
بدل رفو
غراتس / النمسا

ضفاف الذاكرة والحنين… ثلاثية قرية الشيخ حسن
في قلب كوردستان العراق، حيث تتلامس الجبال مع صفحة السماء، وتتمايل أشجار القرى على أنغام الريح وأهازيج الطفولة، تمتدّ قرية الشيخ حسن مثل صفحة أولى من كتاب الطفولة والروح. هناك، وُلد الشعر على ألسنة ثلاثة :

صديق شرو، خيري ههژار، وبدل رفو
كانوا ثلاثة أصوات، وثلاثة ظلال على درب واحد، يجمعهم عشق القرية ويفرقهم قدر الأرض، دون أن يفرّق بينهم في الروح.
صديق شرو… شاعر الذاكرة
كان يرى في كل حجر حياة، وفي كل جدول ماء أغنية، وفي كل شاب كوردي أملاً مؤجلاً. كانت قصائده تنزف حنينًا إلى أيام القرية، ومرارة الأحلام التي لم تكتمل، وإصرار الإنسان الكوردي على النضال،
وحين رحل ودُفن في دهوك، خيّم الصمت على المدينة، لكن الريح لم تنسَ صدى كلماته. كانت تتسلّل من فوق جبل الصوامع المُطلّ على القرية، وتهمس بين الأشجار، بينما تبقى مغارة شرو متعطّشة لشعره، تستدعي حضوره الأبدي كل مساء.
خيري ههژار… شاعر القلب العميق
عاش حياته قريبًا من قريته، غارقًا في دهشة الشعر واستعادة طفولته بين ظلال الجبال. لم يعرف البعاد مثل بدل رفو. وعندما غادر الحياة ودُفن في مدينة الشيخان، ظل صدى كلماته يتردّد بين سفوح القرية كأنها صلاة مسائية
كان يحلم – كما حلم بدل رفو والروائي الراحل محمد سليم سواري – أن يحمل حقيبته الظهرية ويسافر إلى المغرب، إلى مدينة شفشاون الزرقاء، ليكتب هناك قصائد زرقاء على جدران الأزقة.
بدل رفو… الشاعر الرحّال
أما الثالث، الذي بقي حيًّا، فقد حمل الشعر حقيبةً ومسارًا..
في غراتس النمساوية، بين المقاهي العتيقة وشوارع الحجر البارد، لم يتخلّ بدل رفو عن دفء قرية الشيخ حسن. كل رحلة يقوم بها، وكل مدينة يزورها، ليست سوى مرآة يرى فيها ظلّي صديقيه الراحلين.
يكتب كمن يمدّ جسراً بين الغربة والوطن، بين الموت والحياة، يطلق طائر الشيخ حسن ليحلّق فوق العالم
ذكريات
كان بدل رفو قد أمضى طفولته وشبابه قريبًا من الشاعرين اللذين طبعا حياته بطابع خاص..
كان خيري رفيق الطفولة وزميل دربه في جامعة بغداد وهناك ترجما معًا ديوان الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف، وحلما بالسفر إلى داغستان من فرط عشقهما لشعره،
أما صديق شرو فكان البيت الواسع في محلة المشاهدة بالموصل يجمعهما سنواتٍ طويلة فيه كتبوا، تناقشوا، وحلموا… وكان صديقًا وأخًا وأبًا روحيًا لبدل رفو، وملهمًا يفتح له أبواب القصيدة.
رحلة أرواح لا تنتهي
يمكن تخيّل الأرواح الثلاثة في ليلة هادئة
صديق شرو في دهوك، خيري ههژار في الشيخان، وبدل رفو في غراتس
ومع ذلك، تتشابك أصواتهم في الريح كأنهم يجلسون على صخرة واحدة فوق جبل الصوامع. كل حجر، كل نبتة برية، كل نسمة باردة، تحمل ذكرى من ذكرياتهم.
في شوارع غراتس، حين يرفع بدل رفو عينيه إلى السماء الأوروبية، تغمض الروح جفنًا صغيرًا لتستعيد صورة الشيخ حسن..
تستعيد صديق شرو وخيري ههژار يغنيان للقرية، كأن الموت لم يفرّقهم يومًا.
رحلة هؤلاء الشعراء الثلاثة هي رحلة الإنسان كلها
بين الذاكرة والحرية،
بين الغربة والوطن،
بين الغياب والحياة
وفي النهاية، لا يبقى سوى الشعر
هو الضوء الذي لا ينطفئ،
والمرفأ الذي تعود إليه الأرواح حين تتعب،
والجسر الذي يجعل الإنسان خالدًا، حتى بعد الرحيل.
أنا آخر الثلاثة…
شرو صار نهرًا يهمس بأسرار الليل،
وخيّري ههژار صار صخرة تحرس الأسماء.
وأما أنا… فأمشي وحيدًا،
أحمل عمري وندوب الغياب،
وأعلم أنّ الموت يعرفني إن ضعت،
وأن الحياة ستتذكّرني إن انطفأت.
أنا آخر الثلاثة…
والشعر نافذتي،
والخلود عباءتي.

897 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع