وهما الهزيمة والانتصار

                                         

هل توازي صورة الأطفال الأشقاء الأربعة الذين أودى بهم القصف الإسرائيلي على غزة ممددين جثثا صغيرة هامدة على سرير براد المستشفى في قوتها مشاهد «هلع» بعض الأهالي في الملاجئ الإسرائيلية؟!

ليس في المقارنة دعوة للشماتة والتشفي بخوف أي أحد، لكن المسافة بين صور موت فعلي لأطفال فلسطينيين صغار وبين «هلع» لسكان إسرائيليين هي مسافة شاسعة تماما كما هي المسافة بين الحياة والموت بأكثر معانيه مأساوية. لكن شاء بعض إعلامنا وبعض دوائرنا الاحتفاء بصورة «الهلع» الإسرائيلي وتقديم وقعها على حساب صورة الموت المفجع والحزين للأطفال الغزيين الأربعة.

الاحتفاء بالهلع الإسرائيلي مدفوع بوهم يستجد مع كل حرب من نوع الهجوم على غزة، فنجد من يسارع للاحتفاء بالنصر.. أي نصر؟

هل حقا حققت الصواريخ الفلسطينية على تل أبيب توازن رعب مع القذائف التي انهمرت على أهل غزة؟

هل حقا يمكننا أن نوازي ما بين سقوط أربعة جرحى إسرائيليين وما بين مقتل ثمانين فلسطينيا وتدمير ما تدمر؟

من وجهة نظر بعض الإعلام العربي فإن الهجمات بالصواريخ شكلت انتصارا مهما.. ملأت المبالغات عن انتصارات حققتها الصواريخ الفلسطينية فضاءات عدة وحفلت التغطية الإعلامية للاعتداء الإسرائيلي على غزة بالكثير من المفارقات.

«عشرات الصواريخ تسقط على تل أبيب».

«الإنذارات تملأ سماء إسرائيل».

وتبادل واسع النطاق لصور إسرائيليين خائفين تحت عنوان «هلع في إسرائيل».

من تابع بعض الإعلام العربي لا بد أنه استذكر «انتصار» 2009، وقبلا طبعا «انتصار» عام 2006 في لبنان. هناك صناعة لـ«النصر» يتولى مهمتها إعلام ويتجاوز هذا الإعلام في صناعته لهذا النصر جوهر المأساة. يتجاوز ما تقوم به إسرائيل من جرائم. نوع من مقايضة النصر بالجريمة.. فكيف للمنتصر أن يسوق ظلامة؟ وكيف له أن يعترف بوحشية عدوه وهو قد تجاوزها محلقا بنصر مخترع؟ فلسفة النصر ركيزتها تجاوز المأساة خوفا من أن تصور على أنها هزيمة، وفلسفة هذا الانتصار أيضا تقديم الوهم على الفعل. فمن يقول بأننا عرضة للانتهاك وللقتل يقارب بقوله هذا الخيانة. على هذا النحو ممنوع علينا أن نجاهر بأن ثمة من يقتلنا، فكيف لنا أن نعترف بقدرة القاتل على القتل ونحن ندعي أننا انتصرنا؟

لسنا هنا بصدد الحديث عن هزيمة أو انتصار؛ ففي حالة الحرب على غزة لا معنى للاعتراف بهزيمة أو المجاهرة بانتصار.. المهم أن ثمة أطفالا قتلوا، وأن ثمة منازل دمرت، وحياة كانت ولم تعد، وهذا لا قيمة له في خطاب النصر المزعوم، وبهذا المعنى فإن القول إن هتلر هزم رغم قتله ما يزيد على 6 ملايين يهودي لا يصح إذا ما عرفنا عدد الألمان القتلى. كما أن عدد القتلى لا يهدف إلى قياس النصر أو الهزيمة بقدر ما يهدف إلى تقديم الثمن البشري والإنساني للحرب.

بهذا المعنى فإن الاحتفاء بانتصارات وهمية والتهليل للصواريخ هو لتمويه عجزنا عن خوض المعارك الأخلاقية مع إسرائيل والدفع باتجاه تحميلها ثمن قتلها أطفال غزة.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

552 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع