
نزار جاف
المطر وليس الرعد*
ليس هناك من تناول حياة الانسان من جانبها المظلم کما فعل دوستوفسکي في رواياته، حيث يهتز الانسان کورقة صفراء في مهب ريح تتلاعب بها في إتجاهات ترسم کلها بخلاف المبتغى وحتى العاطفة ذاتها جعلها تبدو أقرب ما تکون للتراجيکوميديا، وکمثال على ذلك فإنه في رائعته"مذلون مهانون"، يقوم بطل الرواية"فانیا" بمساعدة"ناتاشا" التي يهيم بها حبا ويسعى لمساعدتها رغم زواجها من غيره، لکن ومع ما يلمس القارئ من القسوة المفرطة التي تبدو بها الحياة في عوالم دوستوفسکي، فإنها ليست کما لو عاشها الانسان کواقع.
الکتابة عن أي موضوع ومهما کان من دون أن تکون على ألمام ودراية وحتى معايشة کافية معه، فإنها لن تکون في المستوى المطلوب ولن تحقق هدفها وتکون أشبه بمجرد رأي بين آلافا من الآراء الاخرى بنفس الصدد، وحتى إن بريطانيا العظمى لم تقم بالدخول عنوة الى بلدان العالمين العربي والاسلامي، بل أرسلت ضباط مخابرات لها ليعايشوا ذلك الواقع وإن لورنس في شبه الجزيرة العربية ومیجرسون الذي تخفى في کردستان العراق تحت اسم"غلام حسين شيرازي" عمل کخادم في منزل الشاعر الکردي طاهر بگ الجاف في مدينة حلبجة، قبل إندلاع الحرب العالمية الاولى وقد کشف الساعر أمره وطلب منه المغادرة، ولذلك فإن النجاح الذي حققته السياسية البريطانية في ليس کالفشل والاحباطات التي واجهتها السياسة الاميرکية.
عدد کبير من المقالات والتحليلات کتبت بشأن الاوضاع في إيران على وقع الاحتجاجات الاخيرة التي هزت إيران وعصفت بالنظام الکهنوتي القائم هناك، لکن المثير في کل ما کتب إنه لم يکن يلمس الواقع الايراني کما هو وإنما کانت في الاغلب مجرد محاولات نظرية من بعيد لفهم ما يجري وليس لتناوله وتحليله کما هو على أرض الواقع، ولاسيما وإن النظام القائم في إيران له باع طويل في مجال التغطية والتمويه على ما يجري على الارض والتلاعب بالحقيقة وحتى طمسها أو تغييرها وتحريفها بإتجاهات تصب في صالحه في نهاية الامر.
لکن من المفيد هنا أن نلفت النظر الى إن هناك أقلاما مرموقة کتبت في الشأن الايراني بمنتهى الحرفية والحذاقة وتجنبت الدخول في تفاصيل ليست من الضرورة الخوض فيها وتناولت الخط العام لمجريات الامور والاوضاع في إيران نظير عبدالرحمن الراشد ولاسيما عندما کتب مقطعين مهمين في مقالته المعنونة"کيف ستکون إيران؟" في صحيفة "الشرق الاوسط"، الاول منها هو:" البحث في مرحلة ما بعد نظام إيران الحالي ليس ضربا في الرمل، بل حديث واقعي، نحن أمام تغيير شبه مؤكد مهما نجح النظام في صد طوفان محاولات المعارضة، والمحتجين، والهجمات الإسرائيلية والأميركية." أما المقطع الثاني فهو"بغض النظر عن الدوافع، فإن ما قد يحدث مع إيران سيعيد تشكيل النظام الإقليمي الذي عرفناه في العقدين الماضيين. والخوف العربي من المستقبل المجهول مبرر، فالأثمان كانت مكلفة. فقد مر 15 عاما ولم تنته الفوضى بعد منذ الربيع العربي. مع هذا علينا أن نفتش عن الإيجابيات، ونستعد لها، لا أن نتخندق فقط ضد الاحتمالات السيئة.".
ما طرحه الراشد عن لاوضاع الايرانية ولاسيما عن المعارضة حيث شبه محاولاتها بالطوفان قدم من خلاله قراءة وفهما واقعيا في الاتجاه الصحيح وليس شطب المعارضة الايرانية وتشبيهها بمعارضات مزيفة کما فعل العديد من الکتاب ويفعلون، کما إن الراشد أيضا لم يبادر الى تقديم حالة سلبية لما سيحدث في إيران ما بعد رجال الدين وإنما على العکس من أغلب الکتاب المتشائمين أکد بأنه" علينا أن نفتش عن الإيجابيات، ونستعد لها، لا أن نتخندق فقط ضد الاحتمالات السيئة."، وللحقيقة يجب القول بأن الطرح الموضوعي للراشد لا يمکن أن يستهوي طهران لأنه يسير في سياق تأويلي مع ما سيحدث وليس ما يسعون إليه في طهران کي يحدث.
أکثر ما يريده ويتمناه الحکم الديني المتزمت في طهران، ولاسيما بعد کل إحتجاجات عاصفة وغير عادية کالتي جرت في سبتمتر 2022، وديسمبر2025، هو أن يتم الترکيز على إن المنطقة ستدخل في حربا مجنونة تٶثر سلبا على معظم دولها أو إن إيران ستواجه سيناريوهات من قبيل حالة الفوضى أو التفکك، وقد تم ذکر وتناول هذه السيناريوهات مع إضافة بعض السيناريوهات البعيدة کل البعد عن أصل الموضوع نظيڕ إقحام الحرس الثوري وجعله من سيتحکم بإيران ما بعد رجال الدين مع بعض التغييرات المطلوبة.
بيد إننا مع ذلك من المهم هنا أن نشير الى بعض الحقائق المهمة في الاوضاع السائدة في إيران منذ ال47 عاما الماضية وليس الحالية فقط کما يعمل ويسعى البعض، ومعرفة وتحديد الجهة المعارضة المعارضة التي وقفت بوجه نظام ولاية الفقيه الذي بذل ويبذل غاية ما في وسعه من أجل القضاء عليه، ونقصد بذلك تحديدا منظمة مجاهدي خلق، إذ إن السٶال الذي يجب طرحه على کل أولئك الذين يصادرون 47 عاما من المواجهة الدامية لهذه المنظمة وشطبها بجرة قلم، هو لماذا تعمل السلطتين التنفيذية والقضائية الايرانيتين کل ما في وسعهما ضد قادة المنظمة في الخارج إذا لم يکن لهم دور في داخل إيران کما يٶکد الولي الفقيه بنفسه ذلك؟
تحت أي مسمى يمکن وضع إعلان السلطات الامنية إلقاء القبض على عناصر من خلايا "وحدات المقاومة" التابعة لمجاهدي خلق وإصدار أحکام الاعدام بحقها من قبل السلطة القضائية؟ بل لماذا يبادر المسٶولون في النظام الى إتهام المنظمة بأنها وراء کل حرکة إحتجاجية تستهدف النظام برمته؟
ما تميزت وتتميز به منظمة مجاهدي خلق في صراعها ومواجهتها للنظام القائم طوال أکثر من 4 عقود خلت، هو إنها لم تکتف بمعارضة نظرية للنظام وإنما إقترنت بمعارضة فعلية ولهذا فقد تم وضعها على رأس قائمة الاعداء في طهران، فهي لم تکتفي بأن ترعد بوجه النظام فقط بل وکانت وابلا يسعى لإغراقه أيضا، وفي غرقه سيأتي ربيع الحرية في إيران.
*عنوان المقالة مقتبس من قول لجلال الدين الرومي:"ارتق بمستوى حديثك لا بمستوى صوتك، إنه المطر الذي ينمي الأزهار وليس الرعد.".

1741 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع