عافيتك.
اياد : بالتأكيد فانت الگورو.
سمير : انا ماذا؟ ماذا اسميتني؟
اياد : گورو Guru وتعني الاستاذ. سمعتها باحدى الافلام الاجنبية.
سمير : طيب عزيزي، الآن دعنا نراجع دروسنا ونكتب الواجب والا فإن گورونا الاستاذ نعيم سيصاب بنوبة هستيرية من شدة الغضب.
اياد : لا يا عزيزي. انا اريد ان ارجع الى بيتي فوراً واطبق تعليماتك من خلال حاسوبي النقال. ربما ساحصل على فتاة جميلة مثل فتاتك هند.
سمير : حسناً كما تشاء ايودي. ساراك غداً بالمدرسة إذاً.
باليوم التالي كان سمير جالساً بداخل الصف عندما بدأ هاتفه بالاهتزاز لذلك طلب الاذن من استاذ الرياضيات كي يخرج من الصف. وعندما اصبح في الساحة الخالية من الطلاب وجد اتصالاً من هند فرن عليها فاجابت قائلة،
هند : مرحباً زين، كيف حالك؟
سمير : انا بخير حبيبتي وانت كيف حالك؟
فجأة سمع الخط ينغلق. بقي ينظر الى الشاشة ويتفحص نسبة الشحن ليجدها %86 {إذاً لماذا انغلق الخط؟ ما المشكلة. هل تضايقت لانني قلت لها كلمة (حبيبتي)؟ هل تسرعت كعادتي ووضعت قدمي بمشكلة جديدة لافسد كل شيء؟ يا الهي ماذا اعمل؟ دعني احاول ان اطلبها واقف على سبب اغلاقها للخط}.
قام سمير بطلبها ووضع الهاتف على اذنه فوجدها ترفض استلام مكالمته. حاول محاولة ثانية وثالثة لكنها اغلقت عليه الخط كل مرة. هنا بدأ الشك يراوده {يا الهي، هل خسرتها الى الابد؟ كم انا غبي. تسرعت وناديتها حبيبتي ولم امهد للموضوع ببطئ شديد. يجب ان اتعلم طريقة التعامل مع العراقيات فهو ليس كالتعامل مع الامريكيات او اليونانيات. الفتاة العربية عامة والعراقية خاصة يجب ان تطمئن اليك رويداً رويداً قبل ان تفتح معها ملف المشاعر والرومانسيات. لقد كنت غبياً لابعد الحدود. يجب ان احاول الاتصال بها والاعتذار منها قبل ان افقدها الى الابد. دعني اطلبها للمرة الاخيرة}. ضغط على زر اعادة الاتصال لكن حصل ما حصل في المرات السابقة لذلك وضع هاتفه بجيبه وعاد الى الصف منكسراً.
بقي الحال على ما هو عليه لمدة اسبوع كامل حتى يئس تماماً من التحدث اليها وعلم انها سوف لن تعود لتتواصل معه ابداً بعد ان ارتكب ذلك الخطأ الجسيم. وكل مرة كان يسأله اياد عنها فيخبره بان كل شيء على ما يرام. إذ كان يخترع لصاحبه حوارات خيالية كي لا يقول عنه صاحبه بانه (كازانوڤا فاشل). وبعد اسبوع من المعانات رن هاتفه فنظر الى الشاشة ليجد صورتها الجميلة تملاً هاتفه ففرح كثيراً وفتح الخط ليقول،
سمير : هند عزيزتي لماذا لم تتصلي كل هذه المدة؟ لقد قلقت عليك كثيراً. هل انت بخير؟ هل الاهل بخير؟
هند : كل شيء على ما يرام لكنني مستاءة منك كثيراً فقد خيبت ظني بك يا زين.
سمير : لماذا يا عزيزتي؟ ماذا فعلت لاستحق منك كل هذا الجفاء والتأنيب؟
هند : هل نسيت ما قلته لي آخر مرة؟ يبدو انك اصبت بالزهايمر المبكر.
سمير : اعلم جيداً انك تضايقت من كلمة (حبيبتي) لكنني والله لم اكن اقصد ازعاجك. لقد خرجت من فمي بشكل عفوي. ارجوك سامحيني فانا لا ارغب ان اخسرك يا هند.
هند : حسناً لقد سامحتك ولكن ارجوك لا تكررها ثانية. فانا اعتبرك صديق وحسب. ولا انوي ان اخوض معك تجربة عاطفية.
سمير : لكنك قلت انك تبحثين عن الرجل المثالي. الرجل الذي يحبك، يدافع عنك ويحميك. اليس كذلك؟
هند : اجل لكنني لم اقل انني معجبة بك انت بالذات. انا فقط سطرت لك مواصفات فارس احلامي. الا انك تصورت باني اصفك انت. كيف تتجرأ ان تقول تلك الكلمة دون ان تقصدها؟
سمير : انا آسف يا هند. ارجوكِ سامحيني فانا سوف لن اكررها ثانية. هل انت راضية عني الآن؟
هند : اجل بالوقت الحالي. ولكن انتبه على كلامك بالمستقبل.
سمير : والآن اخبريني يا صديقتي، متى سنلتقي وجهاً لوجه؟
هند : انت تعلم ان البكالوريا على الابواب وانا لا اريد اعادة السنة. لذلك دعنا ننتهي منها ثم نلتقي.
سمير : لكن ما زال للامتحانات اربعة شهور. اتريديني ان انتظر اربعة شهور اخرى قبل ان اراكِ؟
هند : وما المانع في ذلك؟
سمير : حسناً على الاقل دعينا نتحدث معاً على الهاتف عبر الكاميرا.
هند : لا بأس ولكن ليس الآن. فانا متعبة واستعد للنوم وشكلي ليس ملائماً. سنتحدث بيوم آخر.
سمير : انا لا يهمني شكلك. ارجوك اريد ان ارى وجهك فقط.
هند : حسناً سنتحدث غداً بالفديو. هل يرضيك ذلك؟
سمير : كيف لا وانا انتظر تلك الحظة منذ امد بعيد لانني اح...
هند : ها... ماذا قلنا؟ لقد رجعت الى اسلوب العشق والغرام.
سمير : اقصد انتظر ملاقات صديقتي.
هند : حسناً، حسناً، إلى الغد إذاً.
باليوم التالي تلقى سمير رسالة نصية من هند تخبره فيها انها تعتذر لانها سوف لن تتمكن من التحدث اليه بسبب ضيوف ثقيلي الدم قد حلوا بدارهم وسيقيمون عندهم لمدة اسبوع كامل ثم يعودون الى البصرة بعدها. لم يكن لدى سمير اي بد سوى ان ينتظر رحيل ضيوفها كي يرى وجهها لاول مرة عبر الكامرا. ولو ان بعضاً من الظن بدأ يتسرب الى قلبه وصار يشك بانها تحاول ان تخفي عنه شيئاً جلل. لكنه قرر ان يتمسك بالصبر وينتظر حتى ينتهي الاسبوع فيتحدث اليها بالفديو. وبعد ستة ايام من ذلك الموعد رن هاتفه برنة تشير الى وجود محادثة مسموعة فقط فنظر الى الشاشة ليجد صورة هند تستحوذ على شاشته. امتلأ قلبه بالحب والأمل. ضغط على الزر الاخضر فسمعها تقول،
هند : صباح الخير زيوني.
سمير : صباح الخير هنّودة.
هند : ها قد اتصلت بك كما وعدتك؟
سمير : لكنك قلت سنتحدث بالصوت والصورة. اخبريني، هل رحل ضيوفكم؟
هند : اجل رحلوا اليوم فجراً وارتحنا منهم. اتجهوا الى البصرة بسيارتهم لان رمضان على الابواب وهم يريدون الصيام ببيتهم.
سمير : والآن، بما ان ضيوفكم قد رحلوا عن الساحة العربية والدولية. لماذا لا نلتقي في الزوراء ولو لفترة قصيرة؟ وبعدها بامكاننا ان نركز على الامتحانات. ما رأيك؟
هند : حسناً سنلتقي كما تشاء. اليس ذلك افضل من محادثة الفديو التي كنت تريدها على شاشة صغيرة؟ ولكن ساراك لوقت قصير فقط.
سمير : وانا موافق، وقت قصير جداً. ما رأيك باليوم؟
هند : حسناً اليوم. ساكون بالزوراء مع الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر.
سمير : سانتظرك يا هنّودة، ارجوكِ لا تتأخري.
هند : انتظر زين لا تغلق الخط. اين سالقاك هناك؟
سمير : بالناحية الشرقية من المنتزه، توجد نخلة صغيرة ذات جذعين اتعرفينها؟
هند : اجل اعرفها جيداً.
سمير : سيكون لقائنا عند النخلة.
اغلق الخط معها ووقف فجأة ثم جلس وهو يبتسم من شدة غبطته وفرحه. اليوم سيلتقي بحبيبته، اليوم سيكون اسعد يوم بحياته، انه اللقاء الاول. سيهتم كثيراً بما سيقول وما سيتلفظ به لانها فتاة رقيقة حساسة لا تتحمل منه اي فظاظة. سيعطيها انطباعاً جيداً عن نفسه. ربما سيخبرها باسمه الحقيقي. يا ترى هل ستتقبل ذلك برحابة صدر ام انها ستستاء منه لانه كذب عليها واخفى اسمه الحقيقي؟
ماذا سيقع بين الصديقين يا ترى؟ هل ستتحول علاقتهما الى عشق وغرام حقيقي ام انها ستتلاشى وتتطاير بمهب الريح لاسباب مجهولة؟
سنعلم كل ذلك بالجزء الثاني من هذه القصة.

1391 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع