التزام الصين البيئي: من التجربة الشخصية إلى نموذج عالمي في الاستدامة

د. نزار گزالي – دكتوراه في علم النفس

التزام الصين البيئي: من التجربة الشخصية إلى نموذج عالمي في الاستدامة

شابوتو في نينغشيا… خضرة تلهم الصحة النفسية وتنعش التنفس

وسط شهر آب كان لي شرف زيارة جمهورية الصين الشعبية، بدعوة رسمية من وزارة التجارة، ومن خلال شركة التعاون الاقتصادي الفني الدولي للإذاعة والتلفزيون الصيني، وبالتنسيق مع قنصلية الصين الشعبية في أربيل.

كانت الزيارة أشبه برحلة إلى “كوكب آخر” من الاختراع والتطور والصناعة، وفي الوقت نفسه مناسبة للتعرف على شعب ودود، محب للضيوف، غني بآثاره وتراثه وحضارته العريقة. هذه التجربة دفعتني إلى كتابة هذا المقال، خصوصاً بعد سلسلة لقاءات وحوارات تركت أثراً عميقاً في ذهني حول العلاقة الجوهرية بين التنمية والبيئة.

البيئة كأولوية في النهضة الصينية

في شهر تموز، وقبل سفري إلى الصين، جمعني لقاء مع السيد Liu Zhenyoung، نائب القنصل العام لجمهورية الصين الشعبية في أربيل، حيث أشار إلى المعايير الصارمة التي تضعها الشركات الصينية لحماية البيئة ومنافستها للشركات العالمية في هذا المجال. بقي هذا الحديث عالقاً في ذهني، حتى وصولي إلى الصين واطلاعي على تجاربها الميدانية.

وفي بكين، وخلال محاضرة ألقاها السيد يانغ يونغ، نائب مدير الإدارة في NRTA، لفتني تأكيده أن: “التطور والتوسع ومتطلبات العصر لا يجب أن تكون على حساب البيئة”. كان حديثه دقيقاً وواقعياً، أبرز نقاط القوة والتحديات في التجربة الصينية، وأكد أن الحفاظ على البيئة شرط أساسي للتنمية.

ما شاهدته على أرض الواقع أكد هذه الرؤية: ففي العاصمة بكين كانت المساحات الخضراء والتشجير بارزة بشكل لافت، أما في مدينة ينتشوان بمنطقة نينغشيا، فقد لمست جانباً آخر من التميز البيئي، حيث تنتشر المساحات الخضراء بشكل واسع. وفي المقاطعة نفسها كنت محظوظاً بزيارة شابوتو (Shapotou)، حيث رأيت بأم عيني كيف جرى تحويل رمال الصحراء إلى مروج خضراء.

نينغشيا وشابوتو: معجزة ترويض الرمال

في شابوتو، واجهت تجربة إنسانية وبيئية مدهشة. المنطقة التي كانت في الماضي بؤرة للتصحر، أصبحت اليوم رمزاً دولياً للنجاح في مكافحة التصحر، بفضل:
• تقنية الشباك الرملية (straw checkerboard sand barriers) التي ابتكرها العلماء الصينيون لتثبيت الكثبان.
• التشجير المكثف الذي حول بيئة جرداء إلى مساحات زراعية وغابية.
• حماية البنية التحتية مثل السكك الحديدية، واستصلاح الأراضي للزراعة.

مشهد النهر الأصفر المتدفق بجوار الكثبان المستقرة والنباتات الخضراء كان صورة بصرية ونفسية تعكس الانسجام بين الإنسان والطبيعة. لقد أصبح شابوتو نموذجاً للسياحة البيئية المستدامة، ومصدراً للإلهام النفسي، حيث الهواء النقي والمناظر الطبيعية يبعثان شعوراً بالسلام الداخلي والانتعاش التنفسي.

البعد النفسي والإنساني للالتزام البيئي

هذا وعديد من الملاحظات الأخرى حول اهتمام الصين بالبيئة، يكشف إدراكاً عميقاً بأن التطور والتقدم يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالصحة النفسية والجسدية للمواطنين. فالصينيون يعرفون أن الحفاظ على البيئة ينعكس مباشرة على الصحة النفسية والعقلية والجسدية للبشر.

ومن تجربتي الشخصية كمختص في علم النفس، وخلال وجودي في الصين لما يقارب نصف شهر، لاحظت أثر البيئة والعلاقات الإنسانية على الصحة النفسية بشكل ملموس. فرغم بعد المسافة وطول ساعات السفر، لم أشعر بالتعب أو الإرهاق المعتاد، وأُرجع ذلك إلى عاملين أساسيين:
• المساحات الخضراء الطاغية التي تملأ المدن والريف، وتبعث على السكينة وتهدئة الجهاز العصبي، بما يعزز إفراز هرمونات السعادة مثل السيروتونين والدوبامين.
• لطف الشعب الصيني واستقبالهم الحار للضيف والأجانب، وهو ما يولّد شعوراً بالترحيب والانتماء، ويعزز إفراز الأوكسيتوسين، المعروف بهرمون الارتباط الاجتماعي والثقة.

إن هذين العاملين معاً يبرزان كيف يمكن للبيئة النظيفة والعلاقات الاجتماعية الإيجابية أن تتحد لتنعكس مباشرة على الصحة النفسية والبدنية للإنسان، فتقلل من مستويات التوتر، وتزيد من الطاقة الإيجابية، وتمنح شعوراً بالانتعاش النفسي والجسدي.

دروس مستفادة لنا في المنطقة

ما تعلمته من التجربة الصينية أن الاستثمار في البيئة ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية تعزز التنمية، وتحمي الصحة العامة، وتدعم الصحة النفسية. ونحن في منطقتنا، حيث نعاني من تحديات بيئية كالتصحر والتلوث، بحاجة ماسّة إلى الاستفادة من هذه النماذج الناجحة.
فكما حولت الصين صحراء قاحلة إلى خضرة نابضة بالحياة، يمكننا أيضاً أن نحول تحدياتنا البيئية إلى فرص للتنمية المستدامة، إذا ما تضافرت الإرادة السياسية والعلمية والمجتمعية.

خاتمة

إن التجربة الصينية، المتمثلة في قصة نينغشيا وشابوتو، تؤكد أن التنمية الاقتصادية والحماية البيئية ليسا خيارين متناقضين، بل مسارين متكاملين. والأهم أن هذا التكامل لا يحافظ على الطبيعة فحسب، بل ينعكس على الإنسان ذاته، في تنفسه وصحته ونفسيته. إنها تجربة تلهم العالم وتدعونا جميعاً إلى أن نعيد التفكير في العلاقة بين البيئة والإنسان، باعتبارها علاقة حياة وكرامة وازدهار.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

601 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع