
ذو النورين ناصري زاده
حين تتحوّل الألقاب إلى فنتازيا اجتماعية:في نقد منح الدرجات الوجاهية ذات الرمزية الفارغة.
لم يعد مستغربًا في زمن الفضاءات المفتوحة أن تُصنع الأوهام بسرعة، لكن المستغرب حقًا أن تتحوّل هذه الأوهام إلى مرجعيات، وأن تُقدَّم بوصفها وقائع اجتماعية أو مؤسسات قائمة. فنحن اليوم أمام ظاهرة آخذة في الاتساع، تُمنح فيها الألقاب، وتُوزَّع الرتب، وتُستحدث المناصب، دون أي لقاء، أو اجتماع، أو هيئة معتبرة، ودون أدنى أساس معرفي أو سند عرفي. كل ذلك يحدث — على نحو سريالي — من غرفة صغيرة في فندق أو نُزل عابر، ثم يُضخّ إلى الفضاء الفيسبوكي كما لو أنه بيان دولة أو قرار مؤسسة سيادية.
بهذا المعنى، لا نكون أمام مؤسسة فعلية، بل أمام دولة ظلّ افتراضية، لا يعلم بها المنطق، ولا الناموس الاجتماعي، ولا العرف، ولا حتى التقليد الذي طالما شكّل ضابطًا صارمًا لمفاهيم المكانة والرمزية.
اللقب بين المعنى التاريخي والاستعراض المعاصر
اللقب، في جوهره التاريخي، ليس زينة لغوية، ولا مكافأة معنوية، ولا أداة للتباهي الاجتماعي. في كل الحضارات، كان اللقب خلاصة مسار طويل، واعترافًا جمعيًا متراكمًا، وتكليفًا ثقيلًا قبل أن يكون تشريفًا. لم يكن يُمنح إلا بعد اختبار الزمن، وموافقة الجماعة، وتحقّق الأهلية العلمية أو الرمزية.
أما اليوم، فقد انقلب المعنى رأسًا على عقب. ألقاب من وزن نقيب النقباء، ونائب رئيس الاتحاد، وسيد السادات، وأمين الأمناء، ومفتي السادات، تُمنح بسخاء استعراضي، بلا علم موثّق، ولا تفويض اجتماعي، ولا تراكم رمزي حقيقي، وكأن التاريخ والتراث والأنساب والإفتاء والإدارة مجرّد بطاقات تعريف يمكن تصميمها وطباعتها في ليلة واحدة.
نحن هنا لا نشهد توسّعًا طبيعيًا في البنى الاجتماعية، بل تفريغًا كاملًا للمعنى، حيث يتحوّل اللقب من قيمة ثقافية إلى ملصق افتراضي، ومن مسؤولية إلى ديكور.
مسرح الفرد بدل مؤسسة الجماعة
المشكلة الأعمق في هذه الظاهرة أنها لا تقف عند حدود الادعاء الشخصي، بل تتجاوزها إلى ادعاء المؤسسة. فرد واحد يتقمّص دور النقابة، ودور الاتحاد، ودور المرجعية، ودور التاريخ ذاته. يعيّن، ويمنح، ويعزل، ويقرّر، دون هيئة، ولا نظام داخلي، ولا محاضر، ولا آليات مساءلة.
لسنا أمام تقليد اجتماعي راسخ، بل أمام مسرح فردي متخم بالألقاب؛
ولسنا أمام إعادة إحياء للتراث، بل أمام فنتازيا سلطوية تُدار بأدوات العصر الرقمي: منشور، شهادة إلكترونية، صورة ملوّنة، وعدّاد إعجابات.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
أيُّ ناموس اجتماعي يسمح بهذا؟
وأيُّ عرف يجيز أن يصبح “نقيب النقباء” قرارًا فرديًا؟
وأيُّ تقليد يشرعن منح صفة “مفتي” دون علم ولا إجازة ولا أهلية؟
حين يُستبدل العرف باللايك
ما يجري اليوم هو استبدال خطير لمفاهيم الشرعية. فبدل الاعتراف الجمعي، صار اللايك معيارًا؛ وبدل التوافق الاجتماعي، صار الانتشار الرقمي؛ وبدل المسؤولية التاريخية، صار الاستعراض اللحظي. وهكذا تُختزل المفاهيم الكبرى — النقابة، المشيخة، الإفتاء، السدانة — إلى محتوى بصري سريع الاستهلاك.
هذه ليست مسألة شكلية، بل أزمة عميقة في الميزان الاجتماعي. فحين يختل ميزان العقل، ويُهمّش ميزان العرف، وتُلغى فكرة المسؤولية، تتحوّل الظاهرة إلى مادة للضحك عند البعض، وإلى مأساة عند من يدرك أن ما يُهدر هنا ليس مجرد ألقاب، بل هيبة المعنى نفسه.
ليس إحياءً للتراث بل تشويهًا له
من الخطأ الفادح تسويق هذه الممارسات بوصفها إحياءً للتراث أو صونًا للأنساب. ما يحدث، في حقيقته، هو تشويه للتراث، وتسليع للرمزية، وتحويل الموروث الاجتماعي إلى سلعة استعراضية. فالتراث لا يُبعث ببيانات فردية، ولا تُحفظ الأنساب بشهادات إلكترونية، ولا تُصان الرموز بإفراغها من مضمونها.
الصمت بوصفه شراكة غير معلنة
الأخطر من الظاهرة نفسها هو الصمت المحيط بها. فالصمت هنا ليس حيادًا، بل تواطؤ؛ والسكوت ليس حكمة، بل قبول؛ والتغاضي ليس تسامحًا، بل مشاركة غير مباشرة في ترسيخ العبث. حين يسكت العقلاء، يُترك المجال للادعاء كي يتقدّم، وللوهم كي يتحوّل إلى “حقيقة متداولة”.
خاتمة: استعادة المعنى قبل فوات الأوان
إن نقد هذه الظاهرة ليس استهدافًا لأشخاص، بل دفاع عن فكرة النظام، وعن معنى العرف، وعن كرامة المفاهيم التي تشكّل عماد الاجتماع الإنساني. ومن باب المسؤولية الفكرية والاجتماعية، يصبح رفض هذا العبث واجبًا، ووضعه في موضعه الصحيح ضرورة ملحّة: خارج العرف، وخارج العقل، وخارج المعنى.
فالألقاب التي لا تحميها مؤسسات، ولا يزكّيها عرف، ولا يسندها علم،
ليست ألقابًا… بل أعراض أزمة أعمق في الوعي والميزان.

908 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع