
إيلاف من لندن: ثمة أشياء لا تبقى في الوطن حين نسافر. اللهجة، مثلاً،وعلاقتنا بالوقت، ومقدار ما نراه مناسباً من البقشيش، وحتى تصورنا الغامض لما ينبغي أن تكون عليه الإجازة: مغامرة في البرية أم كرسياً جيداً لا يتحرك كثيراً قرب المسبح؟
ولهذا تبدو استطلاعات «طبائع السياح» شديدة الإغراء. فهي تمنح الجوازات شخصيات، وتحوّل قاعة الوصول إلى ما يشبه اختباراً اجتماعياً واسعاً: الياباني يدخل بأدبه، والأميركي بمحفظته، والألماني مستعد، على ما يبدو، لأن يحوّل الإجازة إلى نشاط بدني.
هذا تقريباً ما خلص إليه استطلاع أجرته منصة SafariBookings.com، وعرضت نتائجه TravelPulse Canada في 31 أغسطس 2026. سأل الاستطلاع 192 من منظمي الرحلات عن الجنسيات التي تبرز، من وجهة نظرهم، في خمس فئات: التهذيب، والبقشيش، والإنفاق، والمغامرة، والاهتمام بالطعام.
أي أنها مرآة مسلية، وربما كاشفة؛ لكنها ليست محكمة استئناف في الأخلاق القومية.
اليابانيون يأخذون التهذيب معهم
في فئة التهذيب، تصدّر المسافرون اليابانيون النتائج بحصولهم على 21.1 في المئة من إجابات منظمي الرحلات.
وجاء النرويجيون بعدهم بنسبة 10.6 في المئة، ثم السويسريون بـ10.4 في المئة. وحل الكنديون رابعاً بنسبة 9.2 في المئة، يليهم الأميركيون بـ8.7 في المئة.
ليست النتيجة غريبة تماماً على الصورة الثقافية الشائعة عن اليابان، حيث تحتل قواعد التعامل مع الآخرين مساحة كبيرة في الحياة اليومية. غير أن الاستطلاع لا يخبرنا، في الحقيقة، لماذا اعتُبر سائح ما مهذباً: هل لأنه يصغي إلى المرشد؟ يحترم الوقت؟ لا يرفع صوته؟ أم يعرف متى لا يقترب أكثر من اللازم من أسد منشغل بأموره؟
وهنا تبدأ مشكلة هذه القوائم ومتعتها في آن واحد: كلمة واحدة مثل «التهذيب» تستطيع أن تحمل نصف ثقافة داخلها.
أما المال... فيعرف الطريق الأميركي
عندما انتقل السؤال إلى البقشيش، أصبح الفارق أوضح.
الأميركيون حصلوا على 29.5 في المئة من الترشيحات بوصفهم أفضل مقدمي البقشيش، يليهم الألمان بـ13.1 في المئة، ثم الكنديون بـ10 في المئة.
ومن يعرف علاقة الولايات المتحدة بالبقشيش لن يحتاج إلى تفسير طويل. ما يبدأ في المطعم باعتباره عرفاً اجتماعياً، يسافر بسهولة إلى الفندق وسيارة الأجرة والرحلة المنظمة.
وفي الإنفاق أيضاً بقي الأميركيون في الصدارة، إذ حصلوا على 24 في المئة من إجابات منظمي الرحلات، فيما تعادل الألمان والكنديون في المركز التالي بنسبة 12.8 في المئة لكل منهما.
أي أن السائح الأميركي، بحسب هذه العينة، لا يكتفي بأن يفتح المحفظة؛ بل يتركها مفتوحة قليلاً.
الألماني لا يبدو مقتنعاً بأن الإجازة مرادف للكسل
في فئة المغامرة، انتقلت الصدارة إلى ألمانيا.
اختار 21.1 في المئة من منظمي الرحلات الألمان بوصفهم الأكثر ميلاً إلى المغامرة، ثم الفرنسيين بنسبة 17.8 في المئة، والهولنديين بـ11 في المئة. وجاء الكنديون في المرتبة الثامنة بـ6.3 في المئة.
وهذه واحدة من تلك النتائج التي تجعل الصورة النمطية تبدو راضية عن نفسها: حتى حين يذهب الألماني في إجازة، ثمة احتمال أن يكون في جدول اليوم شيء يتطلب حذاءً مناسباً.
لكن الأكثر إثارة ربما ظهر عند المائدة.
ففي تصنيف المسافرين الأكثر اهتماماً بالطعام، جاءت الهند أولاً بنسبة 18.7 في المئة، ثم اليابان بـ17.5 في المئة، وفرنسا بـ12.4 في المئة، تليها الصين بـ12.3 في المئة.
وهذا الجانب تحديداً يستحق الانتباه؛ لأن الطعام يتحول تدريجياً من تفصيل في الرحلة إلى أحد أسباب القيام بها أصلاً.
والسائح الخليجي؟
بالنسبة إلى القارئ الخليجي، هناك اسم لافت لم يظهر في النتائج المنشورة للاستطلاع: السائح الخليجي نفسه.
ولا تسمح البيانات المتاحة بأن نمنحه، من باب المجاملة المحلية، لقب الأكثر سخاء أو تهذيباً أو مغامرة. فالاستطلاع لا يقدم أساساً لذلك.
لكن غيابه عن التصنيف لا يعني غيابه عن صناعة السفر.
فبيانات المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون تشير إلى أن عدد السياح المغادرين من دول المجلس بلغ نحو 38.7 مليوناً في 2025، ما يجعل المنطقة سوقاً مهمة بالنسبة إلى الوجهات الدولية وشركات الطيران والفنادق.
واللافت في البيانات الأحدث ليس حجم السفر وحده، بل بعض التفاصيل المتعلقة بطريقة الإنفاق واختيار التجارب.
فبحسب تحليل لـMastercard Economics Institute، ارتفعت حصة الطعام والمطاعم إلى 18 في المئة من إنفاق المسافرين الخليجيين، بعدما كانت أقل من 12 في المئة في 2019. كما سجلت وجهات آسيوية، بينها اليابان وتايلاند، اهتماماً متزايداً من مسافري المنطقة.
لا يعني ذلك أن الخليجي تخلّى فجأة عن الفندق الفاخر أو التسوق؛ ومن المبكر إعلان وفاة شارع الماركات.
لكن الصورة تبدو أوسع من ذلك.
مؤشرات Skyscanner لعام 2026 في السعودية والإمارات، مثلاً، تظهر اهتماماً واضحاً بالسفر العائلي، إلى جانب الطعام المحلي والإقامات التي تشكل جزءاً من التجربة نفسها، بل وحتى زيارة الأسواق ومتاجر البقالة المحلية.
في السعودية، قال 38 في المئة ممن شملهم الاستطلاع إنهم يخططون للسفر مع العائلة، فيما أبدت نسب متقاربة اهتماماً بالمشي واستكشاف الأسواق المحلية. وفي الإمارات، قال 41 في المئة إنهم يعتزمون تجربة الطعام المحلي أثناء السفر، وهي النسبة نفسها تقريباً التي تخطط للسفر العائلي.
هذه المؤشرات لا تكفي، بطبيعة الحال، للحديث عن «سائح خليجي جديد»، كما أنها لا تعني تراجع الاهتمام بالفنادق الراقية أو التسوق. لكنها تكشف عن سوق سفر تبدو خياراته أكثر تنوعاً مما توحي به الصورة التقليدية.
فإلى جانب الإنفاق المرتفع والسفر العائلي، تتقدم عناصر أخرى في قرارات الرحلة: الطعام المحلي، والتجارب المرتبطة بالوجهة، والأنشطة الخارجية، إلى جانب اهتمام متزايد ببعض الوجهات الآسيوية.
وإذا كان استطلاع SafariBookings قد وزع ألقابه بين اليابانيين في التهذيب، والأميركيين في البقشيش والإنفاق، والألمان في المغامرة، فإن البيانات المتاحة عن الخليج لا تمنح مسافريه لقباً مماثلاً ـ ولا تحتاج إلى ذلك.
ما تقوله الأرقام، بصورة أكثر فائدة، هو أن المسافر الخليجي يمثل سوقاً كبيرة، وأن ما يبحث عنه أثناء السفر أصبح أكثر تنوعاً. أما موقعه على قائمة «أفضل السياح»، فربما يحتاج إلى استطلاع آخر.

1236 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع