النهاردة مفيش تلامذة... عندها عربي وحساب

                                         

النهاردة مفيش طابور... أو عيال ناسية الكتاب
النهاردة «تالتة رابع».. كلها اتاخدت غياب
كلها اتاخدت غياب
لا أعرف من كتب تلك الكلمات ولا من أسقط هذا الوجع على صفحة الفيس بوك.

ولا أعرف السائق الذي قتل مع الأطفال. ولا الأمهات النائحات المذبوحات ألما على صغارهن. لا أعرف أسماء التلاميذ. ولم أرى الكراسات التي محيت منها الكلمات إثر انفجار الدماء. لا أعرف الأشقاء الثلاثة ولم ألتقِ بأبيهم. كل ما أعرفه أن الظلام هبط ولن يفارق القرية الصغيرة ولن يبرح بيوت الصغار. وإن الدموع ذاتها قد تبخل على ذويهم ولا تهبط إلا حينما يأتي المطر. وإن المطر قد يرفض الهطول على بلد تغتال أنوارها وتعبث بمستقبلها وتقتل الحياة عن أرواح كانت تغني لحظة أن ضربها القطار المسرع. كل ما أعرفه أن الحسرة التي استوطنت بورسعيد إثر مقتل شباب مصر هناك يوم الخامس من فبراير هذا العام. قد سافرت إلى صعيد مصر والتصقت بالجبال.
في الصباح الذي قتل فيه أطفال مدينة منفلوط، كنت أقف وسط قاعة لا تحوي إلا توابيت مصنوعة من الرخام على جدرانها نقوش ورموز فرعونية. وعلى جدران القاعة علقت نماذج من كتب الموتى. وهي ليست بكتاب وإنما وثيقة اعتراف من المتوفى أنه لم يهن أبداً جارته أو يتعدى عليه، ولم يلوث ماء النيل، أو يقلع زرعا، ولم يكذب لسانه أبدا، ولم يسرق مالا أو طعاما ولم يخن.
التوابيت التي سرقت من مصر وعمرت طابقا كاملا في متحف عن التراث المصري بقلب برلين كانت متراصة بشكل جنائزي كأنما تمهد لاستقبال أجساد الصغار، أحفاد الفراعنة الذين عاشوا على نفس الأرض التي اختلط بترابها دماء وأجساد الأطفال، حين انتهيت من المتحف بطوابقه الثلاثة، أعلمني هاتفي بوفاة الصغار.. المعلقات التي غطت متحف برلين لم تشر إلى كتاب موتى للأطفال، فالأطفال لا يكذبون ولا يسرقون جارهم ولا يخونون، ولا يلوثون إلا ملابسهم. كتاب الموتى يحتاجه الكبار الغارقين في جمع المنافع وفي بناء القصور. في الشارع العريض بوسط برلين سرت بمفردي أبكي الصغار وأمهاتهم المنكوبة. أبكي مصر وشهداءها الجدد ضحايا الإهمال والإدارة الفاشلة. أبكي آثار الفراعنة التي انتقلت إلى تلك الأرض الباردة التي لا تشبه أرض مصر والتي لا ينتمي إليها وجه نفرتيتي التي خصص لها الجانب الأيمن بالطابق الثاني بالمتحف في غرفة منفصلة يحرسها أربع حراس.
في الشارع المظلم رغم النهار رأيت فجأة كنوز مصر وقد انسكبت أمام عيني في لحظة واحدة، الآثار والـطفال، كلاهما سرق، كلاهما اختطف بفعل السلطة الفاسدة المفسدة. الحكومة المصرية الجديدة سارت على درب خلفائها، ومنذ اليوم الأول لوصولها والكوارث تتوالى على مصر، والكذب يتسع مداه والأخطاء تتوالى والحقائق تطمس، لم يغطِ رداء الوجه الذي يرتديه الإخوان أخطاءهم ولم تشفع لهم خطاباتهم في المساجد، يسقط الإخوان كل يوم سقوطا مدويا، ويسقط من ورائهم القوى التي تساندهم، يتوالى سقوط الأقنعة مع كل كارثة جديدة، لكن كارثة السبت الماضي قد تصبح الطعنة القاتلة في صدر جماعة لم تتعلم سوى إدارة الأموال وإدارة التنظيمات السرية.
أطفال أسيوط الذين خرجوا في رحلة نادرا ما يحصلون عليها لم يعودوا. ضربوا بالإهمال المبكر وقتلوا. تماما كما خرجت آثار مصر على مدى العصور المختلفة ولم تعد. وبها شيدت متاحف تدر المليارات على الدول السارقة فتزداد ثراء وقوة، وتتراجع مصر وتنكمش. ويختطف أطفالها في لحظات الفرح. وتخمد ضحكات الآباء للأبد. ويتعلم صغار آخرون أن الموت أقرب إليهم من اللعب، وأسهل من حروف اللغة. يشب الصغار الأحياء على جرأة الموت ويتعلمون الخوف ويسكنهم الحزن، فيكبر الأطفال ولا تكبر الأحلام معهم. أطفال أسيوط تبعثرت دماؤهم على قضبان القطار وعلى شاشات القنوات الفضائية، كما تبعثرت حضارتنا في البلاد وفي المتاحف. الرئيس المصري عوّض كل أسرة فقدت طفلا بأربعة آلاف جنيه. وحين سألت رجل البنك قال إنهم أقل من خمسمائة يورو. وفي ألمانيا يمكن للمرء شراء هاتف محمول حديث بنفس القيمة. وقبل عدة مئات من السنين قدم والي مصر جسد فرعوني سليم إلى باحث أوروبي أهداه زجاجة خمر فارغة.
ولاة مصر القديمة كما ولاتها الجدد يبعثرون أجساد المصريين الموتى والأحياء. ولذلك فكل مصري الآن يعلم أن الثورة قادمة.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

957 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع