اللَحَظاتُ الفاصِلة

                                                

                           د. زكي الجابر

اللَحَظاتُ الفاصِلة

                  إعداد وتعليق د. حياة جاسم محمد

ثَمَّةَ أسماءٌ عِدَّةٌ كانتْ مُرَشَّحَةً لِنَيلِ جائزةِ ’’نوبل‘‘ للآداب 1997، وكان مِن بينِ تلكَ الأسماءِ المُغَنّي الشاعرُ ’’بوب ديلان‘‘ Bob Dylan(1). لقد كتبَ عنهُ أُستاذٌ جامعيٌّ قائلاً: ’’إنَّ أشعارَ وكلماتِ هذا الشاعرِ المُغَنّي قد غيَّرتْ تاريخَ العالَم. لقد تمكَّنَ من خَلْقِ عَلاقاتٍ حَميمةٍ بينَ الكلمةِ واللَحنِ، وبِنَوعٍ جديد‘‘. ولم تأخُذِ الأكاديميَّةُ الملكيَّةُ السويديَّةُ في استوكهولم بذلكَ، بلْ قرّرتْ مَنحَ الجائزةِ للكاتبِ المسرحيِّ والممثِّل الإيطاليِّ ’’داريو فو‘‘ Dario Fo(2) الذي وصَفتْهُ بأنّهُ مُهرِّجٌ بالمعنَى الحقيقيِّ للكلمةِ عَبرَ خَلْقِه الضَحِكَ والرصانَةَ كَشْفاً لِما في الحياةِ الاجتماعيّةِ من مَفاسدَ ومَظالِمَ وعيوب.
أقولُ كلَّ ذلكَ من أجلِ أن أقِفَ معكَ عندَ ’’تغيير العالم‘‘ الذي أحدَثتْهُ أشعارُ وكَلِماتُ ’’ديلان‘‘ على حَدِّ ما ذَهَب إليه ذلك الأستاذُ الجامعيُّ. إنَّ حديثَ هذا الأستاذِ يَتناغَمُ ويتواءَمُ مع نَبرةٍ تتردَّدُ عَبْرَ أجهزةِ الإعلامِ حينَ تصفُ حَدَثاً من الأحداثِ بأنَّهُ لحظةٌ فاصلةٌ في سَيرورَةِ تاريخِ العالَمِ، لحظةٌ فاصِلةٌ مُمَيِّزةٌ لِحِقبَةٍ من الزمنِ، فلا نَذكرُ تلكَ الحقبةَ إلّا مقترنةً بالحَدَثِ الفاصِلِ. ولم أجدْ بُدّاً من مُراجعةِ نَفسي، فنظرتُ هنا وهناكَ لعلِّي أرى كيفَ تغيَّر العالَمُ متأثِّراً بأشعارِ وكلماتِ ’’ديلان‘‘، فلم يسعفني النَظرُ داخليّاً وخارجيّاً بأيِّ دليل. إنَّ سَيرورَةَ التاريخِ أكبرُ من أنْ يُغيِّرَها نِتاجُ ذلكَ الشاعرِ المُغنّي، وهي أكبرُ كذلكَ من أن تُغَيِّرَها تلكَ الأحداثُ العابرةُ التي تتسلَّطُ عليها ’’الكاميراتُ‘‘ ويلتفُّ الناسُ حولَ شاشاتِ التلفزةِ وأخبارِ الصحافةِ للتعرُّفِ على ما تَنقُلُه عنها.
في ’’وول ستريت جورنال‘‘ Wall Street Journal تحدَّثَ ’’پاسكال زاكاري‘‘ Gregg Pascal Zachary(3) عن بعضٍ من هذهِ اللحظاتِ الفاصلةِ، ومن الأمثلةِ التي ذكرَها المصرعُ المفاجئُ للأميرة ’’ديانا‘‘ Diana(4) وحربُ الخليجِ ومحاكمةُ ’’أو. جي. سيمپسون‘‘ O.J. Simpson(5) وتفجيرُ المبنَى الحكوميِّ في أوكلاهوما وإعلانُ لاعبِ كرة السلّةِ المعروفُ بـ ’’ماجيك جونسون‘‘ Magic Johnson(6) عن إصابتِه بالإيدز وفوز الجمهوريّين بمقاعدِ ’’الكونگرس‘‘ Congress(7) الأمريكي عامَ 1994. وتعليقاً على كلِّ تلك الأحداثِ الفاصلةِ يقولُ عميدُ مدرسةِ الصحافةِ في جامعةِ ’’كولومبيا‘‘ في نيويورك بأنّنا إذا ما واكَبْنا هذه الوتيرةَ فإنّنا سنَرى المزيدَ من هذهِ الأحداثِ الفاصلةِ قبلَ أن يُشرفَ هذا القرنُ على الانتهاءِ. ولهذا، قد يكون صائباً من يقول بِنُدرَةِ الأحداثِ الفاصلةِ المُمَيَّزَةِ في تاريخِ العالَم. أمّا هذه الأحداثُ الملوّنةُ بالبَهرجةِ والزَخرفةِ والأضواءِ الساطعةِ فإنّها غيرُ قادرةٍ على أن تجعلَ التاريخَ يُغيِّرُ مَجراه، وليس صعباً مناقشةُ مَن يذهبُ إلى خطورةِ تلكَ الأحداثِ، فلو اختبرتَ أمرها لوجدتَها حصَىً تبهرُ النظرَ ولكنَّها لن تَعيقَ المَسار. إنَّ كلَّ ما يُمكنُ القولُ عن أثرِ تلك الأحداثِ هو أنّنا نستطيعُ من خلالِ تَفاعُلاتِها أن نُمَيِّزَ قِيَمَنا وصُنوفَ انشغالاتِنا، وكذا ردودَ أفعالِنا في عصرٍ تقلّصَتْ فيه المسافاتُ وتقلّصَتْ أسعارُ تَكلِفَةِ نقلِ الخبرِ والصُورةِ، وتنافسَ المُخرجونَ في التصوير والتأثير. وإذا كان مَطلعُ الثمانيناتِ قد سجَّلَ مبلغاً يناهزُ ثلاثةَ آلافِ دولارٍ ثمناً لكل 15 دقيقةً عَبْرَ الأقمارِ الصناعيّةِ فإنَّ المحطَّةَ التلفزيَّةَ قد أصبحتْ تدفعُ ما يُساوي ذلك المبلغَ لِتَحصَلَ على ما يَقرُبُ من ساعتينِ من النقلِ الفَضائيّ.
إن التأريخَ عمليّةٌ مستمرّةٌ قد تُعَجِّلُ بِسَيرِها بعضُ الأحداثِ ولكنْ لنْ تغيِّرَ مسارَها. أمّا مَكَمُن الصعوبةِ فيتمثَّلُ في التعرُّفِ على أيٍّ من الأحداثِ سيكونُ عابِراً وأيٍّ يُعَجِّلُ قليلاً في المَسارِ، وأيٍّ يُغيِّرُه. إنّ مُرورَ الزمنِ قد يكونُ كفيلاً بذاكَ، ولكنّ المسؤوليّةَ الاجتماعيّةَ والنزاهةَ الفِكريَّة ُتَحتِّمانِ تَبْصِرَةَ المواطِن بِحُمولاتِ الحَدثِ ومدَى عُمقِه، ذلكَ لأنَّ الأضواءَ الساطِعةَ
قد تُعمِي البَصَر والبَصِيرة. إنّ أحداثاً مثلَ غَزْوِ اليابانيّينَ لميناء ’’پرل هاربر‘‘
Pearl Harbor(8) واندفاعِ الولاياتِ المتّحدةِ الأمريكيّةِ إلى مَيادينِ القتالِ، واستخدامِ القُنبلةِ الذريّةِ وسيلةً لإنهاءِ الحربِ، وتَفَتُّتِ الاتّحادِ السوڤياتيِّ لا يُمكنُ أن تتساوَى في عُمقِ
تأثيراتِها مع انتحارِ ’’مارلين مونرو‘‘ Marilyn Monroe(9) وزواجِ ’’جاكلين كينيدي‘‘
Jacqueline Kennedy(10) من ’’ارسطو أوناسيس‘‘ Aristotle Onassis(11).
وفي تاريخِنا العربيِّ، ضلّلتِ الدعايةُ العربيّةُ العربَ من خلالِ وَصفِها لبعضِ الأحداثِ العابرةِ بالفاصِلةِ بَلْ والحاسِمة، وكان أنْ زالتْ تلك الأحداثُ تدريجيّاً من الذاكرةِ وانطفأ لَمَعانُها تحتَ غُبارِ الأحداثِ المستَجِدّة! وما أكثرَ البطولاتِ والأمجادِ والمَعاركِ والإنجازاتِ التي عزفتْ على أوتارِها الدعايةُ العربيّةُ فخدعتِ الناسَ بل وخدعتْ نفسَها أحياناً. وقد آنَ الأوانُ للمراجعةِ والتبصُّرِ، والعَصرُ عصرُ الضَوءِ والاتّصالاتِ السريعةِ والتَنافُسِ من أجلِ الاستشارةِ وشدِّ الانتباهِ تحتَ تأثيراتِ حُمَّى الإعلانِ وحَماسِ ’’الإيديولوجيا‘‘. إنّ الناسَ قد تكونُ مشغوفةً بالأخبارِ السيّئةِ، بالعَواصِفِ والظُلَمةِ، وبالآلامِ والمَهالِكِ، وقد يُبرِّرُ هذا الشغفُ تضخيمَ الأحداثِ وإضفاءَ صِفةِ الخطرِ على ما هو تافِهُ، والفاصِلِ على ما هو مُتَجاوَزُ، والمميَّزُ على ما لا يَترُكُ من الأثرِ إلا أضعَفَهُ، ولكنّ المُشكِلَ في جَوهرهِ إنّما هو مُشكِلٌ أخلاقِيٌّ. إنّ البهجَةَ الإعلاميَّةَ مُتمازِجةً مع إنجازاتِ العلمِ الحديثِ والتحوُّلاتِ الاقتصاديّةِ المُستَهدِفةِ تشجيعَ الاستهلاكِ وإثارةَ الرغبةِ في مُنتَجاتِ حضارةِ التَصنيعِ قد تدفَعُ بالإنسانِ المُعاصِرِ إلى خَلَلٍ في إصدارِ أحكامِه. والخَلَلُ هذا يرجعُ في أكثَرِه إلى صعوبةِ التمييزِ ما بينَ ما هو نَفيسٌ وقَيِّمٌ وما هو تافِهٌ وزائِلٌ بينَ الأحداثِ التي تؤثِّرُ في تكييفِ المُستقبلِ وصياغتِه، وتلكَ التي تَصنعُ تاريخاً يَتَّصِفُ بالآنيَّةِ واللَحَظاتِ العابرة.
إنَّ بِناءَ الحاضِرِ العربيِّ يحتاجُ إلى إنسانٍ يفكِّرُ في وَسطِ تعقيداتِ الحياةِ المُعاصِرةِ، في خِضَمِّ صناعةِ الأحداثِ واتّخاذِ القراراتِ، في مُعتَرَكِ الإعلامِ وتَبايُنِ أساليبِ السَيطَرةِ الفِكريّة. قد يكونُ في ذلكَ بعضُ الشقاءِ، فقديماً أشارَ المتنبّي إلى شَقاوَةِ ذي العَقلِ بعَقلِه، ولكنّهُ شقاءٌ مُحَبَّبٌ وضَروريٌّ يَستقيمُ معه العقلُ والضميرُ، وهُما جَوهرُ بَقاءِ الإنسانِ كإنسان.
إن أشعارَ وكلماتِ ’’بوب ديلان‘‘ قد تكونُ حَدَثاً من أحداثِ التاريخِ، ولكنّها لن تُغَيِّرَ تاريخَ العالمِ، ولن تَبتَعدَ به عن مَسارِه. وإنَّ تَغَيُّرَ هذا التاريخِ رهينٌ بعمليةٍ أكبرَ من أشعارِ وكلماتِ هذا الشاعرِ مَهما كانتْ جميلةً وذاتَ وَقْعٍ. ولن يُغَيِّرَهُ كذلك فوزُ شاعرٍ مُمثّلٍ مُهرِّجٍ بجائزةِ ’’نوبل‘‘ للآداب مهما أسبغَتْ عليهِ الأكاديميّةُ الملكيّةُ السويديّةُ في ’’استوكهولم‘‘ من أوصافٍ تُمجِّدُ قُدراتِه على خلطِ الجِدِّ بالهَزل. وطالَما ذهبَ الزَبدُ جُفاءً.
**************
1- بوب ديلان Bob Dylan، أمريكي ولد في 25-5-1941. مغنٍّ وملحن وشاعر أثّر في الموسيقى والثقافة الشعبية، في شعره احتجاجٌ لأنه من الطبقة العاملة. حصل على جائزة ’’نوبل‘‘ عام 2016 بعد أن أعطيت لمنافسه ’’داريو فو‘‘ Dario Fo في عام 1997.
2- داريو فو‘‘ Dario Fo (1926-2016). أديب ومسرحي إيطالي، حصل على جائزة ’’نوبل‘‘ في 1997.
3- گريگ پاسكال زاكاري Gregg Pascal Zachary أمريكي يبحث ويكتب، منذ ثلاثة عقود من الزمن، عن ماضي التغيّرات التكنولوجية وحاضرها ومستقبلها في مقالات صحفية أو بحوث علمية أو كتابات إبداعية.
4- ديانا Diana (1961-1997). الزوجة الأولى لولي عهد بريطانيا.
5- أو. جي. سيمپسون O.J. Simpson ولد عام 1947. لاعب كرة قدم أمريكي اعتبر أفضل لاعب جامعي عام 1968. متهم بقضايا وجرائم وسجن طويلاً.
6- ماجيك جونسون Magic Johnson ولد عام 1959. لاعب كرة سلّة أمريكي لُقِّبَ بالساحر (Magic) لمهارته. اعتزل نهاية 1996.
7- الكونگرس Congress المؤسسة الدستوريّة الأعلى في الولايات المتحدة، تتألف من مجلسين: مجلس النوّاب (House of Representatives) ومجلس الشيوخ (Senate). وتعتبر الهيئة التشريعية في الولايات المتحدة.
8- پرل هاربر Pearl Harbor ميناء وقاعدة عسكرية والمقر الرئيسي لأسطول الولايات المتحدة في المحيط الهادئ. معروف بكونه هدف الهجوم الياباني مما أدى إلى مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية.
9- مارلين مونرو Marilyn Monroe ممثلة أمريكية (1926-1962).
10- جاكلين كينيدي Jacqueline Kennedy (1929-1994) زوجة الرئيس الأمريكي ’’جون كينيدي‘‘ John Kennedy خلال فترة رئاسته.
11- ارسطو أوناسيس Aristotle Onassis (1906-1975). يوناني مولود في ازمير بتركية، تزوج ’’جاكلين‘‘ بعد ترمّلها.
نشرت في صحيفة ’’البيان‘‘ (الإمارات) في 11-11-1997.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

733 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع