مواطنون أم مواطنون ممثلون؟

                                                   

                            د. زكي الجابر

مواطنون أم مواطنون ممثلون؟

                   إعداد وتعليق د. حياة جاسم محمد

في زمن، لم يغب بعد عن الذاكرة، قالوا في وصف رئيس دولة كبرى يديرها بقدرة مشهودة وحنكة معروفة إنه كان يقوم بتمثيل رئيس تلك الدولة. لم يجدوا، كما لم أجد، في ذلك ضيرا، فهو يتبع ما يقوله المخرجون/المستشارون، يتقمص الأدوار ويؤديها بما اتسعت موهبته وكفايته وتجربته. أقول لم أجد ضيرا في كل ذاك ما دام مخلصا ومجيدا في أداء ما يضطلع به من أدوار سياسية أو اجتماعية، ولكن الضير كل الضير أن يتحول شعب بغالبيته أو بكامله إلى مجموعة ممثلين يصفقون إن قيل لهم صفقوا، ويهتفون إن قيل لهم اهتفوا، ويرقصون إن قيل لهم ارقصوا، وينشدون إن قيل لهم أنشدوا. إنهم يستمعون بآذانهم إلى ما يقوله المخرجون، قادة اوركسترا الدعاية والإثارة والتهييج والتهريج. وقادة الاوركسترا بفعلتهم تلك إنما يقتلون روح الشعب ومعنوية المواطنة وذلك بقتلهم الفكر الناقد، وما يوحي به الضمير، وما يفترضه الالتزام الوطني من ولاء للتراب.
إنك مثلي تستمع إلى الإذاعات، وتشاهد التلفزة، وتقرأ الصحف، وترى قادة الاوركسترا هؤلاء متناثرين على ساحات عدد من البلدان النامية، يطربهم أن يطرب الناس لمرآهم ولأقوالهم وابتساماتهم وحركاتهم. إن أجهزة الإعلام في تلك البلاد قد أغفلت دورها في كشف الحقيقة والبحث عن الموضوعية ونشر الخبر الوثيق والتعليق المبني على العقلانية والمصلحة العامة. وربما لن تكون ملومة في كل ذلك، فهي أدوات عزف في هذه الاوركسترا، تتقن أداء سيمفونية الدعاية، تصعد باللحن وتهبط، ثم تكاد تخفت، ثم تصعد، الاوركسترا تتحرك علوا وخفوتا وفقا لإشارة قائدها.
ربما نتساءل عن التقنيات التي توظف وصولا لتحقيق ذلك الهدف، وعن سيكولوجية المواطنين في تحولاتهم إلى ممثلين؟
إن غاية المخرج هي تحويل الممثلين عن هموم المواطنة، وربطهم بوصفهم مواضيع، كما يقول ’’ستانسلافسكي‘‘(1)، إلى خشبة المسرح، وإلى أنفسهم بوصفهم ممثلين وإلى أهداف التمثيلية وأفكارها. لا مجال هنا للنقد والتأمل، فالمخرج يضبط الإيقاع، ويحرك يديه، ويهمس أو يصرخ بصوته ليضع الممثلين تحت طائلته. وإيقاع العمل بعد ذلك يثير التجاوب، وبالأخص حينما يجمع المخرج/قائد الاوركسترا بين مفاجأة تثير العجب ومألوف اعتاده الناس. وبهذا الفعل تتحول التمثيلية بكاملها إلى مهرجان فيه ما فيه من خيال وعواطف وسلوك وتسلية!
وحين تغدو ساحة الوطن مسرحا فإن المنتظر من المواطنين أن يتحولوا إلى مواطنين ممثلين.
أما أدوات العزف، أجهزة الإعلام، فهي فريدة في إظهار القادة. إنهم، وأريد بهم قادة الاوركسترا، متماثلون بقدر ما هم مختلفون في ارتداء الأقنعة. وأدوات الإعلام مرايا قادرة على تشويه صورة وتجميل أخرى، ودرجة لمعانها وانعكاساتها تتغير بتغير الزمن واختلاف البشر. في الحرب تأخذ الدبابات والمدرعات أشكال الأشجار، وتلبس الدعاوي الفارغة والأكاذيب ألبسة الحقائق التي لا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها.
إن عمليات الدعاية، بتقنياتها المعروفة وأساليبها التي تفنن في ابتكارها متفننون وخبراء في المجتمع والناس، لها القدرة على صياغة الممثلين في تركيب قاعدي أو حامضي، يتداخل بعضه في بعض حتى يكاد الممثل ينسى أنه مواطن عليه أن يفكر وينقد ويعمل لإرضاء ضمير مواطنته، وليس تلبية لإرادة المخرج وتوجهات الداعية. وهكذا ليس بغريب أن ترى اختلاف دور الفرد حين يعود إلى ذاته عن دوره وهو في حشود راقصة منشدة مصفقة هاتفة. ليس بغريب أن تتبين اختلاف الفرد، وهو يتبع ما توحيه قناعات ضميره الوطني وواجبه لأسرته، والفرد نفسه وهو يردد أنشودته مع جوقة المنشدين، وهو يعتلي خشبة المسرح متقمصا دوره المرسوم. إن للدعاية، إلى جانب تقنياتها وأساليبها، لغتها الإدماجية المتفردة في تكوين التجانس والتماثل وذوبان التفرد الشخصي.
المنافسة الفكرية في إطار وحدة الوطن ظاهرة صحية، وأما الولاءات التي تخلقها أجهزة الدعاية فستذوب حينما تسطع شمس الحقيقة. قد يتأخر شروق هذه الشمس، ولكن لا بد له أن يتجلى من خلال الظلمة، وأن يكون هناك مواطنون مؤمنون مخلصون إلى وطنهم، يبدون الولاء لمن بيدهم الحل والعقد عن طواعية ومحبة وتقدير، فذلك خير من أن يتحولوا إلى مواطنين ممثلين منخرطين في دعاية الإدماج، دعاية تخفي نفسها تحت أثواب الفن وقصائد الشعراء الكذابين وغناء المهرجين وتصفيق الأيدي التي تحسن حرفة التصفيق ولا تجيد حرفة من حرف العيش الشريف. ومن الببغاوات من تجيد إعادة القول، ومنها من تكتب ما يُوحى إليها. إن عقلها في أذنيها. ولقد أجاد أحمد شوقي حين قال في مستهل مسرحيته الشعرية ’’مصرع كيلوباترة‘‘
إسمعِ الشعبَ ’’دِيونُ‘‘
كيف يوحون إليه
يا له من ببغاء
عقله في أذنيه!
إن من حق أية قيادة سياسية أن تفتخر حين تأبى أن يتحول شعبها إلى ببغاوات، إلى مواطنين ممثلين!
***************
1- قسطنطين ستانسلافسكي (1865-1938)، ممثل ومخرج روسي، عرف بتفضيله أن يتقمص الممثل دور الشخصية التي يؤديها، ويندمج فيها كلية.
نشرت في صحيفة العَلَم (المغرب)، 28-3-2000

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

523 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع