تولستوي وأدب الإعتراف

                                                     

                            د.عدنان هاشم

         

تولستوي وأدب الإعتراف

لم يعرف تراثنا العربي أدب الإعترافات كما عرفه الغرب، إذ يحتاج كاتبه إلى شجاعة كبيرة ليكتب عن نفسه بصراحة قد لا يمكن أن يتقبلها مجتمعه المعروف بقيوده الدينية والإجتماعية والسياسية التي لا تنتهي. ولكن الغرب عرف هذا النوع من الأدب منذ زمن بعيد. إن أدب الإعتراف هو ما يكتبه الأديب أو الفيلسوف غوصا في أعماق النفس مع تأملات عميقة لتجاربه ومشاعره غالبا ما تصحبها نزعة صوفية عميقة، وكثيرا ما تختلط بفلسفة الكاتب فيرى في نفسه ما لم يكن يراه فيما مضى ويكتشف فيها ما لا يكتشفه الآخرون في أنفسهم.
أول ما وصلنا من هذه الإعترافات هي "اعترافات القديس أوغسطين" الذي كان من أصول بربرية في المغرب الأقصى في القرنين الرابع والخامس الميلاديين وكان من آباء الكنيسة الأوائل. كان في أول حياته صبيا متمردا ثم شابا جامحا محبا للحياة ومنغمسا في لذاتها، ولكن حدث التحول الأعظم في حياته عندما انغمس بعمق في أصول الديانة المسيحية وتأثر كثيرا بفلسفة أفلاطون وألف كتابه الشهير في الفلسفة "مدينة الرب" والذي اشتهر في الغرب باسم City of God والذي صار فيما بعد مرجعا أصيلا في فلسفة القرون الأولى والوسطى والمسماة بالفلسفة المدرسية Scholastic Philosophy.
ثم جاء بعد قرون وفي عصر التنوير الأوربي في القرن الثامن عشر جان جاك روسو الفيلسوف الفرنسي ليكتب اعترافا مفصلا عن حياته وتجاربه واشتهر الكتاب إلى يومنا هذا باسم اعترافات روسو.
أما تولستوي الأديب الروسي فهو موضوع الحديث هنا، لنسرد ما كتب تولستوي عن نفسه كما ورد في اعترافاته:
نشأ ليو تولستوي نشأة أرستقراطية في أسرة ثرية وكان يتمتع بذهن وقاد وذكاء خارق وحب للمعرفة، فدرس آداب زمانه وألم بالفلسفة وتراث اليونان وكان على معرفة بآداب الغرب وعلومه، وتأثر باعترافات القديس أوغسطين واعترافات جان جاك روسو وكتابات الفيلسوف شوبنهاور .وقد كتب تولستوي اعترافاته عندما كان في الخمسين من عمره بعد أن حقق نجاحا كبيرا في حياته بكتابته روايتي "الحرب والسلام " ورواية "أنا كارانينا " التي تعكس حياة الطبقة الأرستقراطية الروسية في القرن التاسع عشر والتي حققت له شهرة كبيرة وعرف أدبه بسببها في كل أرجاء أوروبا.
كان تولستوي محاطا بأترابه من الطبقة الأرستقراطية حيث النساء الجميلات والخمور المعتقة والحفلات المثيرة. ولكن سؤالا أخذ يدب في نفسه ويلح عليه ويتردد في ذهنه كثيرا، فأخذ يقلقه ويقض مضجعه ألا وهو ما هدف هذه الحياة! وهل هناك خالق لهذه الحياة يهدف شيئا من وجودها. لم يجد جوابا عند أترابه الذين وجد في كثير منهم سخفا وسطحية في التفكير وعبوسا وتجهما حتى وصل الحد ببعضهم إلى الانتحار رغم إقبال الدنيا عليهم بثرائها ومتعها وملذاتها. كان الإلحاد أو مذهب اللا أدرية شائعا بين أفراد الطبقة الأرستقراطية فلم يفلت هو من تلك النزعة. وصل تفكيره إلى قناعة أن الحياة إن كانت بلا هدف فهي حياة تافهة لا تستحق العيش فيها وتذكر قول سليمان الحكيم في الكتاب المقدس " الحياة تفاهة التفاهات، كل شيء تافه، جيل يأتي وجيل يروح والأرض تبقى كما هي "
‘Vanity of all vanities’ says Solomon. ‘All is Vanity, One generation passeth away and another generation cometh but the Earth abideth forever.’
أجال تولستوي النظر حوله ليرى كيف يتعامل أصحابه مع هذا السؤال الملح؛ فرأى أن بعضهم طرأ عليه هذا السؤال ولكنه ضرب عنه صفحا وآثر أن يستمتع بالحياة بكل ما فيها من متع وملذات، والبعض الآخر بلغت به بلاهة الإحساس درجة كبيرة فلم يشعر بهذا السؤال الملح، وقد بدأ يرى حكمة الكتاب المقدس حين يقول "إن البشر يفضلون الظلام على النور." وأما الصنف الآخر منهم فقد حمل هذا التساؤل محمل الجد فلم يجد بدا من الشعور بأن الحياة إن لم يكن لها هدف فهي تافهة بل في غاية التفاهة فلا معنى للعيش فيها.
حاول تولستوي أن يجد معنى للحياة، فبحث عن هذا المعنى عند علماء الطبيعة والرهبان وعلماء اللاهوت وأصحاب الديانات الأخرى فلم يظفر منهم بطائل، هنا فكر تولستوي جديا بالانتحار، فحاول عدة مرات قتل نفسه ولكنه لم يفلح لأنه أعترف أن نفسه تحمل في ثناياها قلب جبان فلم يجرأ على مثل هذا الأمر الفظيع. كان عنده إحساس غريب بوجود الله فكان يرى نفسه كأنه في قارب يبحر في وسط ماء سريع الجريان، وهناك في الجانب الآخر بر الأمان ولكنه نظر حوله فرأى أعدادا لا يتصى من البشر يركبون الزوارق التي تسير بهم إلى في منحدر مائي عميق حيث لا عودة معه إلى بر الأمان، وكان قاربه يسير معهم بسرعة إلى المنزلق، ولكن يدا خفية سحبته إلى بر الأمان وذلك هو الله فلم ينجدر مع المنحدرين إلى تلك الهوة السحيقة.
ويمضي تولستوي في رحلته الروحية فيقص علينا أن رقيق الأرض SERFS الذين كانوا يزرعون له الحقول كانت تبدو عليهم علامات الطمأنينة رغم فقرهم الشديد وشظف العيش الذي كانوا يعانونه، فكانوا يؤمنون بالله والمسيح إيمانا فطريا، وكانوا يتقبلون ما يلاقونه من كوارث في حياتهم بنوع من التسليم الهادئ، فبدأ يحبهم ويقترب منهم شيئا فشيئا حتى بدأ يذهب معهم إلى الكنيسة أيام الآحاد، وفي أحد الأيام أعطاه القسيس قطعة خبز ليلتهمها وقال له خذ هذا فهو لحم ودم المسيح، وهنا اقتنع تولستوي أنه لا يمكن أن يؤمن بتعاليم الكنيسة هذه ولكن يجب عليه أن يبحث بنفسه عن الله والحقيقة حتى يجدها.
وقد جاء تولستوي الخلاص في حلم له اشتهر في أوساط الأدب بحلم تولستوي، في ذلك الحلم رأى نفسه نائما على سرير مكون من خيوط رفيعة تربط طرفيه وهو يطير في الفضاء وكلما ازداد ارتفاعا كلما تقطعت خيوط السرير تباعا فتدلى نصفه الأسفل من السرير وكان على وشك السقوط. وإذا نظر إلى أسفل ازداد رعبا حيث يجد نفسه يحلق فوق هاوية لا قرار لها، وإذا نظر إلى أعلى تمتلئ نفسه سلاما وطمأنينة، ولم يبق في السرير في نهاية الحلم إلا خيط واحد ولكن السرير ازداد ارتفاعا وازدادت نفسه طمأنينة، فلم يعد يخشى السقوط وسمع عند ذاك صوتا يقول له: أبصر حتى لا تنسى See that you Remember فعند ذلك استيقظ تولستوي من نومه فبدأ رحلة جديدة في حياته، حياة ليست عبثا كما كان يراها بل حياة هادفة نبيلة في ظل خالق حكيم رحيم، ذلك هو الله.
نرى في مذكرات تولستوي رحلة روحية صوفية عميقة المحتوى، رحلة طويلة تصارع فيها الشك مع الإيمان والعبثية مع هدفية الحياة، كانت روحه فيها تتجاذبها قوى الظلام وقوى النور فطغت عليه جراء ذلك سوداوية شديدة وملنخوليا فقد معها طعم الحياة حتى فكر بالانتحار مرارا، ولكنه صمد للتجربة الروحية التي مرت به حتى وصل إلى شاطئ السلام فوجد ربه هناك الذي أسبغ عليه الطمأنينة والسكينة.
لعلنا نستقي من تجربة تولستوي الروحية دروسا في التأمل والبحث في أعماق الذات لنكتشف ما يمكن اكتشافه في ذواتنا بعد أن شغلنا عنها بأعباء الحياة وفناء العمر في الدرس والبحث والطموح وجمع المال والبحث عن المناصب الرفيعة. ما أخشاه أن تنقضي أعمارنا فيما نعمل فلا يبقى لنا ما جمعناه ولا نحظى بلذة البحث والتأمل والخلوة مع الله والتلذذ بمناجاته التي يصعب تحقيقها في خضم الحياة ومشاكلها وضجيجها. قد ينجح بعضنا في رحلته الروحية إلى خالقه كثيرا أو قليلا، فكل إنسان مخلوق لما هيئ له، ولكن الخسارة أن تنقضي أيامنا فننظر خلفنا فتتملكنا الحسرة ونتوسل بخالقنا “رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون."

عدنان هاشم
12 تشرين الثاني 2022

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

446 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع