الصِناعةُ الإعلامِيّةُ والأنظِمَةُ السائِدةُ - الجزء الأول

                                                          

                               د. زكي الجابر

الصِناعةُ الإعلامِيّةُ والأنظِمَةُ السائِدةُ -الجزء الأول

حوار اجراه عبد السلام بنعيسَى

                 إعداد وتعليق د. حياة جاسم محمد

• الأستاذ زكي الجابر، يتحدّثُ الجميع عن كَونِ الوَعيِ الذي تُشكِّلهُ وسائلُ الإعلامِ المكتوبةُ والسمعيَّةُ والبَصَريَّةُ أصبحَ في العَصرِ الحديثِ وَعيَاً جماهيريّاً، بخِلافِ العُصورِ السابقةِ حيثُ كانَ الوَعيُ نُخبَوِيّاً يَنبَني أساساً على قراءةِ الكتاب. نَوَدُّ منكَ أستاذ أن تتفضّلَ بإعطائِنا بعضَ مُواصَفاتِ هذا الوعيِ الجماهيريِّ الذي عَمَّمَتْهُ وسائلُ الإعلام.
- رُبَّما أختلِفُ معكَ اختلافاً جوهرِيّاً في مَسألةِ ما أثَرْتَهُ عن كَونِ وسائلِ الإعلامِ تُعمِّمُ في عصرِنا الحديثِ وَعياً جماهيريّاً. فإذا كانَ صَحيحاً أنَّ الكتابَ قامَ في عُصورٍ سابقةٍ بوظيفةِ التَوعِيَةِ بِحيثُ توسَّعتِ النُخبةُ خارجَ حُدودِها بحُكمِ اتّساعِ دائرةِ القراءةِ والكتابةِ فإنّ الأمرَ اختلفَ مع تَطوُّرِ ’’التكنولوجيا‘‘ وسِيادةِ التوجُّهاتِ الغربيّةِ على الساحةِ الإعلاميّةِ بِحيثُ صارَ من الجائزِ القولُ إنَّ هذه الوسائلَ تُشِيعُ حالِيّاً النقيضَ، أي ما يُعرَفُ في الأدبيّاتِ العِلمِيّةِ بأنّه وَعيٌ مُزَيَّفٌ، بِما يعني إعاقَة َالتطوُّرِ الفرديِّ ودفعَ الأشخاصِ إلى الانصرافِ إلى التفكيرِ مع أنفسِهم لا معَ غيرِهم كما كانَ يقعُ في السابِق.
لقد أصبحتِ الصناعةُ الإعلاميَّةُ تُساعدُ على الطاعةِ والتكيُّفِ معَ الأنظمةِ السائِدةِ وأضحتْ تقومُ بِدورِ المُلِحِّ على تَلبِيَةِ اقتناءاتٍ مُصطَنَعة. وعلى الساحةِ العالميّةِ نتكلَّمُ حالِياً عَمّا يُشبِه السَلبِيَّةَ العالَميَّة اتجاهَ الأحداثِ القائمة وصارتْ ثقافةُ وسائلِ الإعلامِ تَتَماشَى مع المعاييرِ والظروفِ الدولِيَّةِ الراهنةِ بل رُبّما تَحِثُّ على النَمَطِيّةِ وتَقِفُ ضِدّ التَنويرِ، وأصبحتِ ’’الآيديولوجيا‘‘ ليستْ تضليلاً وخِداعاً للناسِ فَقَطْ ولم تَعُدْ تغليفاً للحقائقِ فَحسْبُ بل صارتْ خُطّةً تسعَى إلى تثبيتِ وسائلِ الإعلامِ ضِمنَ إطارِ الأنظمةِ القائمة.
فإذا كانَ هنالكَ وعيٌ تُعمِّمُه هذه الوسائلُ فهو بالتأكيدِ وَعْيٌ مُزَيَّفٌ ومَغلوط، وإذا كانت هنالِكَ حريّةٌ فهي، كما قال ’’هيربرت ماركوزه‘‘ Herbert Marcuse(1)، ’’حُريَّةُ العَبدِ في اختيارِ أسيادِه‘‘، ولَنَا في ما قالَهُ ’’ شون ماكبرايد‘‘ Sean MacBride(2) في تقريرِه الشهيرِ الذي نَشرتْهُ ’’اليونسكو‘‘ أكبرُ دليلٍ في هذا البابِ، إذ قالَ إن هُنالِكَ تَعَدُّداً في المصادِر وتَعَدُّداً في الأقْنِيَةِ التَلفَزِيَّةِ وفي القَنَواتِ الإذاعيّةِ ولكِنَّ تَعدُّدَ المصادِرِ لا يَعنيِ بالضرورةِ تَعدُّدَاً في الآراء.
• إذَنْ، الحديثُ عن دَورِ وسائلِ الإعلامِ في نَشرِ التَوعِيَةِ حديثٌ في غيرِ مَحَلِّه ولا يَعكسُ الحقيقةَ كما يحياها الناس؟
- بالتأكيدِ، فَلِكَيْ تكونَ وسائلُ الإعلامِ أدواتٍ للتَوعِيةِ ينبغي أن تَنتَقِلَ من تَمثيلِ النُخْبَةِ إلى تَمثيلِ الجَماعةِ، ومن الحديثِ عن الأقليّةِ لتَرويجِ فِكرِها وطَبعِها ورُؤيتِها للوجودِ إلَى الحديثِ عن الأغلبيّةِ الاجتماعيّةِ، وعِوَضَ أن يَنتَظرَ الأفرادُ أنْ تُقدَّم لهمُ الأخبارُ والمَعلوماتُ يَجبُ أن يتمتّعوا بِحقِّهم في الاتّصال، فَتَوعِيَةُ الأفرادِ والجَماعاتِ لا تَتَأتَّى بالدعوةِ إلَى تَقَبُّلِ وقائعِ الحياةِ كما هِيَ، وبالرِضَى بالواقعِ المَعيشِ كما هُو. التَوعِيَةُ هي التفكيرُ الدائمُ والتساؤُلُ المُستَمِرُّ والسَعيِ الدَؤُوب لِتَغييرِ ما هو قائمٌ بما هو أفضلُ وأحسنُ منه.
إنَّ الثقافَة العالَمِيَّةَ التي يَسودُها الطابعُ الغربيُّ تَنْبَنِي في جُزءٍ هامٍّ منها علَى الدعايةِ وعلى البلاغَةِ السياسيّةِ في تحريرِ الخَبَرِ والإعلانِ عنه. ولقد انتَهَيْنا في ظِلِّ ما يُعرفُ بالنِظامِ العالَمِيِّ الجديدِ إلى الإقرارِ، بالقَولِ وبالتَسليمِ، بأنَّما هو كائنٌ هو الصحيحُ مَهما كان ظالِماً وطاغِياً ومَرفُوضاً، وصارتِ الثقافةُ التي تُشاعُ الآنَ هيَ ثقافةُ القُوَّةِ المادِّيَّةِ المُسيطِرَةِ علَى العالَم. فبإمكاني الالتقاءُ معكَ حولَ مسألةِ دَورِ الإعلامِ في التَوعيِة ولكنْ إذا كانتْ أدواتُه ووَسائلُهُ بين أيدِي الأغلبيةِ الاجتماعيّةِ، غيرَ أنَّ الواقعَ الحالِيَّ ليسَ كذلكَ، فوسائلُ الإعلامِ، بِحُكمِ كَونِها مُؤسَّساتٍ ضخمةً وواسعةً وتحتاجُ إلى تَمويلٍ، انطلقت و’’تحرَّرتْ‘‘ من أيْدِي الأغلبيةِ الاجتماعيّةِ واستقرَّتْ في أحضانِ أقلِّيَّةٍ في يدِها المالُ وقُوَى الإنتاجِ، ولذلكَ صِرْنا في وضعٍ يسودُ فيه الوعيُ المُزيَّفُ أكثرَ مِنَ الوعيِ الحقيقيِّ المتمثِّلِ في وَعْيِ الجماهيرِ لِمصالِحِها الحقيقيّة.
• عندما نتحدثُ عن وسائلِ الإعلامِ الغربيّةِ ونَصِفُها بأنّها دجَّنتْ وعيَ الإنسانِ وزَيَّفَتْهُ ومَنَحَتْهُ حُريَّةَ العبدِ في اختيارِ أسيادِهِ، رُبّما القائمونَ على هذه الوسائلِ قد يرفُضونَ قولَنا هذا بَدَعوَى أنّ المُؤسّساتِ الّتي في يدِها وسائل الإعلامِ هي مُؤسّساتٌ مُتنوِّعةٌ ومختلفَةُ المشاربِ والمذاهِب. وبالتالي هُنالِكَ إمكانيّةٌ كبيرةٌ لدى الفردِ لِكَيْ يَستَقبلَ خطاباتٍ متعدِّدَةً ويميِّزَ فيما بَينَها لِيختارَ ما يَنسجِمُ مع مواقِعهِ وقَناعاتِه؟
- سأعودُ إلى الاختلافِ معكَ حولَ الأمرِ، ولْنأخُذْ أمثِلةً مُعَيَّنةً على صَعيدِ الواقعِ حتَّى تَتَّضِحَ لنا الرُؤيةُ ونتمكَّنَ من تحديدِ ما نَعنيهِ بكلامِنا، ولْنأخُذْ الولاياتِ المتّحِدةَ الأمريكيَّةَ كمِثالٍ، ولْنأخُذْ صِناعَة الأخبارِ أو المُسَلسَلاتِ لِنُقارِنَ فيما بينها. ما هي الفَوارقُ التي يُمكنُ أن تَتميَّزَ بِها نشرةُ أخبارِ CBS عن نشرةِ أخبارِ CNN، وما هي الفوارقُ الجذريّةُ التي تَجِدُها خارجَ الولاياتِ المتحّدةِ بين نَشَراتِ أخبارٍ تُقَدِّمُها صوتُ أمرِيكا أو تقدِّمُها إذاعةُ لندن. بالتأكيدِ قد نعثَرُ على فوارقَ رُبَّما في الصياغِة وأحياناً في السُرعةِ التي تُقدِّمُ بها كلُّ محطّةٍ نشراتِها الأخباريّةَ لكنَّ التَوَجُّهَ العامَّ ومُحتَوَى هذه الأخبارِ وهذه المسلسلاتِ يبقَى واحداً لا يتضمَّنُ أيّةَ فَوارِقَ أو اختلافاتٍ جذريّة.
وأنا أُشَبِّه نشراتِ الأخبارِ والمسلسلاتِ في المحطّاتِ التَلفَزِيَّةِ الغَربيَّةِ بمَعجونِ الأسنانِ، فالمُواطِنُ الذي يذهبُ إلى سوقٍ ممتازٍ Super Market ويَجِدُ ألواناً من مَعجونِ الأسنانِ تَكادُ تَقرُبُ من 10 أو 12، وعلَيها مُختلِفُ التسمِياتِ ولكنْ في الحقيقةِ مادَّتُها واحدةٌ، كذلك الأمرُ بالنسبةِ للأخبارِ وللمُسلسَلات في الغربِ، فأنا لا أستطيعُ أن أقولَ إنَّ هُنالكَ فوارقَ جذريَّةً بين المُسلسَلِ الذي يُنتَجُ في ’’هوليوود‘‘ Hollywood والذي يُنتَجُ خارجَها داخلَ الولاياتِ المتحدَّةِ وذلك من حيثُ التَوجُّهُ العام.
فَحِينما يظهرُ ’’رامبو I‘‘ ’’ورامبو II‘‘، ثم ’’رامبو III‘‘(3)، في الواقعِ وفي المضمونِ لا فرقَ بينَ الأوّلِ ولا الثانِي ولا الثالثِ، والفرقُ في بَعضِ الشَكليّاتِ، كذلكَ الأمرُ بالنسبةِ ’’لجيمس بوند‘‘(4). فَفِي سلسلةِ أفلامهِ كانتِ الموضوعاتُ تكادُ تكونُ واحدةً، ولكنّها تتنوّعُ وتختلفُ علَى مُستَوى الشَكلِ. ونَفسُ الأمرِ نجدُه بالنسبةِ للمُسلسلاتِ الطويلةِ، فموضوعاتُها واحدةٌ وحتَّى تِقنِياتُها مُتقاربةٌ ولكنّها تُقَدَّمُ للجُمهورِ بعناوينَ مختلفةٍ، ولذلكَ لا أعتقدُ شخصيّاً أنَّ هنالكَ فوارقَ جذريَّةً بينَها. فموضوعُ الاختيارِ يَعنِي أنَّ الأفكارَ المُتبايِنَة تُطرَحُ في سُوقٍ حرّةٍ، والمُواطنُ يُوازِنُ بينَ هذه الآراءِ ويختارُ مِنها ما يلائمهُ بدونِ ضَغطٍ ولا إكراه. أمّا ما هو موجودٌ فَهَو ليسَ اختِياراً سِوىَ على مُستَوى الشكلِ، أمّا المضمونُ فلا علاقةَ لهُ بالاختيارِ.
• إذا كانَ المضمونُ الذي يَصلُ عَبرَ وسائلِ الإعلامِ الغربيّةِ الضَخمةِ واحِداً ولكنّه يُقَدَّمُ للجمهورِ من محطّاتٍ إعلاميّةٍ مختلفةٍ فهذا يَعني أن هنالكَ إلحاحاً من عدَّةِ قنَواتٍ لإيصالِ أو لِفرضِ مَضمونٍ واحدٍ للجُمهورِ؟
- أتَّفِقُ معكَ تماماً حولَ هذا الأمر، غيرَ أنّني لا أذهبُ إلى القَولِ بأنَّ هذهِ خطةٌ مُبَيَّتَةٌ واجتمعتْ كلُّ المؤسساتِ الإعلاميّةِ الغربيَّةِ واتفقتْ عليها. أنا لا أقولُ هذا ولكنَّ الذي أؤكِّدُ عليهِ هو أنَّ الفكرةَ الأساسيّةَ الساكِنةَ في عُقولِ هذه المُؤسّساتِ هي واحدة، وبالتالي فالإنتاجُ المُقَدَّمُ من طَرَفِها مَهما اختلفتْ أزياؤُه فهو سيظلُّ في هيئَةٍ واحدة. وإذا أرَدْنا تشبيهَ وسائلِ الإعلامِ بفريقٍ لكرةِ القَدمِ فإنّنا سنقولُ إنَّ كلَّ لاعبٍ من الفريقِ يلعبُ في الزاويةِ المُخَصَّصَةِ لهُ ولكنَّ اللاعِبينَ جميعاً يَسعَوْنَ إلى هَدَفٍ واحدٍ ألَا وهو التَسجيلُ. وبالنسبةِ لوسائلِ الإعلامِ، ألهدفُ هو السيطرةُ على عَقليّةِ المُواطِن ومُيولِه واتجاهاتِه.
• بالتأكيد، يكونُ لِأداءِ الإعلامِ الغربيِّ حينَما يتوجَّهُ إلى بقيّةِ العالَمِ هذا الطابَعُ وهذا الإيقاعُ المُؤذِي، ولكنْ بالنسبة لأوضاعِهم الداخليَّةِ فالأمرُ يختلفُ بعضَ الشئِ، فهمْ قد يرفُضونَ اتهاماتِنا ويعتبرونَ أنَّ إعلامَهُم يتمتَّعُ بعافِيتِه وبدَورِه الإيجابيِّ في المُجتمعِ بدليلِ تمكُّنِه
مَثلَاً من إثارةِ فضيحةِ ’’واترغيت‘‘ Watergate(4) وإسقاطِ الرئيسِ ’’نيكسون‘‘
Richard Nixon(5) وإزاحتِه من دَفَّةِ الحُكم؟
- هذا موضوعٌ خطيرٌ، والغربُ دائماً يتحدّثُ عنه باعتِبارِهِ من أهمِّ مُنجَزاتِه. ففي الولاياتِ المتّحدةِ تُثارُ باستمرارٍ مثلُ هذهِ القضايا التي كَشَفَ النِقابَ عنها الإعلامُ وتُقَدَّم كَدليلٍ على صحّتِهِ وسلامتِه، وأيضاً في بريطانيا تَتحدّثُ حالياً صحافة ’’التابلويد‘‘ tabloid عن الأميرة ’’ديانا‘‘ والأمير ’’تشارلز‘‘ ومشاكلِ الأسرةِ المَلَكيَّةِ هناك. وفي فَرنسا أيضاً تقعُ أشياءٌ من هذا القبيلِ بِحيثُ تُوقِعُ الصحافةُ أحياناً ببعضِ الأفرادِ من عَلِيَّةِ القومِ، ويُقَدَّمُ الأمرُ على أنّه أكبرُ شاهدٍ على قُوّةِ الإعلامِ في الغربِ، ولكنَّ السؤالَ الذي لا يُطرَحُ باستمرارٍ هو المُتعلِّقُ بالطريقةِ التي يَتِمُّ بها عرضُ الفضائحِ والممارساتِ غير القانونيّةِ لكبارِ المسؤولينَ الذين يَضبِطُهم الإعلامُ في مخالفاتِهم. فالطريقةُ التي يتِمُّ بها تقديمُ تصرُّفاتِهم إلى الجُمهورِ تَقترِبُ من العملِ الاستعراضيِّ أو التَمَشْهُدِ قبلَ أن تكونَ عملاً إعلاميّاً يجبُ أن يَبحَثَ عن الأسبابِ الجذريَّةِ التي أفرزتْ مثلَ تلكَ التصرفات. فوسائلُ الإعلامِ الأمريكيّةُ لم تَطْرَحْ، مثلاً على هامشِ فضيحةِ ’’ووترغيت‘‘، التساؤلَ حولَ الدوافعِ الحقيقيّةِ والعواملِ الفِكريّةِ والأسبابِ القانونيّةِ والاجتماعيَّةِ الكامنةِ وراء قيامِ رئيسِ دولةٍ بالتلصُّص على أعضاءِ الحزبِ المُنافس. فَمِثلُ هذه التساؤلاتِ لا تُطرحُ لِيفَكِّرَ فيها جميعُ الأمريكيين، والذي يَبرُزُ ويفرضُ نفسَهُ عليهم هو كيفَ استطاعَتِ الصحافةُ الوصولَ إلى هذا الخبرِ، وكيف تمكنّتْ من التسجيلِ، وكيف نَجحَتْ في تَحليلِ المُعطَياتِ إلى أنْ تورَّطَ كبارُ المسؤولين في إدارةِ ’’نيكسون‘‘، ثم تأتي لحظةُ المحاكمةِ التي تستمرُّ لِمُدَّةٍ طويلةٍ ممّا يُحوِّلُ كلَّ المشهدِ السياسيِّ إلى مسرحيّةٍ، إلى دراما يُتابِعُها العالَمُ بأسرِه ولكنْ من غيرِ الغوصِ في التفاصيلِ.
وما وقعَ لـ’’نيكسون‘‘، ها هو نظيرُه يُشاعُ الآنَ عن الرئيسِ الحالي ’’بيل كلينتون‘‘ وعن الفضائحِ التي كانتْ له عندما كان سيناتوراً. فكَما قلتُ، الأمرُ يأخذُ في النهايةِ طابَعاً مَسرَحِيّاً يُعرَضُ بشكلٍ فيه الفُرجةُ على الأفرادِ، ثم يتعوَّدونَ عليهِ ويأنَسُونَ إليه، يَصيرُ جزءاً من حَياتِهم اليوميّة. وهذا الواقعُ لا يَعيشُهُ فقط الغربيّونَ بل أيضاً جميعُ سُكّانِ العالَمِ، فحاليّاً عندما تُعرَضُ المآسي، سواءٌ في الصومالِ أو البوسنة والهرسك أو في فلسطين، لا تُعرَضُ على أساسِ أنَّها قضايا جماعيّةٌ لِشعوبٍ تُنتَهَكُ حُقوقُها وتُداسُ على مرأىً ومَسْمَعٍ من العالَمِ، ولكنَّها تُعرَضُ على أساسِ أحداثٍ تقعُ لحالاتٍ فرديّةٍ، ويتمثَّلُ فيها العملُ الدراميُّ في كاملِ مقوِّماتِه.
• هل يعني هذا أنَّ وسائلَ الإعلامِ الغَربيَّةَ تكتَفيِ بانتقادِ الأعراضِ ولا تتوجَّهُ إلى الجَوهِر، إلى النظامِ السائِدِ الذي هو القاعِدةُ والأساسُ لإفرازِ مثلِ تلك الظواهرِ لكي تَضَعَهُ موضعَ شكّ وتَساؤُل؟
- الأمرُ لا يتعلَّقُ فقط بالنظامِ، فما دامتْ هناكَ نَواحٍ إقليميَّةٌ وقُطريَّةٌ، وما دامتْ هناكَ تَمايُزاتٌ، وما دامتِ الشعوبُ مختلفةً في توجُّهاتِها فإنّهُ من العادي أن يكونَ هناكَ اختلافٌ في الأنظمةِ أيضاً، ولا يَنبغي أن نقولَ بأنَّهُ يجبُ أن يسودَ العالمَ نظامٌ مُعيّنٌ خُصوصاً في الظروفِ الدوليّةِ الراهنِة. غيرَ أنَّ المُشكِلَ مع وسائِل الإعلامِ الغربيّةِ يتحدّدُ في كَونِها لا تذهبُ إلى جوهرِ القضايا المطروحَةِ للنقاش، فإذا كان لكلِّ قضيّةٍ جوهرُها فإنّ من خصائصِ الإعلامِ الغربيِّ هو كونُه لا يمسُّ جوهرَ المُشكلةِ وإنّما يتطرَّقُ إلى أعراضِها ويعملُ على إبرازِها بشكلٍ دراميٍّ، وفيه العَرْضُ والإثارةُ والشُذوذ.
فمثلاً قضيّةُ العُنفِ المُتصاعِد في الولاياتِ المتّحدةِ بحيثُ حوادثُ القتلِ والاغتصابِ والجريمةِ تتردّدُ يومِيّاً في الشوارعِ الأمريكيّةِ والأوروبيّةِ، وربّما سيصلُ الأمرُ إلى مُدُنِ العالمِ الثالث. هذه القضيّةُ لا تُبحَثُ في جوهرِها مِن طَرَفِ الإعلامِ الغربيِّ، قد تُناقَشُ في الأكاديميّاتِ أو الجامعاتِ، ولكنّ وسائلَ الإعلامِ لا تفصِّلُ الحديثَ في أسبابِها العميقة. وقد حدث مِراراً أنْ قرأنا في الصُحفِ أو شاهَدْنا في التلفَزاتِ أنّ فلاناً اختَطف طائرة، لقد شاهَدْنا مشاهدَ تَحكِي عن أحداثٍ من هذا النوعِ، ولكنّ الدوافعَ الحقيقيّةَ التي أدّتْ بهذا الشخصِ إلى اختِطافِ الطائرةِ لا يَتمُّ الغوصُ فيها ولا تُعرَضُ على الجمهورِ، وتبقَى الحادثةُ حادثةً فرديّةً لا أقلَّ ولا أكثر.
• وفي ظِلِّ هذا الوضع، هل ما زال الفردُ يتمتّعُ بحريّتِه وبإمكانِه أن يعيشَ في مَأمَنٍ من تأثيرِ وسائلِ الإعلامِ، أم أنَّ حريَّتَه أصبحتْ في يد تلك الوسائلِ توجّهُها كما تشاء؟
- حينَما نتحدّثُ عن حريّةِ الفردِ مع تطوُّرِ وسائلِ الإعلامِ لا ينبغي أن نَحصرَ حديثَنا فقط في التطوُّر الذي عرفتْه التكنولوجيا الحديثةُ مِمّا أدى إلى انتشارِ الأقمارِ الاصطناعيّةِ والكاميراتِ والڤيديو وأدواتِ التسجيلِ، هذه الأدواتُ التي يصعُبُ علَى أيِّ فردٍ أن ينجُوَ من تأثيرِها ومِن رقابتِها خصوصاً إذا كان شخصاً له تطَلُّعاتٌ معارِضةٌ ويَسعَى إلى الاستقلالِ بِفكرِه عَمّا هو مفروضٌ على المجتمعِ، فهذه الرقابةُ المُباشِرَةُ أو غيرُ المباشِرةِ على الفَردِ صارتْ أمراً هَيِّناً، ذلك أنّه مُهدَّدٌ في حريّتِه حتَّى في أبسطِ الأمور.
فمثلاً، أنتَ في بيتِك مُستلقٍ في وضعيةِ استرخاءٍ فوقَ فراشِكَ، فُجأةً يمرُّ شخصٌ ويُلقي لكَ من تحتِ بابِكَ بإعلانٍ دعائيٍّ لا غَرضَ لكَ بِه، فهنا نكونُ أمامَ تدخُّلٍ في حُريَّتِكَ الشخصيّة. ومثلاً، أنتَ على سفَرٍ في الحافِلَةِ أو القطارِ تفكّرُ في الرحلةِ التي أنتَ بصَدَدِها، وعلى حِينِ غَرَّةٍ، ومن غيرِ أيَّةِ مُقدِّماتٍ، تَبدأُ المَنشوراتُ السياسيّةُ أو الاجتماعيّةُ أو غيرُها في التَقاطرِ عليكَ، ففي هذهِ الحالةِ إنّما هي تُفرضُ عليكَ تقريباً بما يُشابهُ القوّة.
بالإضافةِ إلى مثلِ هذه الأشياءِ هُنالكَ أمرٌ في غايةِ الأهميّةِ ألا وهو كَونُ وسائلِ الإعلامِ، بِحُكمِ اتّساعِها وجماهيريّتِها، أصبَحتْ مفروضةً ولا أحدَ يُمكنهُ أن يَسْلَمَ من تأثيرِها. فالإنسانُ، في بيتِهِ أو في الحافِلة أو في التاكسي، لا يُمكنُه أن ينجوَ منَ الاستماعِ إلى المِذياعِ، فَسائِقُ التاكسي قد يُشغِّلُه ويفرضُ على الإنسانِ الإنصاتَ إليهِ حتّى وإن كانَ يَرفُضُ ذلك. وفي البيتِ أيضاً قد تقومُ البِنتُ أو الابنُ أو الزوجةُ بتشغيلِ جهازِ الراديو ومِنْ ثُمَّ عليكَ بالإنصاتِ إليه قَسْراً.
• وحتَّى الإعلاناتُ أيضاً، فهي مفروضةٌ على الإنسان؟
- بالطبعِ، هيَ أيضاً مفروضةٌ على الجُمهورِ، فعِندَما يمرُّ الفردُ في الشارعِ ويقرأُ إعلاناتِ الـ’’بيبسي كولا‘‘ أو الـ’’كوكا كولا‘‘ التي تَملأُ حِيطانَ الشوارعِ، فهو يَقرؤُها لأنّها أمامَ ناظِره أينَما اتَّجه، وبالتالي هي مفروضةٌ عليه سَواءٌ أرادَ ذلكَ أم لم يُرِدْهُ. ففي عصرِنا الراهنِ ليسَ للمرءِ خِيارٌ في هذا البابِ، فقديماً كانَ الإنسانُ عندما يسيرُ في الطريقِ لا تُصادفُه الإعلاناتُ، أما حاليّاً ففي ذهابِهِ من مَنزِله إلى الدُّكانِ لقضاءِ مآربِهِ تُصادفُه الإعلاناتُ التي، عن طريقِ تَكرارِها وإلحاحِها، قد تَسلِبُ منه إرادتَهُ الشخصيَّةَ واختياراتِه الأصليّة.
فعندما يكونُ الإنسانُ مثلاً في حالةِ عطشٍ ويريدُ أن يروِيَ عطشَه، فهو بِمُجرَّدِ ما يقفُ أمامَ بابِ الدُكّانِ تَرِدُ إلى ذهنِه صورةُ المشروبِ الذي رآه في الإعلانِ فيطلبُه حتَّى من دونِ تفكيرٍ، فَهُنا حريَّتُه قد سُلِبَتْ منهُ، وانتزعَتْها الدعايةُ منه. أما إذا انتقلْنا إلى مُستَوىً أكبرَ من هذا وهو المتجسِّدُ مثلاً في كتابات ’’ألدوس هكسلي‘‘ Aldous Huxley(6) و’’جورج أورويل‘‘ George Orwell(7)، في روايتِه الشهيرةِ ’’1984‘‘ والتي يتحدَّثُ فيها عن كلِّ التفاصيلِ والأشياءِ الحميميَّةِ للأفرادِ والتي ستُصبِحُ مُشاعةً ومعروفةً لأنها مُراقَبَةٌ ومضبوطةٌ، إذا انتقلْنا إلى هذا المستَوى لا شكّ أنّهُ سيتبيّنُ لنا إلى أيِّ مدىً تتقلّصُ حريّةُ الإنسانِ مع تطوُّرِ تكنولوجيا الاتصال.
***************************
1- ’’هيربرت ماركوزه‘‘ Herbert Marcuse، 1898-1979، فيلسوف وعالم اجتماع ومنظّر سياسي وأستاذ جامعي ألماني أمريكي من مدرسة ’’فرانكفورت‘‘ النقدية. يعتبر الأب الروحي لليسار الجديد، أهم كتبه ’’الحضارة والرغبة‘‘ (1955)، ’’الماركسية السوڤياتية‘‘ (1958)، ’’الإنسان ذو البعد الواحد‘‘ (1964).
2- ’’شون ماكبرايد‘‘ Sean MacBride، 1904-1988. سياسي إيرلندي ووزير خارجيتها، مشارك في منظمات عالمية، حصل على ’’نوبل‘‘ للسلام عام 1974.
3- رامبو Rambo، سلسلة من أفلام الحركة، صدر منها ’’الدم الأول‘‘ (1982)، ’’الدم الأول II‘‘ (1985)، ’’رامبو III‘‘ (1988) و ’’رامبو الدم الأخير IV‘‘ (2008). تدور حول ’’جون رامبو‘‘، الجندي في الجيش الأمريكي، يمثله ’’سيلڤيستير ستالون‘‘ Sylvester Stallone، الذي صدمته تجربة ’’ڤييتنام‘‘ لكنها أكسبَتْهُ مهارات عسكرية استخدمها في محاربة ضباط الشرطة الفاسدين وعصابات المخدرات.
4- ’’ووترغيت‘‘ Watergate أكبر فضيحة في تأريخ الولايات المتحدة، حيث قرّر الرئيس ’’نيكسون‘‘ Nixon خلال معركته الانتخابية عام 1972 أن يضع أجهزة تجسس في مقر الحزب الديمقراطي المنافس، وأدّت الأزمة إلى استقالة ’’نيكسون‘‘ في 1974، وتمَّت محاكمته بسبب الفضيحة، لكنّ الرئيس اللاحق ’’جيرالد فورد‘‘ أصدر عفواً عنه في أيلول 1974.
5- ’’نيكسون‘‘ Richard Nixon، 1913-1994، رئيس الولايات المتحدة السابع والثلاثون من 1969 إلى 1974.
6- ’’ألدوس هكسلي‘‘ Aldous Huxley، 1894-1963، كاتب إنگليزي كتب الروايات والقصص القصيرة. أقام في ’’لوس أنجلوس‘‘، ’’كاليفورنيا‘‘، منذ 1937. أشهر أعماله ’’عالَمٌ جديد شجاع‘‘ Brave New World. مُعادٍ للحروب ومهتم بالقضايا الإنسانية.
7- ’’جورج أورويل‘‘ George Orwell الاسم المستعار والذي اشتهر به، واسمه الحقيقي ’’أيريك آرثر بلير‘‘ Eric Arthur Blair، 1903-1950. صحفي وروائي بريطاني، تتميز أعماله بالوضوح والذكاء والحس الفكاهي وتحذير من غياب العدالة الاجتماعية، ومعارضة الحكم الشمولي والإيمان بالاشتراكية الديمقراطية. أشهر أعماله رواية ’’1984‘‘ (1949)
و ’’مزرعة الحيوانات‘‘ Animal Farm (1949).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في صحيفة ’’الاتحاد الاشتراكي‘‘ (المَغرب)، 3-1-1994.

   

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

382 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع