إسرائيل تبدا هجماتها المضادة على منجزات طوفان الأقصى. ما هي العوامل التي تساعدها؟ ومن يحدد امكانية نجاحها او فشلها؟

د. سعد ناجي جواد*

إسرائيل تبدا هجماتها المضادة على منجزات طوفان الأقصى. ما هي العوامل التي تساعدها؟ ومن يحدد امكانية نجاحها او فشلها؟

بدأت إسرائيل تكثيف جهودها لشن هجمة مضادة تحاول من خلالها إستعادة ما خسرته من سمعة ونفوذ في المجال الدولي، مستعينة بالماكنة الإعلامية التي يسيطر عليها النفوذ الصهيوني سواء في الغرب او في الولايات المتحدة، ويساعدها في ذلك عوامل عربية داخلية ودعم امريكي واضح وغير محدود ومساندة اوربية مستترة ولكنها مستمرة في لعبة مزدوجة تتمثل في الإعتراف بالدولة الفلسطينية في العلن ودعم دولة الإحتلال في السر عسكريا وسياسيا وماديا وخنق كل الأصوات المعارضة لجرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الإحتلال في الأراضي المحتلة.

في المقابل لا يوجد في الوطن العربي ما يسر، ويبدو ان العام الجديد سوف لن يكون افضل من سابقه، وان الاحداث التي تجري في المنطقة كلها تقول بان إسرائيل ما زالت مصرة على شرذمة الوطن العربي والمنطقة بدعم من الولايات المتحدة وبعض دول المنطقة وطابور خامس موزع في كل مكان، وخاصة في فلسطين والدول المجاورة لها. وكل ما قيل ويقال عن (غضب) واشنطن على رئيس وزراء دولة الاحتلال تبقى اوهام واستنتاجات، او اوهام وتمنيات لا اساس لها. فها هو الاخير يذهب إلى البيت الأبيض للمرة السادسة، وبدلا من ان يحصل على التعنيف والتحذير لرفضه الالتزام ببنود التهدئة نراه يخرج بدعم كبير من الرئيس الامريكي الذي كال له المديح ووصفه باهم حليف للولايات المتحدة وبأنجح سياسي صهيوني. وزاد على ذلك بان منحه موافقات على فعل ما يشاء، ضرب المقاومة في لبنان والاستمرار في خطط إحتلال غزة ومنع سكانها من العودة الى مناطقهم وتشجيعه على متابعة الخطة غير المعلنة المتضمنة تهجير سكان غزة خارج فلسطين، وكان آخر هذه المخططات إعتراف إسرائيل (بدولة) ارض الصومال حيث قيل ان هذه الدويلة المزعومة قد وافقت على قبول توطين مليون ونصف فلسطيني من غزة داخل أراضيها. ناهيك عن محاصرة الضفة الغربية وإعادة الكلام عن توجيه ضرب عسكرية إلى ايران واليمن والإستمرار في إجتياح الأراضي السورية وتهديد العراق بانه سيتلقى ضربة تدميرية اذا ما ساند إيران في اية مواجهة قادمة. كما يجب الاعتراف ان فكرة حل الدولتين قد طمست بصورة كاملة وستبقى كذلك طالما بقي الرئيس ترامب في منصبه. هذه الامور كلها تضاف الى دعم واشنطن لخطة الهجوم المضاد التي تقوم بها إسرائيل لإنهاء عزلتها الدولية والتي بدات بإحتضان واشنطن لإحتفالية إعادة العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية مع دولة بوليفيا في شهر ديسمبر/كانون الاول الماضي، بعد ان وصل الى الحكم فيها حزب يميني ابطل القرار الذي اخذته الحكومة البوليفية اليسارية السابقة والذي قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان المحتل عام 2023 بعد حرب الإبادة على غزة. وفي هذا المجال تعول إسرائيل ايضا على تعاون واشنطن في الحملة التي تهدف الى إسقاط الأنظمة اليسارية في جنوب امريكا (بطرق ديمقراطية) عن طريق التدخل في إنتخابات تلك الدول، او محاصرتها مثل ما يحدث في فنزويلا.
ولكن مع كل هذه الصورة السوداوية تظل هناك إشارات ايجابية للمستقبل. فعندما تتحدث الاخبار عن اسرائيل وعنجهيتها يتم اغفال ما تكبده الكيان منذ بداية طوفان الأقصى عسكريا وسياسيا واقتصاديا ومجتمعيا من خسائر لا يمكن تجاوزها. فباختصار شديد تلقى جيشها، الذي كانت تصوره بانه القوة الضاربة الوحيدة التي لا تقهر في المنطقة، ضربة اثبتت عجزه عن مواجهة المقاومة، وظل، رغم كل ما حققه من نجاحات بسبب التفوق الجوي وبعض الاستخباراتي، عاجزا عن إسكات او (تركيع) المقاومة كما يدعى قادته، وظلت المقاومة الفلسطينية واللبنانية واليمنية تمتلك القدرة على تحديه. وسياسيا ما زال الكيان الإسرائيلي منبوذا دوليا، ورغم هجماته المضادة والجهود التي يبذلها، وخاصة في مجال اسقاط الحكومات التي قررت قطع العلاقات الدبلوماسية معه، إلا ان ذلك لم يغير الموقف الدولي ويعيده إلى ما كان عليه قبل 7 اكتوبر 2023، لا بل ان دولا كانت تعتبر حليفة ثابتة لدولة الاحتلال قد غيرت مواقفها، خاصة فيما يتعلق بالإعتراف بالدولة الفلسطينية، مثل استراليا وفرنسا وبريطانيا وكندا، وانضموا الى دول اوربية اخرى مثل السويد وإسبانيا وإيرلندا. وفشلت كل جهود واشنطن وتل ابيب في الغاء قرارات المحكمة الجنائية الدولية. اما اقتصاديا فان الكيان يعاني من مشاكل كبيرة وجوهرية، خاصة في قطاعات البناء والعمل والمشاريع التجارية الصغيرة والكبيرة، وفي القطاع المصرفي وهروب الإستثمارات، وتضرر الصناعة، الحكومية والاهلية بصورة كبيرة. ويقدر خبراء إسرائيليون ان اصلاح كل ذلك يحتاج، في أقل تقدير، إلى عقد من الزمن يسود فيه الاستقرار لكي تستعيد كل هذه القطاعات عافيتها. اما مجتمعيا فان ارتفاع نسبة الهجرة المعاكسة (السلبية) بنسبة 42%، كانت النسبة الأكبر فيها من النخب الأكاديمية والبحثية والطبية وكوادر العمل والإنتاج الماهرة والعمالة الفلسطينية، ناهيك عن استمرار الخسائر البشرية الكبيرة، ولو بوتيرة اقل لكنها يمكن أن ترتفع في أية مواجهة جديدة. كل هذه الامور تهدد ما كان الكيان يطمح اليه من استقطاب لرؤوس الأموال او الأيدي العاملة وتعزيز النمو الاقتصادي وكسب اسواق جديدة للصناعات الإسرائيلية. أما القطاع الآخر الذي كان يدر المليارات على دولة الإحتلال، السياحة، فلقد تضرر بصورة كبيرة وانخفض مردوده بأكثر من 58%.

ولكن ومع الأسف فان اكثر ما تعول عليه دولة الإحتلال لكي تستمر في تجاوزاتها على الحقوق الفلسطينية هو عجز الأمة العربية (والقوى الفلسطينية بالذات). هذا العجز او الفشل يظهر اما بصورة مباشرة عن طريق وجود اطراف عربية تحرص على التعاون مع الإحتلال وتغطي إحتياجاته وتنفذ اجنداته في المنطقة، او بصورة غير مباشرة عن طريق إيصال احزاب وكيانات فاسدة وفاشلة للحكم، ودعمها اذا ما وصلت اليه. ولهذا نرى مثلا ان الإحتلال يتبجح بان كل الأنظمة العربية تؤيده في محاولات تدمير المقاومة. ويمكن القول ان كل ذلك يشكل طوق نجاة للإحتلال الإسرائيلي، او عوامل إيجابية تعمل لصالحه.
ولكن يبقى مصير المخططات الإسرائيلية القادمة معلقا بما سيقدم عليه نتنياهو في الاسابيع القليلة القادمة وبعد عودته من الولايات المتحدة، وعلى مقدار الدعم والتشجيع الذي حصل عليه في تلك الزيارة. فهل سيغامر بمهاجمة إيران عسكريا، ويضع دولة الإحتلال تحت رحمة الصواريخ الإيرانية التي حققت نجاحا واضحا في المواجهة السابقة، ام سيعول على تأجيج ودعم الإضطرابات الداخلية في ايران؟ وهل سيهاجم المقاومة في لبنان، التي يقول هو بانها لا تزال تمتلك خزين من الصواريخ التي تطال كل فلسطين المحتلة، ام سيعتمد على الأطراف اللبنانية التي تغلف رغبتها في تحجيم المقاومة او انهاء وجودها بكلمات (حصر السلاح بيد الدولة) واثارة فتنة داخلية؟ وهل سينتقل الى شن غارات جديدة على اليمن ام سيعتمد على طرف عربي يقوم بتمزيق اليمن بدلا عنه؟ لا زالت المؤشرات تقول ان مخططاته لن تفلح وستفشل كما فشلت في السابق، ولكن من المؤكد ان المواجهات القادمة ستحدد مصير المنطقة لعقد قادم على الأقل.
*كاتب واكاديمي عراقي

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1591 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع