الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - المختار ودوره الاداري والاجتماعي في مدينة السليمانية

المختار ودوره الاداري والاجتماعي في مدينة السليمانية

                                                  

                         بدري نوئيل يوسف ـ السويد

                   

في كل مرة عندنا اجلس مع شيخنا الجليل في المقهى الصغير القابع في شارع صابون كران في مدينة السليمانية ، يبدأ شيخنا بالحديث والوقت يمر سريعا ، والأيام الخوالي حاضرة في ذهنه وكأنها حدثت في الماضي القريب .

              

لكن هذا اليوم كان موعدنا عند مدخل شارع مولوي للذهاب الى حديقة الشعب (باخي گشتي) ، سمي الشارع باسم الشاعر مولوي الذي كان لسان حال الفقراء والمساكين وصديقا لهم ، في الأفراح والأتراح يقرأ شعره ، وعلى لسان المحبين والعاشقين ، طَرَق مولوي كل ابواب الشعر وأجاده حتى صار امير لشعراء كردستان في عصره . مضت اربع دقائق على انتظاري شيخنا ، حتى اراه من بعيد قادم نحوي اقترب وسلم عليّ ثم عبرنا الشارع باتجاه حديقة الشعب .
توجهنا انا وشيخنا نحو الحديقة وهي أقدم متنزه في المدينة  ،عند المدخل استقبلتنا نافورات محاطة بأكاليل من الزهور ، دخلنا الحديقة فهي ساحات واسعة مفروشة بالثيل الطبيعي ومضللة بالأشجار الباسقة ، ومصاطب خشبية موزعة على جوانب ممرات الحديقة ، نرى اصناف بديعة ونادرة من النباتات والأشجار والأزهار منتشرة حول الساحات ، والمهم في الحديقة نصب لتماثيل الشعراء الكُرد مرصوفة على قواعد بتنسيق جميل ، جلسنا أنا وشيخنا فوق مصطبة تحت ظل شجرة وسط جو الحديقة الساحر .  
ورث شيخنا سيجارته قال بهدوء : اليوم الطقس معتدل .
قلت : اشكرك على فكرتك الرائعة حول لقاءنا في هذه الحديقة الجميلة .
باندهاش وتعجب قال : انظر الى انواع الزهور الجميلة المزروعة في الحديقة ، ينتابك شعور بالسعادة وأنت تنظر اليها او تشتم رائحة عطرها .
قلت بنبرة هادئة : حديقة ممراتها مسقفة بعناق الاشجار تتيح للناس التمتع  بجماليتها وهندستها الرائعة وتنوع كافة أشكال ورودها وأزهارها.  
قال مبتسما : لا اريد ان يتحول موضوع حديثنا عن المختار للحديث عن حديقة الشعب  (باخي كشتي) فالحديث عنها يطول لان لهذا ذكريات عند المثقفين ومسرح رومانسي للعاشقين .
قلت بهدوء : شكرا لك .. أنا مستعد ان اسمع منك فتفضل  .
تنهد وأخذ نفسا عميقا من سيجارته وقال : الحديث عن الماضى الجميل وذكرياته يحتاج لوقت أطول ، يا صديقي حضورك معي هذه الايام جعلني اسرح في بحر الذكريات وأتذكر تلك الأيام الخوالي الجميلة يجذبني الحنين اليها بقـوة فقد كانت تسودها راحة البال وصفاء النفوس متمثلة في بساطة العيش يحيطها الهدوء والمودة والصداقة رحم الله أيام زمان عندما كان المختار ذاكرة الزمان بمواصفاته الأخلاقية والإنسانية ، ومركز معلومات بشري ، وحلقة وصل بين أبناء محلته أو قريته ودوائر الدولة ، كان يتفقد احوالهم ويؤدي مجموعة من الواجبات والمهام القيمة .

سألته مستفسرا : من هو المختار .
قال مبتسما بعدما نفث دخان سيجارته : هو ذلك الشخص بملابسه الشعبية ربما يكون كبيرا في السن وان ضحك كشف عن نابين بارزين فقط من اسنانه والباقي عفى عليهم الدهر ، او طقم اسنان صناعي يطقطق في فمه عند الكلام ، وعلى عينية نظارة ملفوف في وسطها قطعة قماش ترتكز على انفه ، أو ربما سماعة صغيرة معلقة على صوان اذنه ، وكلما سمع كلمات التبجيل والترحيب يبدأ المختار باللعب بشواربه الغليظة ويقوم بلفه شاربه بين اصبعيه عند نهايتها ، او حتى لم تكن شاربه غليظة يمسحها من كل جهة ، وله بعض شعر أسفل أنفه ، ونصف كرش ،  ومنهم من يحمل عكاز بيده تلك العصا التي لا تفارقه وكلما خاطبه احدا او سأله عن حاجة ، ضرب عكازه على الارض وردا بحزم وجزم في البت في الاسئلة ، تصاحبه نحنحة قويه في كثير من الاحيان ، يضع سبيله (غليونه ) القصبي في حزامه  ، و معطفه على كتفيه ، والابتسامة على شفتيه اينما حل ، مهمته تقتصر في توثيق بعض الاوراق التي يحتاجها الشخص تجاه الحكومة ( اقصد الوالي والسراي والقشلة )  او اي جهة رسميه اخرى .
قلت له : هذا تعريف المختار لكن ما هو دوره في حياة سكان المدينة .
اسند يده على حافة المصطبة وقال بنبرة هادئة تميل للتوضيح : لابد ان نعرف الى متى تعود ظاهرة استحداث منصب المختار ، أو رئيس الحيّ أو مختار القرية ، أو العُمْدة هكذا يسمُّونه في بعض البلاد العربية ، يعود وجود المختار إلى عام 1835 م  ، المختار أصغر مسئول أداري في الولاية والأخير من الموظفين التي تتألف منهم إدارة الولاية ، اكثر التغيرات إثارة تلك التي ارتبطت بإدخال النظام الاقليمي العثماني الجديد

             

وكان مدحت باشا احد مهندسي قانون الولاية العثماني لعام 1864 بموجب هذا القانون قسمت الولايات الى لواء يدار من متصرف يعين من الباب العالي ، كل لواء يقسم الى اقضية يترأس القضاء قائم مقام ، والقضاء قسم إلى نواحي (جمع ناحية) وتدار من قبل مدير الناحية وتضم الناحية عدة قرى ، ويتم اختيار احد سكان القرية ويعرف باسم المختار الذي يدير شؤونها وينوب عن مدير الناحية . المختار شخصية معروفة في المحلة أو القرية محترماً من جميع ابناء العشيرة أو القرية ويعرف ابنائها ومواقع بيوتهم بيتاً بيتاً ، اما اختيار مختار لكل قرية فيطلب من سكان القرية ترشيح رجال بالغين وأكملوا الخامسة والعشرين من العمر ، ضمن شروط من أهمها أن يكون المختار عراقياً ومن أصحاب الأملاك ، ومن عشيرة كبيرة أو عائلة ، وان يتصف بالذكاء والحكمة والفطنة وغير مصاب بمرض عقلي ، ويجيد تدبير الأمور الادارية والاجتماعية للقرية ويحسن القراءة والكتابة ، ويلقى قبولا حسناً لدى سكان القرية ، و يدفع الضريبة للحكومة او البلدية ، لا تقل عن مائة قرش  سنويا وغير محكوم بجناية او جنحة مخلة بالشرف ، وغير موظف في دوائر الحكومة ، وان لا يكون دلالاً في الطابو ، ولم يغير محل سكناه مدة لا تقل عن خمس سنوات .
 والعشائر تتنافس بشدة للحصول على منصب المختار ، فقد كانت العشيرة تعتقد بان المختار المنتخب منها سينحاز لها ويقدم خدمة لمصالح عشيرته اكثر من غيره لأنه اعرف الناس بشؤون عشيرته التي يعيش فيها
وفي الكثير من الحالات كان منصب المختار وراثيا للابن او الأخ او اقرب الأقربين .   
أما في المدينة فلكل محلة من محلات المدينة مختارا معتمداً من قبل المسئول العثماني أو الوالي لإيصاله مشاكل السكان وتنفيذ اوامر الوالي ، ومن الشروط الضرورية لاختيار المختار ، أن يكون من القاطنين في المحلة ومن يتبوأ هذا المنصب يكون كبير السن ويتسم بحسن السيرة والسمعة ، يتم اختيار المختار من بين أكثر الأشخاص قبولاً واحتراما بين الناس في العهد العثماني ، فهو شخصية لها منزلة محترمة في نفوس أبناء المحلة ، ووجها اجتماعيا معروفا ، بالإضافة لأهمية البالغة من الوجهة الاجتماعية والسياسية ، تبرز أهميته دور المختار في فض النزاعات داخل المحلة الواحدة من خلال ثقتهم وقناعتهم بعدالته وسلامة نواياه ورجاحة عقله وبصيرته ويتركون الكلمة الأخيرة للمختار وإعادة الوئام والصفاء في حالة وقوع أية خلافات بين شخصين أو عائلتين وما يسفر عنها أحاناً من مواجهات حادة لا تحمد عقباها.
وفي عام 1930 كان لليهود في مدينة السليمانية مختار خاص بهم واسمه "دانياو شلمو"  ثم اعقبه "موشين" حتى ترك اليهود المدينة وذلك لاستيطانهم في محلة خاصة بهم يتطلب وجود مختار فيها ، ولحد الان تسمى محلة اليهود ( جووله كان) ، وأول مختار في زمن الدولة العثمانية لمحلة گويژة اسمه (محان ) وكان مختار محلة كانيسكان (محما سالار ) في زمن الميجرسون عام 1919 ، ولم يعين مختار للمسيحيين في المدينة .
سألته مستفسرا: لماذا لم ينتخب مختار للمسيحيين في زمن النفوذ العثماني وبعده تأسيس الدولة العراقية .
هز رأسه نافيا ثم قال : لا اعلم ولكن حسب قناعتي كانت عدد العوائل المسيحية قليلة ، او ربما لم يجدوا شخصية متفرغة تتبوءا المنصب ، او هناك سبب اخر لا اعلم .
سألته : ماذا تقول عن ختم المختار .

  

قال مبتسما : المختار الجيد الذي يحمل في جيبه مهره الخاص (ختم ) والذي يسمى (طمغة) المصنوع من النحاس محفور عليه اسمه كاملاً واسم محلته ويحمل في جيبه (اصطنبه) لتحبير مهره بهذا الختم ، في كثير من الاوقات يكون المختار قصير النظر ، وعند ختمه للطلب يكون الختم بالمقلوب اذا نسى يضع علامة يستدل بها لاتجاه الختم ، ومنهم مَن يضع قطعة معدنية صغيره في راس الختم أو قطرة صبغ ترشده على اتجاه الختم الصحيح  ، اما الاصطنبة  فغالبا ما يكون حبرها قد انتهى أو جَفَّ  ، فيبادر الى وضع الختم قريبا من فمه فيزفر بالهواء من داخله حتى يرطب حبر الختم ليظهر على الورقه ، يؤيد فيها المختار كل معاملة والشيء الذي لم يغيره الزمن هو ختم المختار بقي تراثا وحاجة رسمية لا تستغنى عنها المعاملات والختم كما يبدو شيئا لابد منه ولا يستغني عنها المتعاملون بطلبات وعرائض الناس حتى في وقتنا الحالي .
سألته مستفسرا : سمعت ان للمختار سجل لأبناء محلته أو القرية يدون فيه اسماء الذكور فقط ولا يسجل اسماء الاناث .
هز رأسه مؤيداً وقال : صحيح له سجل خاص مسجل فيه ارقام كل بيت مع اسماء سكان محلته (رب العائلة
وأبنائه من الذكور فقط) . اثناء سفر برلك (النفير العام) اثناء الحرب العالمية الاولى ، كان للمختار دور كبير
بتبليغ الشباب المشمولين بالخدمة والتحاقهم بالجيش العثماني وبعد تأسيس الدولة العراقية ،كان الجيش العراقي يعتمد على الخدمة الإلزامية اي المشاركة الفاعلة لجمع البالغين من العمر الثامنة عشرة لأداء خدمة الجيش ، والمختار يحتفظ بأسماء الذكور في سجله يعد قوائم بأسماء جميع المشمولين بالخدمة الإلزامية وإبلاغهم بتاريخ سوقهم للخدمة ، كما كانت دوائر التجنيد تزود المختار بقوائم الشباب لإبلاغهم بمواعيد الالتحاق بخدمة الاحتياط بعد أخذ تواقيعهم لتأكيد صحة التبليغ  ولأهمية السجل يسلم الى المختار الجديد بعد وفاته من
قبل ذويه والبلدية تراقب عمل المختار .
سألته مستفسرا : وماذا عن دور المختار تجاه الاناث.

قال بجدية وثقة : يعتبر بيت المختار دار أمان تلجأ إليها الهاربات من المشاكل العائلية في حالة إصرار ولي أمر الفتاة على أتمام الزواج من شخص لا ترغب الارتباط به ،  فبعض الفتيات تهرب من ذويهن لرفضهن الزواج وتحتمي في دار المختار ، وكذلك في حالة هروب الزوجة وتركت بيت الزوجية من بطش زوجها والتي تخشى العودة إلى ذويها وخوفاً منهم مع العلم معرفتهم الكاملة بقسوة الزوج وعدم احترامه لها و بأحوالها وظروفها السيئة ، ومن رغب بزواج من فتاة ذهب مع والده أو احد اقاربه الى مختار ذلك الحي وسأله عن أهل الفتاة وعن أقاربها ، ويؤخذ رأي المختار فإذا امتدحها وامتدح عائلتها يقتنع الاهل بكلام المختار ويرشدهم من يمكن أن يؤثر على عائلتها ويكون المختار الوسيط في الخطبة ويشارك بنفسه في خطبة الفتاة حتى يتزوج .
سألته مستفسرا: ماذا عن دور المختار الاجتماعي.
تعتبر شخصية المختار جزءاً من النسيج الاجتماعي الكردي ، وله خاصية في القرى التي تجسد واقع المجتمع الذي تعيش فيه القرية تجتمع فيها الكثير من الصفات الحميدة وهناك قرى فيها مختاران حسب عدد نفوس القرية ، يتم اختيار الاعمار الكبيرة ، ويعتبر المختار وجه اجتماعي معروف من الناحية العشائرية من ابرز وجهاء القرية او المحلة ، وظيفة المختار نوعا من الوجاهة والمكانة الاجتماعية ،كان  للمختار وظائف اهمها حلّ النازعات بين سكان القرية ، حتى يتمكن من خدمة قريته وسكانها ، وعليه بناء علاقات متينة وصلات قوية مع كَثير من المسئولين حتى يقدر تمثيل القرية او المحلة أمام الجهات العليا في الدولة ، وهو حلقة الوصل بين سكان القرية والجهات الحكومية الرسمية ، والعين الساهرة على مصالح قريته .
سألته باحترام : وماذا عن الدور الاداري للمختار.
ابتسم وقال بهدوء : هذا هو بيت القصيد في بدايات القرن الماضي كانت السلطات التركية تحتاج من يقوم بإعداد قوائم عن الأشخاص الذين تشملهم الخدمة العسكرية الإجبارية فكانت تكلّف المختارون ويسلمونها للجهات المختصّة ، حيث يعرف المختار الأشخاص الذين بلغوا سن الخدمة العسكرية الإلزامية ، لأنه كان يحتفظ بسجلات للسكان ، ويلاحق الشباب الفارين من الخدمة وخاصة في زمن سفر برلك (النفير العام) .
كما حدد نظام قانون الولايات للدولة العثمانية مهام المختار في تصريف شؤون القرية اهمها جباية الضرائب منها ضريبة الويركو فمهمته تحصيلها وجبايتها ، وتناط بمختار القرية أو المحلة إذ طلبت الدولة تحصيلها من الأهالي بعد تقسيطها بالنظر إلى قدرة كل شخص. والويركو  كلمة تركية بمعنى ضربة او خراج فرضت هذه الضريبة على أملاك الأفراد من أراض زراعيّة أو بور أو أبنية وإذا شعر الحاكم الإداري بأن الأهالي رفضوا الدفع فأنه كان يخرج لهم بقوة عسكرية لإجبارهم على الدفع ، كان المختار يقوم بالتحري عن القابلات المأذونات (الداية) أو تسمى (الحكيمة) من الطائفتين المسلمة والمسيحية من تمارس وتمتهن هذه المهنة بدون إجازة رسمية بموجب الإرادة العليا ويبلغ الجهات المعنية عن أسمها وشهرتها والبيت التي هي مقيمة فيه لإيقافها عن العمل .
قاطعته مستفسرا : وهل هناك ضرائب اخرى فرضت على الاهالي ايام النفوذ العثماني .
ابتسم وقال لي : نعم هناك العديد من الضرائب التي كانت فرضتها الدولة التركية ، فضريبة العُشر التي مقدارها عشرة بالمائة من محصول الأراضي التي تسقى بماء المطر أو نصف العشر من الأراضي التي تروى بالسقي ، و ضرائب الرسوم على الحيوانات وللمختار له سجل يقيد فيه حيوانات الركوب والمركبات والحمل التي تحسب على الرأس الواحد وتنطبق تلك الإجراءات في حصر الممتلكات الحيوانية على سكان المحلة أو القرية من الديانة المسيحية أيضاً ، وعند تحصيل المبلغ يتم تذكير المالك بعدد الرؤوس التي يملكها وقيمة الرسوم المطلوبة بموجب دفتر تعداد الحيوانات الموجود لدى المختار وتسمى (الكودة) والتي تقدر بتسعة قروش عن الرأس الواحد ، خفضتها السلطات البريطانية إلى ثمانية قروش ، بالإضافة الى ضريبة المجزرة التي تؤخذ عن كل راس ماشية يذبح  ، وضريبة البائع التي تؤخذ عند مرور السلع من منطقة الى اخرى وضريبة الدمغة التي تؤخذ على البضائع المباعة بالأسواق وضريبة الكمارك التي تفرض على كل ما يصدر ويستورد ، و ضريبة المهنة التي يدفعا ذوي المهن الحرة أو ضريبة الدخل وتؤخذ على مدخولات الافراد السنوية بموجب نظام معين وهناك ضربة كانت تشمل الجميع تسمى رسوم السخرة  التي تفرض على كل شخص عمره بين( 20 ـ 60 ) سنة أو يدفع 16 قرش أو عليه العمل ثلاثة أيام بالأسبوع في تعبيد الطرق ، وهي جلب الفلاحين وبمساعدة الشيوخ قسرا أو بمختلف انواع الحيل واستغلال جهدهم بشكل لا إنساني ، وكانت هناك ضرائب أخرى على بيع الأخشاب والفحم كما أسست دائرة خاصة لاستحصال الضرائب على محصول التبغ وسميت لاحقا بدائرة بانحصار التبغ .

     

بالإضافة للضريبة التي تؤخذ من المشمولين الذين لا يرغبون في الالتحاق في الخدمة العسكرية ومقدارها مجيدي واحد عن كل شخص ، وضريبة رسوم الطابو تؤخذ نسبة عن قيمة تخمين الأرض بالإضافة إلى ثلاثة قروش ثمن سند الطابو ، وضريبة التمور وتقدر على ما مقدار ما تحمله النخلة من التمر.
وكان للمختار دورا إداريا في مجال المرهونات قيد البيع في العهد العثماني ، ويكون المختار مشرفا تنفيذيا على تقيد المعاملات بصفته الوظيفية كونه مختارا رسميا من قبل الدولة العثمانية ، ويقوم المختار بمتابعة إيداع الرهن في الصندوق ، وتسديد المدين المبالغ المستحقة عليه .
سألته : وماذا تقول عن الضرائب اثناء النفوذ البريطاني على العراق .
أبقت السلطات البريطانية بعد احتلال العراق هذه الضرائب على حالها وان أجرت عليها بعض الإصلاحات ، فرفعت بعضها وقللت البعض الآخر ولم تلغي منها شيئاً ، وحققت لها الضرائب فوائد مالية ، وعليه تعددت الضرائب وتنوعت على الفلاحين ، فظهرت ضريبة صيد السمك والطيور ، وضرائب على الحاجات الاستهلاكية ، وضريبة على الزواج ، وكان للمذياع ضريبة تفرض على كل من يمتلك راديو وتدفع سنويا الى البريد وصدر نظام جديد للاذعة اللاسلكية العراقية حيث ابدل اسم (محطة الاذاعة) بـ (دار الاذاعة) وسن قانون الضريبة على كل مذياع قدره 500 فلس وذلك لتمويل مصروفات الاذاعة  ، وضريبة المعارف لدفع أجور المعلمين وللمساعدة في إنشاء المدارس وصيانتها. ومن المضحك فقد كانت ضريبة تشمل الناس الذين يعبرون مشيا على الاقدام فوق الجسور الموجودة على نهر دجلة و تشمل حيواناتهم وسياراتهم وتسمى ضريبة العبور على الجسور ، وكانت هناك مزايدة لتأجير الجسر الى اناس يقومون بدفع مبالغ للحكومة مقابل اِستِحصال الضرائب من الناس ، وضريبة المسقوفات تقدر بنسبة 5 بالألف على بيوت السكن التي لا تتجاوز قيمتها عن ألف قرش أما إذا زادت تصبح الضريبة 8 بالألف .
سألته : وهل للمختار دور اخر في حياة المجتمع .
قال بهدوء : كان المختار المصدر المعتمد لدى وزارة التموين في سنوات الحرب العالمية الثانية (1939 ــ 1945)  في أعداد سجلات خاصة بأسماء أبناء المحلة عندما كانت الدولة العراقية توزع المواد الغذائية الرئيسية وفق (الدفتر التمويني) وكبار السن يستذكرون كيف كانت الوزارة تجهيز الوكلاء بالحصص المقررة بموجب السجلات المعدة من قبل المختار و يتضمن عدد أفراد الأسرة والحصة المقررة لكل فرد .
يقوم المختار بإخبار الجهات المسئولة عما يقع في القرى او المحلة من مواليد ووفيات ومكان الإقامة وتنظيم الوثائق الخاصة بالأحوال المدنية وتنظيم حجج الميراث وعقود الزواج والطلاق ، ومساعدة الدولة في تسليم المجرمين . وما يقع في منطقة عمله من مشاكل .
والمضحك ان للمختار دور مهم في تحديد حسن السلوك للشخص اذا احتاجه احد ابناء القرية او المحلة فهو الذي يؤيد ويصدر وثيقة حسن سلوك الشخص من اراد الزواج او الدخول للخدمة العسكرية او الجامعة وغيرها من معاملات الأحوال الشخصية ، وشهادته لها أهمية خاصة معتمدة في المحاكم والجهات الحكومية وتصبح وثيقة المختار من الوثائق الرسمية ، وتعتمد أي وثيقة يصدق عليها المختار وتحمل ختمه.
في ما يخص شؤون القرية على المختار مرافقة موظفي الدولة ، على سبيل المثال مرافقة  المُخمِّن الذي يُقَدِّر إنتاج المحاصيل وعدّاد المواشي حتى تفرض عليها الضرائب .
أما الضيوف والوفود الرسمية والشعبية وعابري السبيل يعتبرون بيت المختار مقصداً لهم إذا زاروا القرية لتأدية
عمل ما ، وتأمين المبيت لهم إذا اقتضت الضرورة ذلك ، وكان أقاربه ورجاله يعينونه على ذلك .
وكما ان المختار يرافق رجال الشرطة اثناء البحث عن هارب او مشتبه ، وكانت الشرطة لا تدخل بيتاً من بيوت القرية او المحلة إلا والمختار معهم وكلما احتاجت القربة او المحلة الى احتياجات التقى المختار بالحاكم الإداري او متصرف اللواء .
كما كان له دور مهم في تعين الحراس الليليين الذين يحرسون الاسواق والمحلات مقابل ثمن شهري بسيط وهم يتجولون مع الفوانيس لعدم توفر الكهرباء في وقتها ، وكان حريصا على انتخابهم ممن يمتلكون القدرة الجسدية والكفاية الذهنية لتوطيد الأمن في القروى والأرياف والمحلة .
سألته : هل كان للمختار راتب شهري من قبل الدولة .
قال بجدية وتوضيح : المختار لا يتقاضى راتبا من الدولة فمنصبه فخريا ، وهذا يدل على أن من يتولى هذا المنصب هو من الوجهاء المقتدرين ، وطمغة كل معاملة من المعاملات تختلف اكراميتها عن غيرها وإنما مجرد مشاركة من اصحاب المعاملات في توفير عائد مالي بسيط وليس هناك سعر محدود فهي تتفاوت بين مختار وآخر كذلك يتفاوت امرها بين الاعتدال والجشع يتوقف ذلك على الجهد المبذول من قبل المختار وعلى إمكانية المواطن المادية ، وكذلك يحصل على الهبات والإكراميات فمن زوج ابنه اهدى للمختار هدية مناسبة ومن اشترى داراً كذلك وكان الكثيرون من الاهالي ولضيق ذات اليد يحصلون على الختم المطلوب دون أي مقابل مادي . في قانون المحافظات ثبتت وظيفة المختار والزم القانون بتحديد راتب المختار وكان يتقاضى مبلغاً شهرياً بسيطاً من الجهة المشرفة عليه وهذا المبلغ كان يعادل راتب موظف في الدرجة الوظيفية الخامسة ، ويعطى له حصّة من الضرائب التي تجبيها الدولة من قريته لمساعدة المختار في تغطية مصاريف الضيافة لموظفي ومسئولي الحكومة وتقديم وجبات الطعام لهم ويسعى لتلبية احتياجاتهم .
قلت له مستفسرا : هل كان هناك فرق بين المختار في زمن النفوذ العثماني والاحتلال البريطاني .
قال : في العهد البريطاني اعتمدت فيها السلطات الرسمية على أكثر من مختار ، فكان لكل عشيرة مختار وملاذ لجميع ابناء العشيرة لقضاء الحاجات ، الكل يهرع إليه عندما يتعلق الأمر بطلب إحدى الدوائر الرسمية ، يتوسط لتوظيف بعض الناس في أجهزة الدولة ، فكان يقوم بكتابة رسائل للدوائر الرسمية تزكي الراغبين بالتعيين في وظائف حكومية ، لأنه يعرف سكان الحي وتوصيته مقبولة من المؤسسات الرسمية ، ويقوم المختار بالتعريف على أهل القرية عندما يزوره مسئولين من السلطة ، ويطلب منهم تلبية بعض المطالب بما يخدم الصالح العام للبلد ، وكان على المختار أن يبلغ أهالي الحي او القرية بالتعليمات الصادرة عن الحكومة او يرسل المنادي ليطوف بالحارات ويبلغ الناس .
سألته :هل كان للمختار دور سلبي تجاه المحلة أو القرية التي كان يشرف عليها.
قال بنبرة حزينة : مع الاسف بقدر ما كان المختار سعيدا بمركزه الاجتماعي كان يشعر بالحرج والخجل ، فأصبح بعض المختارون في عقدي الثمانينات والتسعينات رجل أمن ، شهد الدور الذي يوصف بأنه الأكبر والأخطر للمختار هو تحوله الى رجل ذو نفوذ اكبر  يتزامن حضوره الإبلاغ عن الهاربين من العسكرية أو المتخلفين عن التجنيد اثناء الحروب التي مرت على العراق وكانت الجهات الامنية تطلب منه تسجيل أسماء الذين لم يلتحقوا بقواطع الجيش الشعبي ، ومرافقته حملات التفتيش والاعتقالات وعمليات الإعدام ،  وكان الكثير منهم يشعرون بالحرج من تلك الاوامر واغلبهم يتذرع بمختلف الذرائع للتهرب من هذه المهمات لأنهم يشعرون بالحزن ولا يقدرون الوشاية بأهلهم وأقاربهم ، وكثير منهم يشعر بالخجل وهو يرافقون رجال الأمن عندما يدخلون منازل معارفهم لإلقاء القبض على احد افراد المنزل ، وكانت النساء تتوسل وتطلب من المختار اطلاق سراح المعتقل ، متصورات إن له يدا في اعتقال أزواجهن أو أبنائهن ، لأنه الشخص الوحيد المعروف بالنسبة لهن ، والمصيبة عندما يكلف المختار بمهمة إبلاغ عائلته المعدوم لاستلام الجثة .
قلت له : اقدم لك شكري وتقديري على هذه المعلومات القيمة حول المختار واعدوك لتناول الغداء معي .
قال : لا مانع لدي ولكن لا احب ان يكون في المطاعم الحديثة ، وأفضل ان يكون المطعم شعبي.

      

قلت له : نحن على مسافة خمسة دقائق مشيا على الاقدام من مطعم احمد حسن ، المعروف عند زبائنه ( ئه حه ی‌ گوڵەی‌ جگه رچی‌) .
ابتسم وقال  : اطال الله بعمره  عمره يبلغ ثمانون عام فمنذ عام 1940 هو بائع مشوي اللحم والمعلاق في هذه الدكان وعمل في هذه الصنعة منذ كان عمرة ثمانية سنوات .
قلت له : تفضل .
ونحن في طريقنا الى للمطعم قلت له بطلب واحترام هل حدثتني عن اصول تسمية محلات مدينة السليمانية.
قال لي بفرح وسرور : على الرحب والسعة سيكون  موضوع لقائنا القادم  .

المصادر :
1. دراسات موصلية ، المختار ودوره الاداري والاجتماعي . م . د .عروبة جميل محمود 2013 .
2.  200 سال (شاري سليماني) اكرم صالح رشة 2011
3.التقسيمات الإدارية لسنجق السليمانية خلال العهد العثماني الأخير 1918 م – 1869 م. م بان راوي شلتاغ الحميداوي جامعة القادسية - كلية التربية
4.كمال مظهر أحمد ، كردستان في سنوات الحرب العلمیة الأولى ، ترجمة محمد الملا عبد الكريم ، ط 2 ، بغداد : 1984

الهوامش
1.الشاعر مولوي  هو الملا عبد الرحيم بن الملا سعيد ، وكان من عائلة دينية كادحة ، ولد سنة 1221 هجرية في قرية سهرشاته العراقية . كان يلقب بالمعدوم
2.لفظ (القشلة ) مأخوذ من (قشلاغ) اي (مشتى) المكان الذي تنزله شتاءً وهو ما كانت تفعله القوات التركية في هذا المكان ومع مرور الزمن اصبح لفظ (القشلة ) يستخدم للثكنات العسكرية عموماً .ولفظ السراي يعني (القصر) بالتركية وهناك كانت الحكومة
3.مدحت باشا الموسوعة العربية الميسرة، 1965
4.من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة القرش: يسمى ب(المحمودي) نسبة إلى السلطان محمود و القرش العثماني الأصلي في القرن السابع عشر قطعة كبيرة من الفضة و يتكون من 40 بارة (قطعة). في 1844، وبعد التدهور المتواصل للقرش، بدأ استعمال الليرة الذهبية وكانت تساوي 100 قرش.
5.ضريبة (الويركو) والويركو، هي كلمة تركية بمعنى الجزية والخراج، وهي مبالغ مقطوعة فرضت في عهد السـلطان (1)  بايزيد الثاني مسجلة بالمحاكم الشرعية، ووفق القانون العثماني سنة 1886، وكان معدل ضريبة الويركو 4 في الالف على قيمة الأراضي الملك و

6.من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة :الدمغة ضريبة تفرضها الدولة على أنواع معينة من المعاملات التي تتضمنها وثائق مكتوبة ، وتتخذ عادة طابعًا بقيمة معينة يلصق على الوثيقة ومن ذلك طوابع بالدمغة التي يتعين وضعها على الإيصالات و العرائض و الأوراق القضائية وقد زادت أهمية ضريبة الدمغة زيادة كبيرة على أثر اتساع نطاق المعاملات المكتوبة.
7.الموسوعة المسيحية العربية الإلكترونية : العهد القديم. في الحقبة الملكيّة. كان بنو اسرائيل يدفعون عددًا من الضرائب للهيكل : العشر، البواكير، ضريبة الهيكل. حسب عد 31:28-41، كانوا يقطعون حصّة الله من أسلاب الحرب. وقد عُرفت ضرائب للملك منذ الملكيّة. ويُفترض أن إحصاء داود في 2صم 24:1-9 كان من أجل الضرائب. ولكننا لن نتعرّف إلى نظام مرتّب للضرائب إلاّ مع سليمان : قسم المملكة إلى 12 مقاطعة ليؤمّن الدفع في المواد مرّة في الشهر (1مل 4 :7-19، 5 :7-8). فُرض جزء هام من هذه الضريبة بشكل سخرة. لم يكن الشعب معتادًا على هذا النظام. فكان احتجاج بعد موت سليمان أدّى إلى ثورة قبائل الشمال وتكوين مملكة اسرائيل(1مل 12). في 1صم 8:11-17 تُذكر الضرائب على محاصيل الكرمة والقطعان، وكانت السخرة حقًا للملك. وعرفعا 7:1 "كأس الملك" (حصة الملك)، وهي حقّ ملكيّ على الحصاد الأول.
8.ايلاف جريدة الكترونية العدد 4529 الثلائاء 15 أكتوبر 2013
9.ويكيبديا : راديو بغداد .
10.مختار المحلة في الذاكرة العراقية : العباسية نيوز : 27-تشرين الأول-2013

أفلام من الذاكرة

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

586 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع