
أ. د. نزار الربيعي
قصة الخليقة في العهد البابلي القديم
يعود زمن تدوين القصة الى العهد البابلي القديم ، وذلك من خلال الأسلوب الذي تبت به ولغتها. إلا بعض الباحثين يرجح ان اصولها كانت اقدم من زمن تدوينها على الرغم من أن هدف القصة كان تمجيد الاله مردوخ اله بابل وتعظيم مدينة بابل علاء شأنها ومكانتها بين البلاد ، فان جذورها تمتد الى الألف الثالث ق.م . وكما هو عروف لدينا ان مثل هذه القصص الاسطورية كانت تروى شفاها فـي الاعـم الاغلب تتناقلها الاجيال من جيل الى جيل وهناك اشارة أخرى تدلل على ان بطل القصة هـو يل لأن معظم الصفات التي أسبغت على مردوخ في القصة هي من صفات أنليل يعد واحدا من الالهة الرئيسة في مجمع الآلهة
وكان لهذه الاسطورة أثر كبير في معتقدات الشعوب الأخرى وبخاصة العبرانيين ، لاحظ تشابها واضحا بين قصة الخليقة وما جاء في التوراة وبالتحديد في سفر التكوين (۳-۲-۱) فكلاهما ، الاسطورة البابلية والتوراة ، أشار الى (العماء) وتشابه في مصد الاشياء واصلها المؤلف من عنصرين الماء العذب (المذكر) والماء المالح (المؤنث) واللذين جسمها البابليون بابسو وتيامت . كما تطرقت القصة الى تنظيم الكون ، وخلق الانسان ، وتكوين الحضارة والعمران عند البشر.
من الواضح ان البابليين لم ينظروا الى اسطورة الخليقة كتقرير يرضى به العقل عن ضرورة الدنيا ، فان العراقي القديم لم يفكر بجواب معين ، وانكشف له هذا الجواب من خلال العلاقة المتبادلة بينه وبين الطبيعة ، ((فهي تبقينا في عالم الاسطورة رغم اننا نلمح شيء من التأمل فيها ، فجاءت انعكاساً لاثر البيئة الطبيعية)) فالفيضانات تحدث على غير انتظام ، والرياح اللاهبة تخنق المرء بغبارها ، ومياه طاغية تحول الصلب من الارض الى بحر من الطين مما يؤدي الى اعاقة الحركة والتنقل ، فقسوة الطبيعة التي هي اوجدت هذه الحالة الذهنية . فكان فهم الانسان للكون يعبر عن نفسه في صورة جمع وتوحيد ارادات ، أي في صورة الانظمة الاجتماعية وبوجه أخص الدولة ، فكانت نظرته للكون اشبه بالدولة ، حيث تبدأ الاسطورة بوصف الكون كما كان في البدء .
حينما في العلى لم يكن للسماء اسم
وفي الدنى لم تكن الارض شيئاً مذكوراً
ولما لم يكن في البدء غير أبسو أبوهم
والام تيامت التي ولدتهم جميعاً
وكان ماءهما ممتزجين معاً
ولم تكن اليابسة ولاضحضاح يرى
عندما لم يكن بعد أجمات القصب
عندما لم يكن بعد حقول
لم يكن بعد الواح قدر
إضطرب الماء ، فامتزج العذب بالمالح
فولد الكون ، من الزبد كانت الارض
ومن الامواج كانت الجبال
وما تطاير من الماء ارتفع سماء فوق سماء
نجد فيما تقدم اقدم صورة تخيلها العراقي القديم للكون في مراحله الاولى ، وهـو بعد ما يزال فوضى من الماء ، وحاول اختراق هذا الغموض عن ل الكون برسم صورة مشابهة لتكون مساحات الارض الجديدة التي تجمعت عن الطمي الذي يحمله فيضان الانهار ، والتقائها مع مياه البحر المالحة . وهكذا فان سكان وادي الرافدين ربطوا في تأملهم في اصل الدنيا وتكوينها مع بداية ما يعرفون عن طبيعة ارضهم فبدت لهم السماء جماداً كالأرض ، والتي تكونت على النحو نفسه ثم رفعت الى مكانها في العلى .
هذا النشيد شأن الاناشيد الميثولوجية الكبرى ، تركت طابعها في الحضارات والمجتمعات التي عاصرتها او التي جاءت بعدها . فأخذت شبه ملحمة تامة وان تكن تختلف عنها في ان الانسان ليس له دور فيها إلا بخلقه ووجوده فهو حصيلتها ونتيجة عرضية من نتائجها ، ولكن في نفس الوقت حاول الانسان من خلالها تعليل الغامض والمبهم في حياته ، الولادة والموت ، النوم والاحلام ، المرض والجوع ، الزلازل والفيضانات ، العواصف والبروق والرعود ، موت الطبيعة وعودتها الى الحياة مع الربيع .... هذه وغيرها كانت تحيط حياة الانسان بهالة من الالغاز يحتاج العقل معها الى تفسير ، فكانت هذه الاسطورة من اجل تفسير شيء غامض ومبهم في نص ديني، ((فليس ثمة اسطورة إذا لم يؤمن بها)).
وفي مكان أخر من قصة الخليقة يتحدث عن ميلاد مردوخ الذي أصبح زمن العهد البابلي القديم المتقدم بين الالهة لتعداد مزياه منها
كان متجلياً بانوار عشرة الهة
وكان خارق القدرة
ولكن ما ان يترعرع مردوخ حتى تتجدد الاخطار بين الالهة القديمة والحديثة وتحدث المجابهة ، ويقلد مردوخ السلطة وتمده الالهة بالسلاح واسلحته هي اسلحة العاصفة والرعد وينتصر ، وتصف القصة هذا الصراع وانتصار مردوخ .

1375 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع