د. عصام البرّام -القاهرة
الأنا والآخر .. العلاقة الجدلية في النص الروائي
يُعد مفهوم الأنا والآخر من أبرز المحاور الفكرية والفلسفية التي شغلت النقاد والكتّاب في النصوص الابداعية بشكل عام، والنصوص الروائية بشكل خاص. إذ يمثل هذا المفهوم إنعكاساً للعلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع، وبين الذات والهُويات المختلفة، ففي النصوص الروائية، يظهر هذا المحور كعنصر مركزي يُسهم في بناء الشخصيات، والحبكة في ثيمة النص، والرسالة التي يُراد إيصالها.
فالأنا هو مركز الذات وتجليّ الهُوية، حيث تمثل الأنا في الرواية الذات الواعية التي تسعى لفهم العالم المحيط بها، وتعكس رؤية الكاتب للحياة والوجود، فالأنا ليست مجرد شخصية في النص؛ بل هي وسيلة للتعبير عن القيم، والطموحات، والصراعات الداخلية، وفي كثير من الأحيان، تكون الأنا هي البطل أو الراوي الذي يوجه القاريء لفهم السياق السردي.
وعلى سبيل المثال، في روايات الحداثة وما بعدها، نجد الأنا تواجه أزمة هُوية عميقة نتيجة التغيرات الاجتماعية والسايسية. فالروائي يعبّر عن هذا من خلال تيارات الوعي والسرد الداخلي، حيث تكشف الأنا عن هشاشتها وشكوكها في محاولة لفهم العالم المتغير من حولها.
وعندما نقول ( الآخر)؛ هو المرآة والنقيض، فالآخر في البناء الروائي يُمثل كل ما هو مختلف عن الذات، قد يكون الآخر شخصية ذات هوية مغايرة ثقافياً، أو دينياً، أو إجتماعياً، أو حتى رمزاً لأفكار ومفاهيم مناقضة لما تؤمن بها الأنا. كما يظهر الآخر كعامل محفز للصراع والتطور في النص، حيث يسلط الضوءعلى التباين بين الذات والغيرية. كما هو الحال في النصوص التي تتناول قضايا الاستعمار أو التعدد الثقافي، يُظهر الآخر غالبًا كرمز للهيمنة أو التهميش. في هذه الحالة، تتجلى العلاقة بين الأنا والآخر كصراع حضاري أو ثقافي، يعكس مواقف المجتمع تجاه الإختلاف.
العلاقة الجدلية بين الأنا والآخر
تُظهر العلاقة بي الأنا والآخر في الرواية جدلية معقدة تحمل في طياتها جوانب الصراع والتفاهم. فمن جهة، يُعد الآخر وسيلة لتحدي الأنا وإجبارها على مواجهة ذاتها، ومن جهة أخرى، يُمكن ان يكون الآخر رمزاً للتهديد أو مصدراً للسلام.
وعلى سبيل المثال، ففي رواية (الغريب) للروائي البير كامو، يُمثل الآخر المجتمع الذي يُحاكم الأنا وهو البطل (ميرسو) على أفعاله وطبيعته اللانتمائية، كما يصفها أيضاً الكاتب والروائي الفيلسوف كولن ولسن في كتابه اللامنتمي؛ هذه العلاقة تعكس إغتراب الإنسان الحديث والمعاصر وصراعه مع القيم الاجتماعية التي يفرضها الآخر.
فالأنا والآخر تعد أداة للنقد الاجتماعي، حيث تلعب العلاقة بين الأنا والآخر دوراً هاماً في النقد الإجتماعي، وذلك من خلال كشف التحيزات الثقافية والتمييز العرقي والجندرة والاختلاف الديني. فالروائي يستخدم هذه العلاقة ليُبرز التوترات الاجتماعية والسياسية، ويدعو المتلقي أو القاريء لإعادة التفكير والتقييم في تلك القضايا.
إن الأنا والآخر لهما بعدان في السايق الثقافي والحضاري، وتمتد العلاقة بينهما في النص الروائي الى سياقات أوسع تعكس التفاعل بين الثقافات والحضارات، ففي الأدب العالمي نجد الروايات التي تتناول الاحتكاك بين الحضارات المختلفة نتيجة الإستعمار أو الهجرة أو التبادل الثقافي ، فتُقدم الآخر بوصفه مرآة تُظهر للأنا مدى تشابكها مع العالم الخارجي.
كما يتجلى هذا في أعمال مثل (قلب الظلام) للروائي جوزيف كونراد، حيث يُصور الآخر بوصفه النقيض للحضارة الاوربية، مما يفتح النقاش حول المركزية الأوربية ونظرتها الى الآخر. في المقابل، نجد أدب ما بعد الإستعمار يركز على إعادة تعريف الآخر من وجهة نظره الخاصة، كما هو الحال في أعمال تشينوا أتشيبي، التي تُظهر الأنا الافريقية وهي تُعيد صياغة علاقتها بالآخر الغربي.
الآخر الداخلي: صراع الذات مع نفسها
لايقتصر مفهوم الآخرعلى الكيانات الخارجية، بل يمتد ليشمل (الآخرالداخلي) أي الجزء المختلف أو المكبوت داخل الذات الانسانية نفسها، يظهر هذا الجانب في الروايات التي تستكشف صراعات الهُوية والانقسام الداخلي، حيث تصبح الأنا عالقة بين متناقضات أو ولاءات متعددة. ففي رواية (دكتور جيكل ومستر هايد) لروبرت لويس ستيفنسون، يُقدم الآخر الداخلي بوصفه إنعكاساً للصراع الاخلاقي والنفسي داخل الإنسان، فالأنا هنا لا تواجه تهديداً خارجياً، بل تعيش معركة داخلية تعكس الصراع الأزلي بين الخير والشر في النفس البشرية على مرّ الازمان.
أما الأنا والآخر في الرواية العربية، ففي الأدب العربي، تأخذ العلاقة بين الأنا والآخر طابعاً خاصاً نتيجة التداخل التأريخي بين الثقافات الشرقية والغربية، فالرواية العربية الحديثة، خاصة تلك التي ظهرت بعد فترة الإستعمار، تُركز على إستكشاف علاقة الهُوية الذاتية بالمؤثرات الخارجية.
وعلى سبيل المثال، في رواية (موسم الهجرة الى الشمال) للروائي السوداني الطيب صالح، نجد بطله يعيش صراعاً بين هُويته كشرقي والآخر المتمثل في بلاد الغرب الذين عاش معهم، فالرواية تُظهره ليس فقط كخصم، بل كجزء من الأنا ذاته، ما يعكس تعقيد بين الذات والغيرية في السياق العربي.
إن البُعد الفلسفي للأنا والآخر في الرواية على المستوى الفلسفي، تناقش العلاقة بين الأنا والآخر بوصفها تعبيراً عن رغبة الإنسان في الفهم والإعتراف، يقول الفيلسوف إيمانويل ليفيناس؛ (يُبرز أهمية الآخر في البناء الروائي وحتى الشعري والتشكيلي، بوصفه أسا ساً للأخلاق، حيث يُشكل وجود الآخر دعوة للذات للإنفتاح والإعتراف بالإختلاف)
هذا البُعد الفلسفي يظهر في العديد من الروايات التي تُركز على التعاطف والتفاهم بين الأنا والآخر، كما هو الحال في رواية (البؤساء) للروائي فكتور هوغو، حيث يُعيد الآخر بطل روايته (جان فالجان) تعريف نفسه من خلال التفاعل مع الآخرين الذين يمدّون له يد العون أو يواجهونه بتحديات أخلاقية.
الأنا والآخر: بين الصدام والتعايش
إن العلاقة بين الأنا والآخر لا تُخزل في الصراع فقط، بل تحمل إمكانيات للتعايش والتكامل في الروايات التي تُعالج قضايا العولمة والهُويات المتعددة، حيث تظهر الأنا وهي تعيد تشكيل نفسها من خلال قبول الآخر، هذا التفاعل يُنتج هُويات هجينة تعكس تعقيد العالم الحديث وتنوعه.
من هنا، ومن خلال إستكشاف العلاقة بين الأنا والآخر في النصوص الروائية، يُمكن فهمم العديد من القضايا الإنسانية المعاصرة مثل الهُوية ، والتعددية، والإنفتاح على الآخر، فالرواية بوصفها شكلاً أدبياً تمتلك القدرة على إظهار الصراعات الداخلية والخارجية للأنا، وتجعل القاريء المتلقي جزءاً من رحلة البحث عن الذات والتفاهم مع الغير، فهذا التنوع في العلاقة بين الأنا والآخر يجعل النص الروائي مساحة غنية للتأمل والتحليل والإستغراق في عالم النص الإبداعي.
إن مفهوم الأنا والآخر في النص الروائي يُعد أداة فنية وفكرية تعكس عمق التجربة الإنسانية وتعقيدها. من خلال هذا المفهوم، يستطيع الكاتب تسليط الضوء على الهُوية والأختلاف، الصراع والتعايش، ليقدم صورة غنية ومتعددة الأبعاد عن الإنسان والعالم. إن فهم هذه العلاقة في النصوص الروائية يُضيف بُعداً أعمق لتفسير العمل الأدبي وإدراك رسالته الإنسانية المنشودة نحو تغيير العالم.
641 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع