حُروبُ التَجهيل وعقليّة التَحليل

الدكتور رعد البيدر - الشارقة

حُروبُ التَجهيل وعقليّة التَحليل

تدفق المعلومات المتسارع في الفضاء الرقمي، وتحويل المنصات الشخصية إلى ميادين للتحشيد، يفرضان التروي العميق؛ إذ يغدو التسليم بالمحتوى دون إخضاعه لمبضع التحليل مخاطرة كبرى. ولعلَّ أبرز الشواهد منشورٌ انتشر مؤخراً، يزعم كشف تحديث تقني على منصة (X) أزاح الستار عن شبكة تضليل واسعة تُدار عبر وَحدة استخباراتيّة صهيونية؛ وَحدة 8200. الوحدة، بصفتها الذراع السيبراني للكيان، تُتهم بتفتيت الهويّة ونشر الفِتَن مستندة إلى أرقام تتجاوز منطق الإحصاء لتبلغ ٩٥٪ من الحسابات المستهدفة.

غايتنا من السطور ليست إثبات الرواية أو نفيها، بل تقديم محاولة تحليليّة مُبسّطَة تستهدف بناء تصوُّر منطقي لدى القارئ يمنع انقياده خلف الوَهم المُوجَّه، ويفتح الباب لإقناع أو تعارض يرتكز على بصيرة نقديّة، بعيداً عن الانفعالات العاطفية العابرة.

تفكيك أُسُس بناء المنشور يكشف عن استخدام رموز ذات ثقل وجداني واستخباراتي هائل؛ فربط اسم "إيلون ماسك" كشاهد، والوَحدة "8200" كمتَّهَم، يهدف لصناعة " سُلطة للمصداقيّة ". يجد القارئ نفسه أمام كيانات ذات سطوة واقعية، مما يدفع العقل لقبول أي ادعاء يخصها كحقيقة قطعية. يسهم النهج المُتّبع في صرف الانتباه عن مراجعة التفاصيل، ويدفع نحو تبني النتائج الجاهزة؛ وبذلك يتحوَّل الرمز من مجرد إشارة إلى دليل يسد الطريق أمام التفكير النقدي.

الحديث عن نسبة ٩٥٪ أو تقييد مئات الآلاف من الحسابات في لحظات يضعنا أمام محتوى صُمِّم لغاية واحدة: إحداث صدمة وجدانيّة. التحديد العددي يتجاوز لغة الأرقام العلمية ليصبح أداة تأثير نفسي تمنح الرواية طابعاً "نهائياً"، وتُشعر المتلقي بوقوفه على حافة كشف تاريخي. بالتالي يكمن التحليل في تعرية المبالغات الرقمية والزمنية والتي تعطل المَلَكة النقديّة، وتجعل القارئ يغرق في ضخامة الفضيحة عوضاً عن التثبت من صدقية المصادر والنسب.

تستمدُّ الرواية قدرتها على الانتشار من الدمج الاحترافي بين الحقيقة والافتراض. فلا ريب في سعي جهات لتفتيت النسيج الاجتماعي عبر شبكات تضليل، لكنَّ المنشور يستثمر اليقين القائم ليصيغ استنتاجاً مطلقاً: كل تنافر داخلي هو صناعة خارجية. يتحول المنشور من كشف للعدو إلى أداة تُقنع المجتمع بترحيل مشكلاته بالكامل إلى الخارج، مما يُعفي العقل من مشقة البحث في الأسباب الداخليّة أو مواجهة النقد الذاتي؛ وبذلك يبلغ التجهيل غايته.

تتجلى الحروب الرقميّة في إشاعة نمط من المحتوى يُمثل مصيدةً للوعي، حيث تُستغل الحقائق الملموسة لتمرير قناعات زائفة. تصميم المنشور يخدم غرضاً مزدوجاً: كونه أداة في "حرب الوعي" للتوجيه، وصناعة أرض خصبة للميل الفطري نحو تصديق الإجابات الدراميّة البسيطة للمشكلات البنيوية المعقَّدة.

ختاماً - ليس رأينا فيما سبق عرضه هو الحكم على مضمون المنشور، بل الدعوة إلى ضرورة تنمية مناعة فكرية جماعية، ترفض التسليم بالصدمات الفكرية، وتصر على فحص الأرقام المذهلة، ورفض السرديات النهائية؛ ليكون الوعي منارة ذاتية، لا هدفاً لوهم موجه.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1018 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع