إرهاصات ما قبل التشريع لأول دستور عراقي.. المخاض والولادة*

ا. د. ابراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث المتمرس – جامعة الموصل

إرهاصات ما قبل التشريع لأول دستور عراقي.. المخاض والولادة*

حقيقة لابد ان اؤكدها ، وهي أن كثيرا من الاحداث التي وقعت أيام الحكم العثماني للعراق ، والممتدة من سنوات العقد الأول من القرن السادس عشر الى سنوات العقد الأول من القرن العشرين (1516-1918) ، لها علاقة وارتباط بما وقع في العراق الملكي حين أسس العراقيون - بعد ثورتهم الكبرى سنة 1920 - دولتهم العراقية الحديثة.
أيضا لابد ان أقول ان ما كان يحدث في ايران أيضا ، وخاصة في مطلع القرن العشرين ، كان يجد له صداه في العراق كما سنرى.
واسمحوا لي ان أقول لكم –احبتي الكرام – انني التزمت بالعنوان الذي أقره الاخوان في قسم الدراسات التاريخية في بيت الحكمة وهو ( إرهاصات ما قبل التشريع لأول دستور عراقي.. المخاض والولادة)، فالعنوان ليس فقط دقيقا ، بل هو مطابق للواقع التاريخي بشكل كبير جدا وتحليل ما شهدناه بعد تشكيل الدولة العراقية الحديثة، لا يمكن فهمه الا بمعرفة الارهاصات الأولى لما قبل تشريع اول دستور Constitution. في العراق ، وهو دستور سنة 1925 ، ونحن اليوم نحتقل بذكراه المئوية 1925-2025.
وقبل ان اتحدث عن البواكير الأولى لتشريع الدستور العراقي سأقف قليلا عند اول دستور تم تشريعه في الدولة العثمانية، وطبق في ولاياتها ومنها الولايات العراقية. والدستور العثماني يسمونه (المشروطية وهي كلمة فرنسية تعني الدستور ولعل أصولها عربية فهي نفسها كلمة الشرط )La charte
وهنا أقول ان الدولة العثمانية ، شهدت منذ منتصف القرن الثامن محاولات عديدة لإصلاح نظمها ، ومؤسساتها الإدارية ، والسياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية وفق الأسس والأساليب الغربية الحديثة . وطبيعي ان تكون لهذه المحاولات تأثيرات فيما كان يسمى (الخطة العراقية) أي ولايات الموصل وبغداد والبصرة. ولا أريد الخوض في طبيعة وشكل تلك الإصلاحات، فلقد عالجتها في كتابي الموسوم (تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1516-1916 وطبع في مطبعة جامعة الموصل سنة 1982 أي قبل (43) سنة ، ولكن أقول ان تلك المحاولات جرت بضغط الدول الغربية الاوربية وخاصة بريطانيا وفرنسا من جهة ، وبوجود فريق من المصلحين العثمانيين ، ومن رجالات الفكر والسياسة . وابتدأت الإصلاحات بمراسيم صدرت في عهد السلطان عبد المجيد 1839-1868 ، واقصد خط أي (مرسوم شريف كلخانه ) ، وصدر في 3 من تشرين الأول سنة 1839و(خط شريف همايون) الذي صدر في 18 شباط 1856 . وبين سنتي1858- 1864 أصدرت الحكومة العثمانية قوانين مهمة قصدت بها اجراء تغييرات في البنى الاقتصادية ، والإدارية للمجتمع العثماني ومن ابرز هذه القوانين قانون الأراضي ، وقانون الولايات ، وقانون المعارف ، والقانون المدني ، وقانون الصحافة .
كان للصحافة دور في السعي من اجل الإصلاح. وقد كان ثمة من يكتب فيها مقالات تنقد الأوضاع القائمة ، وتسهم في تعميق الوعي بين الناس ، وتدعو لتحسين أوضاع الناس المعيشية ، والتعليمية ، والثقافية.، وكان التنظيم الحزبي ، واحدا من الأساليب التي ابتدأ بها المصلحون يلجأون اليها ، وكان التنظيم في بداياته سريا ومن ابرز التنظيمات السرية التي تأسست كانت (جمعية تركيا الفتاة) التي تأسست في العاشر من شهر آب سنة 1867 ، وكانت باريس مقرا لها وكان هدفها المعلن (تحقيق الإصلاح الداخلي في الدولة العثمانية على أساس دستوري).
مع ان عددا من رجالات الإصلاح ، منهم فؤاد باشا 1869 ، وعالي باشا 1871 غابوا عن المشهد الإصلاحي ، الا ان زملاءهم من أمثال مدحت باشا ، واصلوا مسيرة الإصلاح ، وجاءت الفرصة عندما اخذ السلطان عبد العزيز 1861-1876 يستهين بالوزراء ، وراح يصرف الأمور بنفسه ، فتأزمت الأوضاع في أيار سنة 1876 عندما تظاهر بضعة الاف من طلبة المدارس الدينية امام دار الحكومة ، وقصر السلطان مطالبين بإلحاح وقوة اقالة الصدر الأعظم محمود نديم باشا وشيخ الإسلام حسن فهمي وهما من المعروفين باستبدادهما واتجاههما الرجعي . وقيل في حينه ان مدحت باشا ورفاقه كانوا مسؤولين عن تنظيم واعداد تلك التظاهرات .وبسبب الظروف التي كانت سائدة في البلاد ، اضطر السلطان عبد العزيز الى الاستجابة لمطلب المتظاهرين ، وضمت الحكومة الجديدة التي شكلها رشدي باشا مدحت باشا .
لقد ظهر للإصلاحيين، ان التعاون مع السلطان عبد العزيز كان متعذرا ؛ فالوزراء كانوا لا يثقون به ولا يركنون اليه ، وهو لايثق بهم ، ولا يأمن جانبهم وقد قوّت مخاوف السلطان الجو الذي ساد في العاصمة والمنشورات التي وزعت وأصبحت مضامينها تتردد على السنة الناس ، ومنها ان الحكم الصالح للبلاد هو الحكم الديموقراطي وان السلطة المطلقة التي كان يستأثر بها السلطان ليت الا اغتصاب لحقوق الشعب ومخالفة صريحة لأحكام الشرع الإسلامي وان الطاعة غير واجبة للحاكم اذا ما اهمل العناية والاهتمام بمصالح الدولة وغيرها .
وجاء الانقلاب سريعا ، اذ اخذت الحكومة فتوى من شيخ الإسلام حسن خير الله افندي ، بجواز عزل السلطان . وفي ليلة 30 من أيار سنة 1876 أحاطت قوة من الجيش بقصره ، وابلغ الفتوى فرضخ لها دون مقاومة ، ووقع وثيقة تنازله عن العرش ، وبعد خمسة أيام وجد ميتا وقيل انه انتحر .ونودي بمراد الخامس سلطانا جديدا الا ان فرصة الاحرار لم تدم طويلا فسرعان ما تبين لهم ان مرادا كان مصابا بمرض عصبي ، وانه لا يصلح للحكم فقاموا بترشيح اخاه عبد الحميد ، واشترطوا عليه اتباع سياسة إصلاحية متحررة ، وإعلان دستور للبلاد وقد اطلعه مدحت باشا على مسودة لدستور ، كان قد اعدها خليل شريف باشا منذ سنة 1872 . وفي 31 اب سنة 1876 خُلع مراد ونُصب مكانه عبد الحميد سلطانا ، وقدر للسلطان عبد الحميد الثاني 1876-1909 ان يحكم (33) سنة .
أسرع السلطان عبد الحميد الثاني لتعيين مدحت باشا رئيسا للوزراء يعني بلغة تلك الايام صدرا اعظم. ونتيجة لتأثير جماعة الإصلاحيين ، نشر السلطان عبد الحميد الثاني بيانا اعلن فيه تأسيس ما سمي ب ( مجلس للدولة) ، مهمته تطبيق القوانين الجديدة ، ومراقبة واردات ومصروفات الدولة – الميزانية او الموازنة ولم ينه تشكيل هذا المجلس ، كفاح المصلحين الاحرار اذ انهم اصروا على تشريع دستور للبلاد .
تشكلت هيئة مؤلفة من (28) عضوا ، وظيفتها وضع دستور للدولة العثمانية وبعد مناقشات حادة اقرت الهيئة قانونا أساسيا ارتكز في مواده على الدستور البلجيكي.
أقيم حفل يوم 23 من كانون الأول سنة 1876 ، وتليت في الحفل مقدمة الدستور العثماني أي ديباجته ومواده وكانت مئة وتسع عشرة مادة (119). وقد اعلن السلطان عبد الحميد الثاني في المقدمة ان الدستور يستهدف " المساواة المدنية والسياسية لجميع العثمانيين ، ويحدد مسؤوليات ، وواجبات الوزراء والموظفين .ويضمن استقلال المحاكم وينص على ان تكون للدولة ميزانية مقننة ، وان يفرض تطبيق النظام اللامركزي في إدارة الولايات .
لا استطيع في هكذا عجالة ان اقرأ لكم كل مواد ونصوص الدستور دستور سنة 1876 ، لكن سأختصر لكم ما جاء فيه وكما يأتي :
1. ان الدولة العثمانية ، تشمل الممالك والخطط الحاضرة والولايات الممتازة وهي كجزء واحد لا تقبل الانقسام ابدا لأية علة كانت ( التأكيد على وحدة الدولة وعدم قابليتها للانقسام والتفكك) .
2. ان السلطنة السنية هي بمنزلة الخلافة الإسلامية الكبرى وهي عائدة بمقتضى الأصول القديمة الى أكبر الأولاد في سلالة آل عثمان
3. ان حضرة السلطان مقدس (أي مصون) وغير مسؤول
4. يطلق لقب (عثماني) على كل فرد من افراد التبعية العثمانية بغض النظر عن نوع دينه او قوميته .
5. يتمتع جميع العثمانيين بالحرية الشخصية على الا يتجاوز أي فرد منهم على حقوق غيره.
6. ان دين الدولة العثمانية هو الإسلام، مع الاعتراف بحق كل فرد في ممارسة الدين الذي يعتقده .
7. الاشتراط على العثمانيين الذين يرغبون الاشتغال في دواوين الحكومة معرفة اللغة التركية
8. ان التعليم وجميع المدارس تقع تحن نظارة الدولة وسيصير النظر بالوسائل التي من شأنها جعل تعليم التبعية العثمانية على نسق متحد ، وانتظام واحد ، لا تمس أصول التعاليم الدينية عند الملل المختلفة.
9. ان العثمانيين جميعا متساوون أمام القانون، وتوزيع الضرائب بين جميع التبعة بحسب اقتدار كل منها وفقا لنظامها المخصوص.
10. تشكيل مجلس أُمة أي ( برلمان) يتألف من هيئتين هما : مجلس المبعوثان أي النواب المبعوثين من الولايات ، ومجلس الاعيان
11. يتم انتخاب أعضاء مجلس المبعوثان من قبل الشعب لمدة أربع سنوات على ان يمثل العضو الواحد 1000 شخص ، ويعتبر نائبا او مبعوثا عن جميع العثمانيين وليس عن المنطقة التي انتخبته فحسب. اما أعضاء محلس الاعيان فيعينون من قبل السلطان لمدى الحياة لا يتجاوز عددهم ثلث أعضاء مجلس المبعوثان .
ان المساندين لحركة الإصلاح ، لم يؤلفوا الا اقلية من المثقفين وبعض موظفي الدولة وسكان المدن الكبرى . اما الأكثرية الساحقة من العثمانيين فكانت بسبب الجهل وسيادة الامية – بعيدة عن الإصلاح والتجديد ولم تمض الا بضعة اشهر على اعلان الدستور حتى اقال مدحت باشا من منصبه في الخامس من شباط 1877 ونفاه الى الطائف وهناك توفي سنة 1883 .وقد تذرع السلطان عبد الحميد الثاني بالحرب مع روسيا في 24 نيسان 1877 فأصدر في 14 شباط 1878 مرسوما بحل البرلمان وتعليق الدستور مؤقتا بسبب تلك الظروف الاستثنائية التي تجتازها الدولة آنذاك كما قال وقد اتخذ من فكرة الجامعة الإسلامية ستارا لسياسته الاستبدادية وكانت تلك الفكرة ذات وهج شديد إزاء التغلغل الاستعماري الأوربي في الدولة العثمانية والتي انتهت بتفكيكها وظهور الدول القومية الحالية على انقاضها ومنها دولتنا الحديثة العراق .
وكما سبق ان قدمت ؛ فإن العراقيين وحركتهم التحررية استفادت ليس من حركة الدستور العثمانية – المشروطية فقط ، وانما أيضا كان لحركة الدستور الإيرانية تأثير . وأقول ان اول دستور منحه مظفر الدين شاه للشعب الإيراني كان في آب سنة 1906 .. ولقد اسهم الإيرانيون بما فيهم بعض العلماء الساكنون في العتبات المقدسة بحركة بلادهم الدستور - يقول استاذي وشيخي منذ اكثر من 60 سنة المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الله الفياض في كتابه عن الثورة العراقية الكبرى 1920 - كان لوجود هؤلاء العلماء بين ظهرانينا اثر مهم في تنبيه العراقيين لأضرار الحكم الاستبدادي ولأهمية الحكم الدستوري في حياة الناس . وهذا التأييد اكسب الحركة قوة وقبولا في أوساط الإيرانيين والعراقيين وكانت مدينة النجف الاشرف مركز هذه الحركة ، ومن العلماء المجتهد الشيخ كاظم الخراساني ، والشيخ محمد تقي الشيرازي ، والشيخ عبد الله المازندراني ، ومرزا حسين الشيخ خليل وشيخ الشريعة والسيد مصطفى الكاشاني والسيد علي الداماد والشيخ عبد الهادي شليلة البغدادي والشيخ حسين النائيني .. وهؤلاء العلماء ايدوا حركة الدستور لا في ايران حسب بل في البلاد العثمانية أيضا فعندما أُعيد العمل بدستور 1876 العثماني سنة 1908 ارسل أولئك المجتهدون بوكالة المجتهد الشيخ كاظم الخراساني ، برقية الى السلطان عبد الحميد الثاني في استانبول يفتون بوجوب تنفيذ الدستور .
ما يهمني قوله في هذا المقام ان العلماء في العراق ، ومنهم المجتهدون ايدوا المشروطية بنسختيها التركية والإيرانية وقالوا لا بل افتوا بأن "الحكم المطلق لا ينسجم مع قواعد الشريعة الإسلامية ، وان الدساتير والمجالس النيابية –البرلمانات ، ضرورة تقتضيها مصلحة المسلمين .
والان كيف استقبل العراقيون ما حدث في العاصمة استانبول ، وهل استفاد العراقيون وهم يبنون دولتهم بعد انتهاء الحرب العظمى والاحتلال البريطاني ونشوب ثورة 1920 من الدستور العثماني ؟ .
أولا الدولة العراقية الحديثة ورثت عن العثمانيين ادارتهم ، وروتينهم ، واعتمادهم الأوراق والسجلات وعندما أرادوا ان يشرعوا لدستورهم الأول عادوا الى نصوص الدستور العثماني ؛ فإستفادوا من بعض نصوصه وهذا ما سوف بوضحه الاخوة في هذه الندوة لاحقا.
فقط أقول ان العراقيين في الولايات الثلاث ، وخاصة المتعلمين واعيان المدن وبعض رؤساء العشائر والملاكين استقبلوا اعلان الدستور لأول مرة سنة 1876 بفرح محدود ، وارسلوا نوابهم الى مجلس المبعوثين لكن استكانوا لعزل السلطان عبد الحميد الثاني 1876-1909 وفرحوا الا اهل الموصل (لأسباب دينية إسلامية كانوا يرون في السلطان عبد الحميد الثاني عمودا من أعمدة الإسلام ) بخلعه سنة 1909 .. في بغداد والبصرة استقبلوا إعادة اعلان الدستور سنة 1908 بفرح لا بل وبحماسة كما جاء في تقرير السفير البريطاني لدى الدولة العثمانية سنة 1908 ويعلل الأستاذ ساطع الحصري فرح العراقيين بالدستور بأنه كان فرصة للقضاء على الفساد والاستبداد الذي كان سائدا ، واستكمال وسائل النهوض ، والإصلاح .ولكن سياسة الاتحاديين وهم الذين تسلموا السلطة بعد خلع السلطان عبد الحميد الثاني والقائمة على التتريك والطورانية أصاب العراقيين بالإحباط وبدأوا يتوجهون الى ( القومية العربية) وتأسيس أحزاب عربية منها الحزب العربي الذي اسسوه في نيسان سنة 1911 وكان من ابرز مؤسسيه محمد علي فاضل ، وعبد المهدي قاسم ، وداؤد يوسفاني واسهمت الصحف ومنها صحيفة ( النجاح) في الموصل و (صدى بابل ) في بغداد في تعميق الوعي الوطني ،والشعور القومي في العراق وقد بلغ هذا ذروته بعد وقوع الاحتلال البريطاني لولايات العراق العثمانية ونشوب الثورة العراقية الكبرى واضطرار سلطات الاحتلال البريطاني الى الاستجابة لمطالب العراقيين في تشكيل دولتهم الوطنية .
فيما يتعلق بدستور سنة 1925 في العراق أقول ان المجلس التأسيسي العراقي التأم يوم 27 من آذار سنة 1924 لكي يحقق الأهداف التالية:
1. البت في المعاهدة العراقية – البريطانية لتثبيت سياسة العراق الخارجية ووضع استراتيجية واضحة لها .
2. سن الدستور العراقي لتأمين حقوق العراقيين ووضع الأسس للسياسة الداخلية
3. سن قانون انتخاب للمجلس النيابي الذي يجتمع لينوب عن الشعب ويراقب سياسة الحكومة
4. في ليلة 11 حزيران 1924 فرغ من البت في المعاهدة مع بريطانيا وصادق على دستور المملكة العراقية في يوم 11 تموز 1924 .وفي 2 آب 1924 انتهى من تدقيق وتصديق لائحة قانون انتخاب مجلس النواب .
5. القى الملك فيصل الأول ملك العراق 1921-1933 كلمة افتتح فيها المجلس التأسيسي –البرلمان ووجه انتباه النواب الى خطورة الدستور وكان يسمى القانون الأساسي وعده (ركن السياسة الداخلية) وقال: " ان احكام
الإسلام مؤسسة على الشورى ...واتباعا لهذا الامر الجليل، واقتداء بالأمم العريقة بالحضارة، وبموجب رغائب الامة العراقية، دعوناكم أيها النواب الى سن هذا القانون ..." يقصد الدستور ". وقد اجتمع المجلس في دورته الانتخابية الأولى يوم 16 تموز 1925 واكد الملك فيصل ان اعلان القانون الأساسي كان موضوع اهتمامه الأول. القانون الأساسي اعلن في اليوم الحادي والعشرين من شهر آذار سنة 1925 والحكومة العراقية عملت على وضع القوانين التي حتم القانون الأساسي سنها وكلها تتعلق بملاك الموظفين وتقوية الجيش والاهتمام بالمعارف – التربية والصحة والإدارة وتنظيم أمور الزراعة والري ومراعاة الاقتصاد والعناية بالأوقاف والمحافظة على الوحدة العراقية .
المرحوم الأستاذ عبد الرزاق الحسني في الجزء الأول من كتابه (تاريخ العراق السياسي الحديث ) ، طبعة دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد1989 افرد فصلا بعنوان (القانون الأساسي العراقي وكيف وضع ؟ ) وقف فيه عند حقوق الانسان ، وأنواع الدساتير وقال ان دستور العراق من الدساتير الصلبة ، المفصلة ، ووجهة الصلابة والتفصيل فيه هو ان الدولة العراقية ناشئة ، فوجب تفصيله ، ووضع العقبات القانونية في سبيل تعديله وأشار الى ان بريطانيا عملت على تأليب الولايات العربية ومن بينها العراق على الدولة العثمانية من خلال تأكيد حق هذه الولايات في الحصول على الاستقلال . وبعد صدور قرار الانتداب في 25 نيسان 1920 ، نظمت الحكومة البريطانية لائحة انتدابها على العراق ورفعتها الى عصبة الأمم في 9 من كانون الأول سنة 1920 للتصديق ، وجاء في المادة الأولى من اللائحة ان للمنتدب ان يضع في اقرب وقت على ان لا يتجاوز الثلاث سنوات من تاريخ تنفيذ الانتداب قانونا أساسيا للعراق يسن بمشورة الحكومة الوطنية ويبين حقوق الأهالي الساكنين ضمن البلاد ومنافعهم ورغائبهم ويحتوي على مواد تسهل تدرج العراق وترقيه كدولة مستقلة وفي الفترة قبل العمل بالقانون الأساسي كان العمل يجري في العراق طبقا لروح الانتداب .
لذلك توج فيصل ملكا في 23 آب سنة 1921 واعترفت به بريطانيا ملكا واعتمدت قرار مجلس الوزراء العراقي برئاسة عبد الرحمن الكيلاني نقيب اشراف بغداد في جلسته المنعقدة في 11 تموز 1921 أي ان تكون حكومة الملك فيصل "حكومة دستورية نيابية ديموقراطية مقيدة بالقانون " . ووافق الملك فيصل ان ينظم ( قانونا أساسيا) أي دستورا ليعرض على المجلس التأسيسي العراقي بشرط ان لا يحتوي على ما يخالف نصوص المعاهدة مع بريطانيا ، وان يأخذ بعين الاعتبار حقوق ورغائب ومصالح جميع السكان القاطنين في العراق ويكفل للجميع حرية الوجدان التامة وحرية ممارسة جميع اشكال العبادة على ان لا تكون مخلة بالآداب والنظام العموميين وكذلك يكفل ان لا يكون ادنى تمييز بين سكان العراق بسبب قومية او دين او لغة ..." .
وحتى اجيب على سؤال يتعلق بمن وضع الدستور أقول ان سلطة الانتداب شكلت لجنة من ( الميجر دبليو .جي .يونغ ) الموظف في دائرة الشؤون الشرقية في وزارة المستعمرات البريطانية وقد الحق بدار المندوب السامي في بغداد والمندوب السامي نفسه السير بيرسي كوكس ، واذا كان الدستور العثماني قد اعتمد في مسوداته على ( الدستور البلجيكي) ؛ فإن هذا الدستور اعتمد على ( الدستور الأسترالي) و(الدستور النيوزلندي ) ، واللجنة استعانت بموادهما لكن الملك فيصل رفضه وقال انه "لا ينطبق على أحوال العراق العامة ، ولأتلاءم أوضاعه الخاصة وطبيعي هذا جاء بعد تدقيق لجنة عراقية مؤلفة من وزير العدل ناجي السويدي ووزير المالية ساسون حسقيل ، ومستشار وزارة العدل دراور والمشاور الحقوقي للحكومة البريطانية نايجل دافيدسن ، الذي نقل الى مثل وظيفته في الحكومة العراقية .اللجنة اشترطت منح الملك صلاحية التصديق على كل قانون يسنه مجلس النواب كما منعت اللائحة هذا المجلس من وضع أي تشريع يختص بمعاهدة التحالف القائمة بين العراق وبريطانيا ولذا ابدلتها بلائحة جديدة استمدت مفاهيمها من "الدستور العثماني ومن دساتير الأمم الأخرى ومنها اليابان وضمنت التعديلات الضرورية التي رأت ان تدخلها على اللائحة الاصلية الا انها انقسمت فكان للوزيرين العراقيين وجهة نظر وللمستشارين البريطانيين وجهة نظر دونتا في مذكرة مفصلة أرسلت مع اللائحتين القديمة والجديدة الى حكومة لندن لتقول كلمتها فيها وقد تمت الاستفادة مما جاء في دساتير تركيا وايران وسوريا في عهد المملكة العربية بزعامة فيصل 1918-1920 ، ومنها ما يتعلق بحقوق الانسان ، وأفكار الحرية ، والسيادة التي اقرتها الثورة الفرنسية .
وقد صادقت وزارة المستعمرات على اللائحة بشكلها المعدل ، وطلبت عرضها على المجلس التأسيسي للتصديق .
لائحة القانون الأساسي ، أي الدستور العراقي جاءت في ( 123) مادة موزعة على مقدمة ، وعشرة أبواب ، وفي المقدمة وهي في اربع مواد وتبحث عن اسم القانون وشكل الحكومة وعاصمة الدولة وشكل العلم وفي الباب الأول ويقع في اربع عشرة مادة وتبحث في حقوق الشعب والباب الثاني جاء في ثماني مواد وتبحث في حقوق الملك وصلاحياته وجاء الباب الثالث في (37) مادة وتتناول السلطة التشريعية والباب الرابع وقف عند احكام الوزارة وكيفية تشكيلها واقالتها ومسؤولية كل وزير والباب الخامس كان يقع في (22) مادة ويتناول السلطة القضائية وتشكيل المحاكم ودرجاتها والباب السادس يقع في (19) مادة وتتناول الأمور المالية وكيفية فرض الضرائب وجبايتها وصرفها والباب السابع كان في اربع مواد تبحث "في إدارة الأقاليم الإدارية " وانواعها وكيفية تأسيسها وما يتعلق بالمجالس البلدية والطائفية وجاء الباب الثامن في خمس مواد وتتناول البيانات والأنظمة والقوانين الصادرة من اية سلطة عسكرية او مدنية قبل نشر القانون الأساسي وجاء الباب التاسع ليوضح في مادتين كيفية تبديل احكام القانون الأساسي أو تعديله ووقف الباب العشر وهو مؤلف من اربع مواد عند اعلام الاحكام العرفية وكيفية تفسير القوانين وفي وضع الأوقاف وأخيرا تاريخ تنفيذ القانون الأساسي .
توجه موكب وزاري الى البلاط الملكي في 21 اذار سنة 1925 يتقدمه رئيس الوزراء ياسين الهاشمي ، حاملا دستور المملكة ، وقانونها الأساسي في مخمل من الحرير الأخضر ، فحيته ثلة من الحرس وقدمه الى الملك فيصل الذي قبله ، وصدقه بقلم مذهب وامر بنشره فنشر يوم 21اذار سنة 1925 ،وكان نشر القانون الأساسي بمثابة خطوة كبيرة في تأكيد رغبة العراقيين في التقدم والازدهار.
اختم محاضرتي بالقول ؛ ان نشر القانون الأساسي والبدء بالعمل به لم يكن يعني انه خالٍ من الملاحظات ، حتى ان الشاعر العراقي الكبير معروف عبد الغني الرصافي ( توفي سنة 1945) ندد به وقال : " من يقرأ الدستور يعلم انه وفقا لصك الانتداب مصنفُ ".
وهناك ملاحظات منها انه قال ان سيادة المملكة العراقية الدستورية للامة " لكنه نص على ان السيادة للملك فيصل ، ولورثته من بعده .كما انه اباح للسلطة التنفيذية في حالة عدم وجود البرلمان إمكانية اصدار مراسيم لها صفة قانونية .كما ان من حق الملك تعيين أعضاء في مجلس الاعيان ، وثمة تقييدات مالية على سلطة المجلس التأسيسي وخول الدستور لدار المندوب السامي رفض أي قانون لا ينال موافقة المستشار البريطاني وان للملك حق رفض أي قرار يتخذه مجلس الوزراء ،وله ان يعيد أي قانون يشرعه البرلمان ولا يرى فيه ما يلائم رغبة المندوب السامي .
ومن الطريف القول ان المستر هوبر Hooper ، الف كتابا بعنوان
The Constitutional Law of Iraq وقد نشر الأستاذ عبد الرزاق الحسني في الجزء الأول من كتابه (تاريخ العراق السياسي الحديث) طبعة 1989 نص القانون الأساسي العراقي وتعديله الأول وعلى الصفحات 267-290.
_____________________________
محاضرة القاها الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف في ندوة قسم الدراسات التاريخية بمؤسسة بيت الحكمة التابعة لمجلس الوزراء العراقي لمناسبة الذكرى المئوية للدستور العراقي 1925-2020 في القاعة الحمراء الساعة العاشرة من صباح يوم الخميس 27 من شباط – فبراير 2025 .


  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1303 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع