
د. رمضان مهلهل سدخان
إشكالية القَسَم الجماعي لأعضاء البرلمان العراقي في ضوء نظرية أفعال الكلام
يتطرق المقال الى موضوعة القَسَم بوصفه حدثاً لغوياً لمعرفة مدى إمكانية أدائه بشكل جماعي، كالذي قام به أعضاء مجلس النواب العراقي بجلستهم الافتتاحية يوم الإثنين 29-12-2025. سيجري البحث في هذا الموضوع من زاوية لغوية عبر تطبيق نظرية أفعال الكلام speech act theory، التي أسّسَ لها الفيلسوف واللغوي الإنكليزي، جون أوستن، الذي جمع عصارة فكره في كتاب نُشر في ستينيات القرن الماضي تحت عنوان "كيف نُنجز الأشياء بالكلمات" نشره طلابه بعد وفاته.
جاءت فكرة هذه النظرية عندما وجد أوستن بأن بعض التعبيرات لا تحتمل الصدق أو الكذب، كما أنها لا تصف حالة ولا تنقل خبراً. وقد أطلق على مثل هذه التعبيرات اسم "الألفاظ الإنجازية"، بمعنى أنها تُنجز أفعالاً من خلال الكلمات، أي على عكس "الألفاظ التقريرية" التي لا تقوم بمثل هذه الوظيفة. وتتخذ مثل هذه الألفاظ شكلَ الجمل الخبرية، وعندما تصدر تحت ظروف مناسبة، لا تبدو كتقارير أو توصيفات، بل تكون أداءً لفعلٍ ما. ومن أمثلة الألفاظ الإنجازية تلك التي تنطوي على وعد، أو تهديد، أو اعتذار، أو تسمية، أو قَسَم (وهذا هو موضوع المقالة الحالية)، أو قبول، أو رفض، أو طلب، أو رجاء، أو التماس، أو دعاء؛ وما إلى ذلك من الأفعال الإنجازية، التي يقترن فيها القولُ بالفعل. خذ مثلاً الأفعال الكلامية التالية:
- أُسمّي السفينة جبل طارق. (إعلان)
- أعدك بأنني سأرحل غداً. (إعطاء وعد)
- أريدك أن تأتي معي. (توجيه)
- يسعدني أن تلتحق بالكلية الطبية. (تعبير عن حالة عاطفية)
وبنظرة فاحصة في هذه الأمثلة يتبيّن بأن الألفاظ الإنجازية تتميز باستخدام الشخص الأول الحاضر، أي ضمير المتكلم، وبصيغة المبني للمعلوم. وبموجب نظرية أفعال الكلام، يكون إنتاج الكلمات أو الجمل معادلاً لأداء هذه الافعال. بمعنى تحويل الأقوال الى أفعال، أو، كما يقول أوستن، إنجاز الأشياء بالكلمات.
لكن اللفظة، لكي تؤدي هذه الوظيفة الإنجازية، لا بد لها أن تنطوي على ثلاث قوى تتعلّق باللفظ نفسه ونيّة المتحدث والتأثير الذي يحدثه ذلك اللفظ. مثلاً، الحدث الكلامي "نحن هيئة المحلّفين نجد بأن المتهم مذنب" يمتلك (1) "قوة لفظية" تكمن في احتوائه على كلمات أو ألفاظ والفعل بصيغة الحاضر، و(2) "قوة النيّة" وهو أن هذا اللفظ يحمل طلباً، و (3) "قوة تأثيرية" أي أن المتهم، مثلاً، يبدأ بالصراخ والعويل عند سماعه بهذا الحدث.
ولكي تتحقق هذه الثلاثية، لا بد للحدث اللغوي أن يفي بثلاثة شروط هي: شرط الاستعداد (أي أن يكون المتكلم قادراً على إنجاز الفعل)، وشرط الإخلاص (أي أن يكون مخلصاً في أداء الفعل)، والشرط الجوهري (أي محاولة المتكلم التأثير على السامع لإتمام إنجاز الفعل). كما تنفتح الأفعال الإنجازية تلك الى خمسة أصناف هي: الأفعال التوكيدية (وهي التي تُلزِم المتحدّث بالتقيّد بحقيقة القضية التي يؤكّدها، مثلاً "أقسم بالله بأنني أضعتُ نقودي")؛ والأفعال التوجيهية (وهي التي تحاول جعل السامع يقوم بشيء ما، مثلاً "أطلبُ منك بأن تغادر القاعة")، والأفعال الإلزامية (وهي التي تُلزِم المتكلم بالتقيّد بمنهجِ عملٍ مستقبليّ، مثلاً "أقسم بأن أحافظ على استقلال العراق"، والأفعال الإعلانية (وهي تلك الأفعال التي إن جرت بشكل موفّق فإنها ستُنتِج الحالة المطلوبة من وراء تلك الفعال الكلامية كما في الزواج والطلاق والتسمية وما الى ذلك)؛ والأفعال التعبيرية (وهي التي تنطوي على القيام بأفعال تقليدية مثل الشُكر، والتحية، والتهنئة).
وهكذا، فإن "القَسَم" يقع ضمن الأفعال التوكيدية والأفعال الإلزامية، كما يتضح أيضاً بأن معطيات نظرية أفعال الكلام تحيط بمعظم تعاملاتنا اليومية كالزواج والطلاق وعقود البيع والشراء والاقتراض وغيرها كثير، والتي لا يمكن لها أن تُحدِث التأثير المطلوب إلاّ بعد الإتيان بها على وجهها الدقيق وبعد إيفائها بالشروط الأدائية جميعها.
بعد هذه المقدمة الموجزة جداً عن نظرية أفعال الكلام، التي تطورت كثيراً بعد أوستن لا سيما على يد سيرل، أحد طلبة أوستن، أنتقلُ إلى محاولة تطبيق هذه النظرية على موضوعة القَسَم الذي أدّاه أعضاء البرلمان العراقي، في هذه الدورة وفي الدورات السابقة أيضاً، بشكل جماعي، للوقوف على مدى إيفائه بكافة شروط هذه النظرية، وبالتالي معرفة إن كان ذلك القَسَم الجماعي صحيحاً أم تكتنفه بعض المآخذ.
كلمات القَسَم التي نصّ عليها الدستور العراقي هي: "اُقسمُ بالله العليّ العظيم، أن أؤدي مهماتي ومسؤولياتي القانونية، بتفانٍ وإخلاص، وأن أحافظ على استقلال العراق وسيادته، وأرعى مصالح شعبه، وأسهر على سلامة أرضه وسمائه ومياهه وثرواته ونظامه الديمقراطي الاتحادي، وأن أعمل على صيانة الحريات العامة والخاصة، واستقلال القضاء، وألتزمُ بتطبيق التشريعات بأمانةٍ وحياد، والله على ما أقول شهيد".
ثمة ملاحظات حول كيفية أداء اليمين الدستورية للبرلمان العراقي منها:
- كلمات القَسَم تندرج ضمن صنف "أفعال الكلام الإلزامية"، التي تفرض على المتكلم الالتزام بإنجاز فعل مستقبلي.
- تأدية اليمين بشكل جماعي، إذ قرأ كلمات القسم النائب عامر الفايز، رئيس الجلسة، فيما أخذ بقية النواب يرددون القَسَم بعده.
- لم يضع أحدٌ ممن أدّى القَسَم يدَه على القرآن (أو أي كتاب سماوي آخر).
- أعضاء مجلس النواب اختلفت طريقة وقفتهم، كان بعضهم مسترخياً يتحرك يمنة ويسرة، وبعضهم كان يتحدث مع زملائه، وبعضهم يلتفت وكثير الحركة، وبعضهم كان يبتسم، والبعض الآخر لم يحرّك شفتيه، وبعضهم كان يتمشى ليأخذ مكانه في البرلمان لحظة تلاوة كلمات القَسَم.
- استغرق ترديد القسم الجماعي دقيقة وثماني ثواني فقط.
وفق تلك الظروف التي جرى فيها ترديد القسم واستناداً إلى معطيات نظرية أفعال الكلام، يمكن الاستنتاج بأن عملية ترديد القَسَم تلك أخلّت بالكثير من الشروط الإنجازية والتوفيقية التي نصّت عليها نظرية أفعال الكلام التي يكون القَسَم جزءاً منها، وكما يلي:
- كيفية ترديد القسم: القَسَم الجماعي لا يضمن أنّ كل عضو ردّدَ الكلمات المنصوص عليها في القَسَم بشكل صحيح وخالٍ من اللحن وبصوت واضح وبالأحاسيس والنوايا المطلوبة. وهذا يدلّ على أن بعض الأعضاء لم يحركوا حتى شفاههم، كما أسلفتُ، والبعض الآخر كان لاهياً مع زميل بجانبه، أو كان يردد جزءاً من الكلمات التي سمعها ويترك الجزء الآخر، وما إلى ذلك. وهنا يختلّ شرط "قوة اللفظ" الذي يجب الإتيان به بصيغته الصحيحة بشكل تام غير منقوص.
- الذي يؤدي القسم عليه أن يضع يده على القرآن (أو أي كتاب سماوي حسب الشخص المؤدّي لليمين)، وهذا لم يحصل في جلسة البرلمان. فكان الترديد ترديداً أشبه ما يكون مسرحياً لا يأخذ أثره في نفوس المرددين ولا على نفوس السامعين، وهذه إحدى القضايا التي ناقشتْها نظرية أفعال الكلام عندما يتعلق بالمسلسلات والمسرحيات. فعندما يأتي رجل الدين ويزوّج رجلاً وامرأة، في عمل أو مسلسل تلفزيوني مثلاً، لا يكون لهذا العقد أي أثر لأنه فاقد لـ "شرط النية" في نفوس المتكلمين والسامعين على حد سواء. في البرلمان البريطاني مثلاً، يضع البرلماني كلتا يديه على طاولة موجود تحتها القرآن والإنجيل معاً وذلك تحسبّاً لوجود أعضاء مسلمين وبذا سيكون للقَسَم تأثير على مؤدّي اليمين.
- الذي يؤدي القَسَم عليه أن ينطق هو بالقسم، أو أن يقرأه، بنفسه لا أن يردده بعد أن يسمعه من شخص آخر. وهنا انتفى "شرط النية"، أي أن المتكلم لا ينوي القيام بما يسمع، على عكس لو نطق هو بكلمات القسم لتحتّمَ عليه القيام بالكلمات التي ينطقها.
- عدم ضمان أن الأعضاء جميعهم قد نطقوا بصيغة القَسَم، فالكثير منهم كان صامتاً.
خلاصة القول، لا يمكن لأيّ ممن أدّى اليمين الدستورية بشكل جماعي أن يكون واقعاً تحت تأثير القَسَم لأنهم ببساطة لم يتقيدوا حرفياً بشروط القَسَم من حيث اللفظ والنية والتأثير، بل خرقوا تلك الشروط، ولم يؤدوا يميناً دستورية بصورتها الصحيحة. وذلك يعود الى انتفاء "شرط الاستعداد" (إذ، بعد أربع سنوات من ممارسة المهام، تبيّنَ، من تجربة الدورات البرلمانية السابقة، بأن جلّهم كان عاجزاً عن النهوض بمسؤولياته؛ وانتفاء أيضاً "شرط النية" (إذ لم يكن في نيّة أيّ منهم تحويل كلمات القَسَم إلى أفعال لأن معظمهم لم ينطق بها أصلاً بل ردّدها ترديداً مسرحياً، والراهن العراقي شاهد على ذلك)؛ وانتفاء "شرط الإخلاص" (إذ كان ترديد كلمات القسم ترديداً جماعياً، أي مجرد إجراء برتوكولي وإسقاط فرض من أجل الانتقال إلى الخطوة التالية).
إذن إما أن يجري ترديد القَسَم بشروطه المطلوبة أو تركه، لأن ترديده بشكل جماعي يعني عدم ترديده أصلاً. وعليه، يجب عدم اللجوء إلى القَسَم الجماعي والركون جدياً إلى القَسَم الفردي ليأخذ الحدث الكلامي أثرة في نفوس الناطقين باليمين من أجل تلبية شروط النطق والنيّة والإخلاص ومن ثم التأثير. فترديد القَسَم الفردي لا يتطلب سوى 33 ثانية من كل عضو، أي 10824 دقيقة، ما يعادل ثلاث ساعات. وهذه الساعات الثلاث في ترديد القَسَم تُنبنَي عليها أفعال أربع سنوات قادمة.
وأرجو هنا أن يأخذ فقهاء القانون والتشريع والسياسة دورهم في الانتباه إلى هذه الجزئية المهمة التي تتكرر في كلّ دورة برلمانية. فالبرلمان الذي لا يتسع صدرُ أعضائه إلى ثلاث ساعات من أجل الإتيان بعملية تأدية يمين دستورية صحيحة، لا تتسع صدورهم أيضاً إلى تحمّل أعباء أربع سنوات من المهام المختلفة المتعلقة بالوطن والمواطن.

1059 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع