الزيدي: العراق كان على أعتاب الحصار والعزلة الدولية

العرب/بغداد – كشف رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي أن بلاده كانت على بُعد أيام من مواجهة حصار وعزلة دولية، مع احتمال مغادرة سفارات أجنبية، قبل أن تتمكن حكومته من تجاوز ما وصفه بالخطر.

ويضع هذا التصريح ملف العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة في صدارة المشهد السياسي العراقي، رابطا بين ضبط السلاح واستعادة ثقة العواصم الغربية، في وقت تواجه فيه بغداد ضغوطا إقليمية وتحديات اقتصادية متشابكة.

وقال الزيدي، في مقابلة مع قناة "العراقية" مساء الجمعة، إن "العراق كان مهددا بالحصار ومغادرة السفارات"، مضيفا أن حكومته نجحت في تجنيب البلاد عزلة دولية كانت، وفق تقديره، تفصلها عنها أيام قليلة.

وأوضح أن المجتمع الغربي كان ينظر إلى العراق باعتباره دولة خاضعة لنفوذ جماعات مسلحة، معتبرا أن تغيير هذه الصورة كان ضروريا لتفادي تداعيات سياسية واقتصادية أوسع.

ولم يقدم خلال المقابلة تفاصيل علنية عن الدول التي كانت تستعد لاتخاذ إجراءات أو طبيعة التحذيرات التي استند إليها في تقديره. لم يكشف رئيس الوزراء عن الدول التي كانت تستعد لاتخاذ إجراءات ضد بغداد، أو طبيعة التحركات التي استند إليها في تقدير قرب فرض الحصار أو مغادرة السفارات.

ربط الزيدي تجاوز خطر العزلة الدولية بملف حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، معلنا أن حكومته أنجزت التفاهمات بشأن السلاح مع ثلاثة فصائل، فيما تتفاوض لاستكمالها مع أربعة أخرى، وحدد 30 يونيو 2027 موعدا نهائيا مستهدفا لإنهاء وجود السلاح خارج إطار الدولة.

وشدد على أن حصر السلاح "قرار نهائي لا رجعة عنه"، مستخدما عبارة تلخص رؤيته للعلاقة بين الدولة والتشكيلات المسلحة "العراق دولة لديها فصائل وليس فصائل تمتلك دولة".

وربط الزيدي إنهاء ملف السلاح أيضا بانتفاء المبررات التي استندت إليها فصائل مسلحة في الاحتفاظ به، قائلا إن انتهاء وجود القوات الأجنبية يعني انتفاء أحد المبررات التي كانت تُطرح لحمل السلاح خارج إطار الدولة.

وأكد عدم وجود أي جندي أميركي في العراق، حتى بصفة مستشار، كما أعلن وجود تفاهمات لمغادرة القوات التركية وتسليم قاعدة بعشيقة إلى الجيش العراقي. وتحدث كذلك عن تفاهمات مع قوات اليبشة بشأن تسليم جبل سنجار وانخراط عناصرها في الحشد الشعبي.

وتأتي هذه التعهدات بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق، في 30 سبتمبر 2026، وانتقال التعاون الأمني إلى ترتيبات ثنائية.

وكان الزيدي قد أعلن سابقا تمديد المهلة الخاصة بحصر السلاح من نهاية سبتمبر إلى يونيو 2027، في ظل استمرار المفاوضات مع الفصائل.

لكن المسار لا يزال يواجه عقبات، فقد أعلنت فصائل موالية لإيران أنها غير ملزمة بالجداول الزمنية الحكومية، مؤكدة أن المفاوضات لم تسفر عن اتفاق نهائي.

وفي المقابل، منح الإطار التنسيقي الحكومة دعما سياسيا لاستكمال المهمة ضمن المهلة الجديدة. ويعني ذلك أن تحقيق التعهد لا يتوقف على القرار الحكومي وحده، بل على التوصل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ مع القوى المسلحة المعنية.

وفي الشق الإقليمي، حذر الزيدي من أن إغلاق الحدود العراقية الإيرانية لا يخدم مصالح أي من البلدين، قائلا إن إغلاقها سيؤدي إلى محاصرة العراق اقتصاديا. ويعكس هذا الموقف حساسية العلاقة بين بغداد وطهران، التي لا تقتصر على الروابط السياسية والأمنية، بل تشمل تجارة واسعة وإمدادات طاقة يعتمد عليها العراق في تلبية جانب من احتياجاته.

وتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 10 مليارات دولار في عام 2025، وفق أرقام رسمية نقلتها رويترز، فيما يدفع العراق نحو 4 إلى 5 مليارات دولار سنويا مقابل واردات الغاز الإيراني المستخدم في توليد الكهرباء، وفق مسؤولين عراقيين في قطاع الطاقة.

وتراجعت التجارة خلال عام 2026 بعد اندلاع الحرب الإقليمية، مع اضطراب المعابر وارتفاع تكاليف النقل ومخاطر الشحن.

وتضع هذه الأرقام بغداد أمام معادلة صعبة: الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع إيران، وتجنب تداعيات أي إجراءات أميركية قد تطال التعاملات المالية، خصوصاً أن العراق يعتمد بدرجة كبيرة على النظام المالي المرتبط بالدولار في إدارة عائداته النفطية ومعاملاته الخارجية.

وفي هذا السياق، لا يعني رفض إغلاق الحدود تخفيف الالتزامات الأمنية العراقية، فالرهان الحكومي يتمثل في منع استخدام الأراضي العراقية منطلقا لهجمات ضد دول الجوار، دون قطع العلاقات التجارية التي قد يؤدي تعطيلها إلى ضغوط إضافية على الأسواق المحلية والإمدادات الأساسية.

وأكد الزيدي أن العراق لن يشارك في أي حرب، وسيبقى " لقاء بين الأطراف"، مشيراً إلى وجود تفاهمات بشأن انسحاب القوات التركية وتسليم قاعدة بعشيقة للجيش العراقي، فضلا عن ترتيبات تتعلق بجبل سنجار وقوات البيشمركة.

على الصعيد الداخلي، وصف الزيدي الفساد بأنه تحول لدى بعض الأطراف إلى "منظومة وثقافة"، مؤكدا أن مواجهته أساس بناء الدولة.

وقال إن مكافحة الفساد قد تكلفه خسارة أقرب أصدقائه، لكنه شدد على استمرار المعركة، مشيرا إلى أن حكومته تمكنت، بحسب تقديره، من إضعاف الظاهرة خلال خمسة أشهر.

وأوضح أن السلطات أخضعت العقود للتدقيق قبل توقيعها، بهدف منع المخالفات بدلاً من الاكتفاء بملاحقتها بعد وقوعها، كما تحدث عن استرداد أموال عُثر عليها في أماكن متعددة. وأكد أن التعامل مع ملفات الفساد لن يخضع للانتماءات الطائفية أو القومية أو السياسية.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية في ظل ارتباط مكافحة الفساد بقدرة العراق على جذب الاستثمارات وتحسين إدارة المال العام. غير أن الانتقال من التعهدات إلى النتائج يتطلب نشر بيانات واضحة بشأن الأموال المستردة، والإجراءات القضائية المتخذة، وآليات الرقابة على العقود الحكومية، بما يسمح بقياس النتائج بعيداً عن التصريحات العامة.

اقتصاديا وخدميا، أعلن الزيدي أن توزيع مليون قطعة أرض مجانية ومخدومة سيبدأ في نهاية عام 2027، موضحا أن المشروع يستهدف توفير السكن لنحو ستة ملايين مواطن، عبر تخصيص الأراضي للعائلات التي لا تمتلك عقارات والتحقق من الأهلية بواسطة منصة إلكترونية.

وكشف أيضا عن توجه لإنشاء مدن عصرية تضم بحيرات وملاعب غولف ومرافق متطورة، على أن يتولى "صندوق الأجيال" تطوير أراضي المدن الجديدة واستثمار عوائد بيعها.

كما أعلن خططا لتوزيع أراض زراعية بمساحات تتراوح بين 20 و30 دونما لكل عائلة، ضمن ما وصفه بالتوجه نحو اقتصاد رأسمالي يحافظ على الحماية الاجتماعية.

لكن تنفيذ هذه الوعود يتطلب أكثر من تخصيص الأراضي، إذ يستدعي توفير شبكات المياه والكهرباء والطرق والخدمات، إلى جانب ضمان شفافية آليات التوزيع وتوافر التمويل اللازم. كما أن إنشاء مدن جديدة واستثمار أراضيها يحتاج إلى خطط واضحة تمنع تحول المشاريع إلى إعلانات لا تنعكس على الواقع المعيشي للمواطنين.

تجمع تصريحات الزيدي بين ثلاثة ملفات مترابطة: حصر السلاح، وحماية التوازنات الاقتصادية والإقليمية، وتحسين أداء الدولة ومكافحة الفساد.

وتراهن الحكومة على أن إحراز تقدم فيها سيعزز ثقة المجتمع الدولي، ويتيح للعراق الحفاظ على علاقاته مع واشنطن وطهران ودول الخليج دون الانجرار إلى صراعات المنطقة.

غير أن الحديث عن اقتراب الحصار والعزلة الدولية يظل، في غياب تفاصيل تكشف طبيعة التهديدات، تقديرا منسوبا إلى رئيس الوزراء. أما ما يمكن قياسه فعليا خلال المرحلة المقبلة، فهو مدى التقدم في تنفيذ جدول حصر السلاح، واستمرار التجارة والطاقة، والنتائج الملموسة لخطط مكافحة الفساد والإسكان.

وبين التحذير من العزلة والتعهد بإعادة ضبط السلاح وإطلاق مشروعات التنمية، يواجه الزيدي اختبارا يتجاوز كسب الثقة السياسية إلى إثبات قدرة الحكومة على تحويل التزاماتها إلى نتائج قابلة للتحقق ضمن المواعيد التي أعلنتها.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1507 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع