معركة حظ

                                                    

                                بسام شكري

معركة حظ

بعد إعادة تنظيم قطعاتنا في القاطع الأوسط من العمليات خلال الحرب العراقية الإيرانية نزلنا في منطقة تلال كأنها أمواج البحر وقد صادف شهر رمضان المبارك ونحن لا نعرف المنطقة جيدا لكننا نعرف ان قطعاتنا الخلفية في منطقة امام ويس العراقية وكان الفوج موزع على شكل خط منحني وكانت سريتنا في اقصى اليمين على تلة مربعة الشكل شاهقة الارتفاع وقد وضعنا في الزاوية رشاش ثقيل من نوع ديمتروف ثنائي الرمي مركب على عجلتين ومدفع 106 محمول على سيارة سانتانا الاسبانية وبقية السرايا قد توزعت في غربنا وبيننا وبينهم وادي عميق وكنا مرتاحين لشعورنا بالاستقلالية وكان لدينا عدة مراصد تحت الأرض والمراصد هي غرف محفورة في الأرض بطول ثلاثة متر وعرض أربعة متر تتسع لقتال أربعة اشخاص مع مخزن عتاد كبير وجدرانها مرصوفة من الداخل بأكياس الخيش المملوءة بالرمل والسقف من خشب سميك يسمى خشب سكة حديد مع قطع من الحديد وعليها طبقة تراب وطبقة صخور حتى تنفلق قنابل العدو عند ارتطامها بالصخور وفي المرصد من الامام شباك بطول مترين مركب عليه ناظور ورشاشة متوسطة بي كي سي اليوغسلافية وقناص ومن شباك المرصد نشاهد الأرض الحرام ولدينا تسعة مراصد في منطقة السرية التي هي على شكل مربع ناقص ضلع وعند الخروج من المرصد ندخل في خندق طويل يربط كل المراصد مع بعض وبين كل مرصد والأخر 300 الى 400 متر تقريبا والمراصد تقع على ساتر ترابي عالي يجلس عليه الجنود للقتال عند هجوم العدو علينا وفي الساتر أيضا مواقع للقتال محصنة بأكياس الرمل ولدينا ملاجئ للنوم تحت الأرض تقع خلف المراصد وهي محصنة كذلك وكانت واجباتنا اليومية هي الرصد فقط بدون ان نتحرك الى الأرض الحرام لان التلال كانت عالية ومحصنة بسبب الارتفاع ولوجود تلال ملتوية تحجب النظر علينا فلا نرى اكثر من كيلومترين تقريبا وكنا نقضي يومنا الرمضاني في واجبات الرصد ونصعد على سطح الأرض نتحرك في المربع المكشوف ويوميا قبل الإفطار بساعتين نبدأ بتحضير الطعام في تلك الأرض المكشوفة الواسعة والعدو لا يرانا طبعا لارتفاع الساتر لأكثر من مترين وقد عودنا العدو يوميا قبل خمس دقائق من الإفطار يبدأ بقصفنا بالهاون والمدفعية ويستمر لمدة نصف ساعة فنهرب الى الخنادق ولذلك كنا ما ان ننتهي من الطبخ حتى ننزل تحت الأرض في المراصد او الملاجئ المحصنة ونتناول الإفطار وكانت الحرارة اشد من السنة التي قبلها والعطش يكاد يقتلنا وقد جاء رمضان في الشهر السادس حيث درجة الحرارة في الظل 50 درجة لكن من مميزات تلك السنة اننا لا نخرج دوريات وكمائن الى العدو وكانت سيارة الحانوت تأتي الينا يوميا حيث نشتري الخضروات والفواكه والخبز ومنتجات الالبان وما يحتاجه المقاتل في الجبهة وكانت سيارة الحانوت من نوع ايفا كبيرة الحجم تزورنا ثلاث مرات أسبوعيا وتقف في اسفل الوادي خلف السرية ويذهب البعض للتسوق وقد قضينا رمضان بروتين مستمر وقضينا ليالي صيف جميلة وحكايات الجنود الذين هم من خلفيات اجتماعية وقومية ودينية مختلفة تجعلنا نتشوق لحلول الليل وسماع الحكايات والقصص الشعبية .

في العشرة الاواخر من شهر رمضان جاءتنا وجبة جديدة من الجنود الاحتياط مواليد 1957 وقد تم توزيعهم على الفصائل في السرية والذين بدورهم توزعوا على المراصد فكان من نصيب مرصدنا شاب كردي من أهالي كركوك اسمه صباح كان طويل القامة قوي البنية وقد تم اختياره ليكون رامي قاذفة الار بي جي 7 وذلك لضخامته وخبرته في استعمال القاذفة وكان طيب القلب وحساس جدا ومؤدب وقد تعلم بسرعة من بقية الجنود كل ما يتعلق بالعمل والواجبات وكيفية الحركة خلال الليل والنهار وبعد يومين من ذلك اليوم وعند اذان المغرب حدث شيء غريب لم نعهده من قبل اذ لم يقصفنا الإيرانيين في ذلك اليوم فأثار استغرابنا ذلك وكالعادة قبل ربع ساعة من الإفطار نزل الجميع الخنادق ومن له واجب فقد تناول الإفطار في المرصد وكنت في ذلك اليوم في المرصد ومعي ستة مقاتلين من ضمنهم المقاتل الكردي صباح وكان رامي الرشاشة المتوسطة البي كي سي يزيدي اسمه حاجي كان متمرس في القتال وكان يسمع الخطوات لمسافة عدة كيلومترات عندما يضع راسه على الأرض وكان ينافسني في حاسة الشم وكان يوميا يقف في المرصد مثل الصقر ينظر الى الأرض الحرام عندما نجلس جميعا على الأرض لتناول الإفطار حتى ولو لم تكن نوبته في الواجب وكان يصوم معنا في بعض الأحيان وفي ذلك اليوم ما ان بدأنا بتناول الإفطار حتى أصاب المقاتل حاجي الارتباك واخذ يخرج من المرصد ويتكلم مع مجموعة الرشاشة الثقيلة والمدفع فوق ثم يعود الينا مسرعا ينظر الى المرصد وفجأة وبدون سابق انذار طلب منا عدم الاكل والانتظار وعندما سألناه لماذا واليوم ليس هناك أي قصف ونحن في المرصد فقال ان الإيرانيين لم يقصفوننا اليوم عند الإفطار وعلينا ان ننتظرهم فهم قادمون الينا فلم يفهم احد ما يقصده وبعد خمس دقائق من الصراخ والفوضى فهمنا ان ذلك الجندي يتوقع بان سبب عدم القصف هذا اليوم في وقت الإفطار ان الإيرانيين سوف يهجمون علينا ونحن مشغولين في تناول الإفطار فضحك الجميع ورجعنا ناكل وما ان وصلنا الى منتصف الاكل تقريبا حتى سمعنا الجندي اليزيدي يصرخ لقد وصلوا وفتح قنبلة يدوية ورماها من شباك المرصد نحو الوادي ومد راسه ليرى متى ستنفجر ليعرف المسافة بيننا وبين ارض الوادي وبدأ يطق النار من الرشاشة البي كي سي بكثافة وكان المفاجأة بعد ان وقفنا ونظرنا من خلال شباك المرصد الى الأرض الحرام حتى شاهدنا اعداد كبيرة من الإيرانيين يهرولون باتجاهنا عندها خرج من خرج للقتال على الساتر وبقي في المرصد المقاتل اليزيدي ومساعده واثنين من القناصين واما كاكة صباح فقد بقي في المرصد بدون ان يعرف ماذا يفعل وكيف يتصرف لأنه لم يسبق له ان قاتل في الجبهة و كان عددنا في السرية بحدود مئة وثمانين مقاتل موزعين على المراصد والساتر الترابي ومزاغل القتال وجميع تحصيناتنا تحت الأرض ومغلفة بأكياس الرمل حتى جدران المراصد والشبابيك كانت من أكياس الرمل ولدينا كميات كبيرة من الذخائر جاهزة ومخزونة في المراصد وكان مدفع 160 ملم المحمول على سيارة السانتانا الاسبانية ورشاشة الديمتروف في الزاوية اليمنى من السرية في اقصى اليمين فوق مرصدنا وذلك لان مرصدنا كان في اقصى يمين التلة وامامنا ساحة قتال مكشوفة واسعة وعتاد المدفع والرشاشة تم وضعه كذلك في نفس المرصد مع عتادنا , وخلال اقل من خمس دقائق وصلت طلائع الإيرانيين تحتنا بعضهم يركب دراجات نارية ذات العجلات الثلاثة وقد تركوها في الوادي واخذوا يصعدون الينا ونظرا لبعد المسافة اخذ القناصين والرشاشات الثقيلة والمتوسطة والمدفع الرمي لان مدياتهم ثلاثة كيلومترات واكثر وكان لدينا ثلاث هاونات خفيفة اخذت ترمي الى الوادي وبقية المقاتلين يأخذون القنابل اليدوية ويرفعون منها مسمار الأمان ويربطونها يقطع رباط الشاش الطبي يصل طولها الى نصف متر ويرمونها الى الوادي حتى تأخذ وقت لكي يفتح رباط الشاش خلال نزولها وعندما تصل الى الأرض ينفتح الرباط وتنفجر وذلك لأننا لو رميناها من الأعلى فإنها ستنفجر في الطريق قبل الوصول الى الأرض والجنود الإيرانيين على الأرض طبعا , وقد وقف الجميع بانتظار وصول الإيرانيين اما الجنود من حاملي الكلاشنكوف فلم يقومون بالرمي لان مدى الكلاشنكوف القاتل يصل الى 500 متر فقط وكنا جميعا ننظر الى اعداد الإيرانيين التي تتزايد تحتنا في كل دقيقة حتى وصل عددهم الى بحدود الفي مقاتل توزعوا على اطراف التلة للصعود الينا و اصبح منظرهم كالنمل منتشرين في الوديان وبدا المدفع 106 بالرمي عليهم ومع ثالث قذيفة تراجعوا قليلا وانقطع سيلهم واما الرشاش الثقيل فاخذ يرمي كذلك في اتجاه المنتصف والخلف لقطع طريق العودة عليهم ومنع تدفق المزيد منهم وكل من وصل الى اسفل التلة اصبح في مأمن من الرمي لان رمي المدفع والرشاشة الثقيلة مستقيم ولا يصل الى اسفل الوادي , وبالعودة الى مرصدنا الذي كنا نتناول فيه طعام الإفطار حيث الجميع مشغولين بالرمي وتهيئة العتاد ورامي البي كي سي يقوم بتبديل السبطانة كلما انتهى من رمي صندوق ذو 300 اطلاقة حتى لا تنفجر السبطانة نتيجة لارتفاع حرارتها وفي ذلك الجو المشحون فان المقاتل الاحتياط الكردي كاكة صباح الذي شعر بالإحراج لا يعرف ماذا يفعل وفجأة تذكر ان عليه ان يستعمل القاذفة ار بي جي 7 فأخذها ووضع فيها صاروخ مضاد للأفراد ووقف في زاوية المرصد اليسرى البعيدة عن بقية المقاتلين واطلق الصاروخ بشكل شبة عمودي نحو الوادي وما هي لحظات حتى سمعنا هرج ومرج عمت المرصد وخرج الجميع من المرصد وهم يصرخون علينا اهربوا بعيدا اهربوا بعيدا حريق ... حريق ... فلم نفهم لماذا يطلبون منا الهرب وأين الحريق وخلال اقل من دقيقتين خرجت النيران والدخان من كافة اتجاهات المرصد وحدث انفجار هائل في المرصد تبعه اطلاق خمسين قذيفة مدفع 106 دفعة واحدة باتجاه العدو مع صواريخ مختلفة الاحجام انطلقت في جميع الاتجاهات وعمت الفوضى صفوفنا واصبح الفضاء كانه ساحة العاب نارية وسقط جزء من التلة على الإيرانيين من شدة الانفجار وارتفعت سحابة كبيرة من الدخان الأسود والاتربة في السماء وبقي العتاد الخفيف و أنواع الطلقات الصغيرة بالانفجار لمدة عشر دقائق تقريبا وهرب الإيرانيون جميعا وتركوا الكثير من أسلحتهم على الأرض فماذا حصل ؟
المقاتل كاكة صباح عندما اطلق صاروخ الار بي جي من داخل المرصد المليء بالذخائر والمغلف من الداخل بأكياس الرمل قامت هبة النار الخلفية للقاذفة والتي تخرج من خلف القاذفة نتيجة الرمي الى مسافة ستة امتار بإشعاله أكياس الرمل الذي يغلف جدران المرصد والسقف الخشبي وشب حريق في أكياس الرمل بسرعة فائقة وبدأت الذخائر بالانفجار وما ن ارتفعت درجة الحرارة داخل المرصد حتى انطلقت قذائف المدفع 106 المخزنة في المرصد باتجاه الإيرانيين فهربوا معتقدين اننا قوة كبيرة جدا قمنا بالرمي عليهم مرة واحدة والحمد لله فان جميع الصواريخ كانت باتجاه شباك المرصد ولو كانت باتجاهنا لقامت بتدمير ملاجئنا وقتل من في داخل الخنادق وانهيار جزء من التلة الترابية بفعل الانفجار قد دفن تحت عشرات الإيرانيين الذين كانوا تحتها او الذين كانوا يحاولون الصعود الينا وعندما هرب الإيرانيون سادت الفوضى بيننا وما ان فهمنا سبب هروبهم وماذا حدث في المرصد حتى دخل الجميع في موجة من الضحك وقد سقط بعض المقاتلين على الأرض من شدة الضحك فخطأ المقاتل كاكة صباح في الرمي من داخل المرصد المليء بأكياس الخيش والاعتدة والانفجارات الهائلة قد انقذتنا من ذلك الهجوم الذي كان عدد الإيرانيين فيه عشرة اضعافنا تقريبا, وقد بقينا في مناوشات مع بقية القوة الإيرانية عند انسحابها الغير منظم لمدة نصف ساعة تقريبا ابدع فيها الجندي صباح خير ابداع حيث استعمل معظم الأسلحة المتوفرة باحترافيه عالي.
صحيح اننا اخذنا وقتا طويلا في إطفاء الحرائق الناجمة عن ذلك الانفجار وخسرنا كدس العتاد في لحظات ولم نتناول الا القليل من طعام الإفطار الا اننا كنا سعداء جدا في تلك الليلة نتحدث عن تلك الواقعة وقد كان من المقرر ان يتم معاقبة كاكة صباح لأنه قام برمي صاروخ القاذفة من داخل المرصد وادى الى ذلك الحريق لكن امر الفوج عفى عنه واعطاه إجازة أسبوعا كاملا لبسالته في القتال وحمد لله على سلامتنا وكذلك أسبوع إجازة الى المقاتل اليزيدي حاجي لشجاعته وفطنته , وقد كان عيد الفطر ذلك العام عيدا مميزا بعد تجربة معركة الحظ تلك.
بسام شكري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

   

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

604 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع