"الفدرالية ليست دعوةً للحرب، بل ضمانٌ للسلم والعدالة"

د.أنور أبوبكر كريم الجاف

"الفدرالية ليست دعوةً للحرب، بل ضمانٌ للسلم والعدالة"

يا دكتور فيصل، إنك تخلط بين الفدرالية والاقتتال الداخلي كما يخلط الجاهل بين العدل والظلم، وكأنما تظن أن النظام الفدرالي هو صاعق تفجيرٍ لا صمام أمان، وتصور أن الدماء ستُراق إن مُنح الشعب حقه في تقرير مصيره، بينما التجارب الديمقراطية تثبت أن الفدرالية هي السبيل الأمثل لحماية التنوع ووأد النزاعات قبل وقوعها.

دعنا من النظريات ولنأتِ بالواقع: ألم يكن النظام الفدرالي هو ما أنقذ سويسرا من تفكك مكوناتها العرقية واللغوية؟ ألم يكن هو ما صان وحدة الولايات المتحدة بعد حربٍ أهلية كادت تعصف بها؟ أم أن الفدرالية في العراق – رغم عيوب التطبيق – قد منحت إقليم كردستان استقرارًا نسبيًا بينما بقيت بقية المحافظات تتقاذفها العواصف السياسية والأمنية؟

تحدثت عن الزعامة والسلطة وكأن الفدرالية تكافئ الانفصال، بينما الحقيقة أنها تمنع الاستئثار بالحكم من قبل جهةٍ دون أخرى، فالشعب هو الذي يختار حكامه وفق صناديق الاقتراع، لا أن يُفرض عليه نظامٌ مركزيٌّ يخنق حقوقه ويحتكر قراره، كما فعل نظام البعث حين حول الدول إلى معتقلات كبرى، حتى أصبح المواطن يخشى أن يتحدث في بيته عن قضايا وطنه.

أما تشبيهك للفدرالية بـ”أيام اللولو”، فهو إقرارٌ منك بأن الماضي كان أكثر ديمقراطية مما نخوض فيه اليوم، فلو كان “اللولو” رمزًا للتسيب فإن الحكم المركزي الذي تدافع عنه كان رمزًا للاستبداد الذي جعل الشعوب تترحم حتى على عصورٍ كان فيها بعض الإنصاف.

الفدرالية، يا دكتور فيصل ليست بدعةً منكرة بل هي الحل الذي يحقق التوازن بين التعددية القومية والمصلحة الوطنية، وإن كنت ترى أنها ستجلب سفك الدماء، فلِمَ لم تجلب مركزية الأنظمة الاستبدادية سوى الحروب والإبادات؟ وهل كان ظلم البعث للكرد وغيرهم من المكونات سببًا في استقرار سوريا والعراق أم سببًا في تفككهما وصراعاتهما التي لم تهدأ حتى اليوم؟

لقد عانى الكرد وغيرهم من المكونات من سياسات الإقصاء والتمييز لعقود فإما أن يُدمجوا قسرًا في هويةٍ لم يختاروها أو يُطردوا من أوطانهم كأنهم غرباء . فأي نظامٍ أكثر عدلاً؟ فدراليةٌ تمنحهم حقوقهم كشركاء أم مركزيةٌ تسلبهم هويتهم بالقوة؟

وإن كنت تخشى من الفدرالية على وحدة الشعوب فاعلم أن الظلم هو أسرع الطرق لتمزيق الأوطان والتاريخ شاهدٌ على ذلك.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1458 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع