أزمة الوعي المنفعل: حين تخطئ الشعوب موعدها مع الفعل

قلم باندان

أزمة الوعي المنفعل: حين تخطئ الشعوب موعدها مع الفعل

لعلّ من حكيم القول إنّ أزمات الشعوب لا تُختزل دائماً في شحّ الموارد، ولا تُفسَّر حصراً بقسوة الجغرافيا أو سطوة التدخّلات الخارجية، على الرغم من جسامة هذه العوامل. فثمّة أزمات أشدّ عمقاً وخفاءً، تنشأ من داخل البنية الذهنية نفسها؛ من نمط الوعي الذي تُدرك به الشعوب ذواتها، وتقرأ من خلاله واقعها، وتُحدِّد على أساسه موقعها في الزمن التاريخي. تلك هي أزمة الوعي بالفعل، حين ينفصل الفعل عن إدراكه، ويغدو القرار ردّة فعل متأخرة، لا تعبيراً عن مشروع واعٍ أو إرادة تاريخية ناضجة.

إنّ الوعي المنفعل لا يُنتج فعلاً، بل يُراكم استجابات. وهو وعي لا يتحرّك من موقع المبادرة، بل من هامش الحدث، حيث تُصاغ القرارات تحت ضغط الصدمة، لا في أفق الرؤية. وحين تسود هذه البنية، لا تخطئ الشعوب في السياسة فحسب، بل تُخطئ في فهم الزمن السياسي ذاته؛ فتفقد القدرة على التمييز بين اللحظة المناسبة للفعل، واللحظة التي لم يعد فيها الفعل سوى تكرار عقيم لما فات.
في هذا السياق، تعيش الشعوب المأزومة وعيّاً خارج التوقيت. فهي لا تُحسن قراءة السياق، ولا تفكّك موازين القوى، ولا تُدرك الفارق بين زمن التأسيس وزمن الاستهلاك. تُراهن بعد أن تُحسم الرهانات، وتُطلق مواقفها بعد أن تُغلق نوافذ التأثير. كأنها تصل دائماً متأخرة إلى مسرح التاريخ، فتجد الأدوار موزّعة، والنصّ مكتوباً، ولا يُتاح لها سوى التعليق أو الاعتراض.
وحين يغيب الوعي بالفعل، لا يعود القرار نتاج رؤية مركّبة، بل ثمرة انفعال آني؛ ولا يغدو الموقف تعبيراً عن وعي جمعي، بل استجابة غريزية لضغط طارئ. هنا تتحوّل السياسة من فنّ إدارة الممكن إلى سلوك انفعالي، تُدار فيه الجماعات بمشاعرها لا بعقولها، وتُحرّكها موجات الغضب أو الخوف أو الحماسة العمياء. وبدلاً من الإرادة التاريخية، يظهر ما يشبه التشنّج الجماعي، حيث يُتخذ القرار لتفريغ الاحتقان لا لصناعة المستقبل.
الأخطر من ذلك أنّ هذا النمط من الوعي يُنتج ما يمكن تسميته بـ«القرار المقلوب»: قرار يبدو في ظاهره فعلاً شجاعاً، لكنه في جوهره نقيض الفعل التاريخي. قرار يُتخذ بدافع اللحظة لا بدافع المعنى، فيُراكم الخسارة بدل أن يفتح أفقاً، ويُعمّق المأزق بدل أن يقدّم مخرجاً. فحين يغيب الإدراك الزمني، تتحوّل الجرأة إلى تهوّر، والممانعة إلى عناد، والاندفاع إلى افتقار للحكمة، ويغدو الخطأ فضيلة تُدافع عنها العاطفة.
ولعلّ الوصف الأدق لهذه الشعوب أنها شعوب بلا «ساعة تاريخية». لا لأنها تجهل الماضي، بل لأنها تفشل في تحويله إلى تجربة واعية، وفي وصل الذاكرة بالفعل. إنها تعيش في زمن متقطّع، تقفز من صدمة إلى أخرى، ومن حدث إلى نقيضه، دون أن تبني سردية ذاتية متماسكة أو مشروعاً ممتداً. ومن لا يمتلك ساعته التاريخية، يعجز عن ضبط إيقاع خطاه، ويظلّ أسير التخبّط وردّات الفعل.
التاريخ، في جوهره، لا يُكافئ من يصل متأخراً، ولا ينتظر من يُسيء قراءة إشاراته. إنه يمنح فرصه لمن يُدرك اللحظة قبل أن تتحوّل إلى ذكرى، ولمن يُميّز بين الفعل بوصفه اختياراً واعياً، وردّة الفعل بوصفها هروباً من التفكير. أمّا الشعوب التي تعيش دائماً بعد فوات اللحظة، فإنها غالباً ما تكتب تاريخها بلغة الحسرة، لا بلغة المبادرة.
من هنا، فإن الخروج من مأزق الوعي المنفعل لا يبدأ بتغيير الوجوه أو تبديل الشعارات أو استدعاء الخطابات، بل بإعادة بناء الوعي بالفعل ذاته: وعيٍ تاريخيّ يقرأ الزمن قبل أن يتحرّك، ويفهم السياق قبل أن يُراهن، ويُدرك أنّ السياسة ليست انفعالاً مؤقّتاً، بل تمرينٌ شاقّ على التفكير الطويل النفس، وعلى تحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى فعل.
فإمّا وعيٌ يسبق اللحظة ويصنعها،
وإمّا انفعالٌ يصل دائماً بعدها… حيث لا يبقى من الفعل سوى الندم.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

908 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع