النكتة في العراق من الجاحظ حتى جلال الطالباني

       

النكتة في العراق من الجاحظ حتى جلال الطالباني
 
ظرف في بلد عبوس: لخالد القشطيني
لندن: عدنان حسين أحمد

صدر عن «دار المدى» بدمشق كتاب جديد للكاتب الساخر خالد القشطيني يحمل عنوان «الظرف في بلد عبوس». يتضمن الكتاب ثلاثين فصلا ممتعا، إضافة إلى قصيدة فكاهية ظريفة كتبها الشاعر غازي القصيبي خصيصا للقشطيني الذي جلس على عرش صدام حسين، بعد اختفائه طبعا، والتقط صورة بليغة أثارت خشية القصيبي عليه من «عدوى الطغاة وشهوة البطش»، فعارضها القشطيني بقصيدة لا تقل ظرفا وفكاهة من سابقتها.

أشار القشطيني في توطئته المقتضبة إلى أن الفكاهة تقتضي استعمال «الحوْشي والعامي من الكلام» كما ذكر الجاحظ غير مرة، لكن بعض مفردات المحكية العراقية يصعب فهمها على الأشقاء العرب، لذلك حوّل القشطيني الكاف المعجمة إلى قاف لكي تسهل على المتلقي عمليتي القراءة والفهم في آن معا.
يؤكد القشطيني أنه على الرغم من غنى العراق وثرائه الاقتصادي، فإن العراقيين يتصفون بالحزن والاكتئاب. ويعتقد أن سبب تقزيم النكتة أو قمعها يعود لسببين رئيسين؛ وهما: انعدام الديمقراطية، وغياب حرية الرأي والتفكير، كما يرى أن افتقار العراق إلى المسرح آنذاك قد حجّم من انتشار النكتة والفكاهة والموقف الساخر، فالمسرح هو الذي يعلم الكاتب أو المتحدث على التعامل مع الحوار، وتقطيع الجمل، وتوقيت إلقائها الذي يستفز المتلقي ويجعله يضحك على المواقف الكوميدية الساخرة. لم يذهب القشطيني في كتابه أبعد من العصر العباسي، وهذه لفتة ذكية من الكاتب لأن الفكاهة ترتبط بالتقدم والرقي والازدهار والحياة المدنية الرخية التي تسترخي فيها نفوس الناس، وتنشرح صدورهم للمواقف الفكهة، والنوادر البليغة. وقد أورد القشطيني أبرز الأسماء في هذا المضمار؛ مثل أبي نواس، وأبي العيناء، وابن الرومي، وأبي دلامة، ومن المحدثين الشاعر ملاّ عبود الكرخي، والمونولوجست عزيز علي. أما الجاحظ، فيعتبره القشطيني «بحر الفكاهة العربية» الذي تعلم فيه السباحة، وركب أمواجها الخطرة التي قد تفضي إلى ما لا يحمد عقباه. لقد وضع الجاحظ أسس الفكاهة والسخرية في أدبنا العربي، وأبدى جرأة كبيرة في رسالته المعروفة «مفاخرة الجواري والغلمان» التي ضمت «29» نادرة من الحكايات الجنسية والأدب المكشوف، فلا غرابة أن يتأثر به القشطيني وينحو على منواله في الكثير من قصصه وأعمدته الصحافية الساخرة. لا بد من التنويه أيضا إلى أن القشطيني قد نهل من «بحر الفكاهة الأنغلوساكسونية» برنارد شو الذي يعتبره معلمه الأمهر، ومرجعيته الأولى.
توقف القشطيني في كتابه عند مُجّان الكوفة وبغداد الذين كانوا يبيحون لأنفسهم كل شيء تقريبا، ومن أشهرهم أبو نواس، وبشار بن برد، ومسلم بن الوليد، ودعبل الخزاعي، وأبو الشمقمق، أما إمامهم طرا فهو أبو عبد الله الحسين بن أحمد البغدادي.
 لا يستطيع أحد أن ينكر شاعرية أبي نواس الذي ولد من أب دمشقي وأم فارسية في البصرة، ونشأ فيها، ثم انتقل إلى بغداد، كما عاش بعض الوقت في مصر. ويبدو أن هجنته، وتنقله في أكثر من مدينة هي التي أمدته برؤية حضارية متفتحة. تكشف غالبية قصائده عن شاعر ماجن يتوفر على روح خفيفة الظل، فلا غرابة أن يمعن في الظرف. وعلى الرغم من تهتك أبي نواس ومجنونه، فإنه كتب قصائد خالدة لا تغادر ذاكرة محبيه، مثل القصيدة التالية التي يقول في مطلعها  ((: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم))، إلى أن يقول في خاتمة هذه القصيدة المؤثرة التي تكشف عن ضعف الكائن البشري:
«ما لي إليك وسيلة إلا الرجا وجميل عفوك ثم إني مسلم».
لم يقتصر الظرف على المجون، وإنما امتد إلى الجوانب النحوية في علم اللغة، ولعل أبرز اللغويين الذين تردد اسمهم في الفكاهات اللغوية هو أبو علقمة النحوي الذي كان يتهكم من قواعد «المضمر والمستتر»، وله أبيات ظريفة في تأويل «قرقرة البطن».

   
 توقف القشطيني عند الشاعر أبي العيناء الذي اشتهر بسخريته، وحدة لسانه، لكن هذه الحدة لم تمنعه من استلهام روح المعري وأفكاره التأملية في الحياة على وجه التحديد، مثل قوله في هذين البيتين التاليين:
تولت بهجة الدنيا  فكل جديدها خلِقُ
وخان الناس كلهم  فما أدري بمن أثق
انتبه القشطيني إلى أن بعض الشعراء الظرفاء يهجون أنفسهم حينما لا يجدون شخصا يهجونه، وهذا ما فعله أبو دلامة حينما قال:
«ألا أبلغ إليك أبا دلامة
 فليس من الكرام ولا كرامة
 إذا لبس العِمامة كان قردا
 وخنزيرا إذا نزع العِمامة».
 وتوقف القشطيني أيضا عند العلاقة القوية بين الحكام والظرفاء، والظريف هنا قد يكون مهرجا أو مضحكا، أو متحامقا، ولكنه يتوفر على قدر كبير من البراعة والكياسة والبلاغة. وهؤلاء الناس يحتاجهم الملوك والحكام إما لتزجية الوقت أو للتخفيف من القلق وأعباء العمل.
 يفرق القشطيني بين جحا العربي «الفزاري» وجحا التركي المعروف بملا نصر الدين الذي ذاعت حكاياته ومواقفه الطريفة بين الناس، وربما تكون «حكاية جحا وابنه والحمار» أنموذجا واضحا يذكرنا بأن إرضاء الناس غاية لا تدرك. لا يقتصر الظرف على المهرجين والمتحامقين وإنما امتد إلى الحرفيين وعامة الناس، ولكن الفئة المثقفة تظل دائما الحاضنة المناسبة لهذا النمط من الفكاهة والسخرية كما هو الحال مع ملا عبود الكرخي، وميخائيل تيسي، ونوري ثابت، وعدد من الشعراء الكبار مثل محمد علي اليعقوبي والزهاوي الذي كان يسخر حتى من شكله، والمونولوجست عزيز علي، وغيره من المثقفين الفكهين الساخرين. وعلى الرغم من كثرة المبدعين الساخرين في العراق، فإن العراقيين ظلوا متجهمين يأخذون كل شيء مأخذ الجد، تنقصهم الرقة وروح الدعابة.
 تتبع القشطيني الفكاهة في تاريخ العراق المعاصر بدءا من الحكم الملكي، مرورا بالأنظمة الجمهورية المتعاقبة، وانتهاء بفخامة الرئيس جلال طالباني الذي كان يدون النكات، ويستمع إليها بشغف، وقيل إنه يرويها للمقربين منه بمتعة كبيرة حتى وإن كان هو موضوعها أو الشخص المستهدف فيها. كان نوري السعيد لا يجد حرجا في أن يستمع إلى الهتاف المشهور «نوري سعيد القندرة صالح جبر قيطانة». أما الرئيس عبد السلام عارف، فكانت حياته مليئة بالمفارقات والمواقف الفكاهية، فلا غرابة أن ينصبوا موظفا خاصا لمراجعة خطاباته وأحاديثه السياسية لكي يغربلها من الهَنَات والتوصيفات الجارحة، وذات مرة قال عن رئيس دولة حل ضيفا عنده إن «رأسه يشبه رأس الثور»! وحينما زاره ملك اليمن خاطبه قائلا وسط دهشة الأخير وذهوله: «إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة».

أما النكات التي قيلت عن صدام حسين وعزت الدوري، فهي كثيرة بمكان ولا يمكن حصرها في هذه المساحة الضيقة، ولا شك في أن بعضها من فعل المخيلة الشعبية التي تنتقم من مضطهديها بطريقة خاصة، لكن تبقى نكات الرئيس العراقي جلال الطالباني، سواء له أو عليه، هي الأكثر حضورا في الساحة العراقية. بقي أن نقول إن هذا الكتاب الشائق محتشد بالنوادر والطرف والنكات الجميلة، وقد قدمها القشطيني بأسلوب جميل يأخذ بتلابيب القارئ العربي الذي لم يعتد هذا النمط من الكتابة الإبداعية التي تنطوي على قدر كبير من السخرية والفكاهة والكلام الظريف.
المصدر – الشرق الاوسط

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

514 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع