فنجان قهوة / الأستاذ الدكتور نزار الربيعي: من ذاكرة العراق الى اسئلة الانسان رحلة كاتب عربي بين الفلسفة والتاريخ

 فنجان قهوة /الأستاذ الدكتور نزار الربيعي: من ذاكرة العراق الى اسئلة الانسان رحلة كاتب عربي بين الفلسفة والتاريخ


عبر فضاء الثقافة والفكر، حيث تتقاطع صفحات التاريخ بأسئلة الحاضر وآفاق المستقبل يسعد مجلة الگاردينيا الثقافية، ضمن فقرتها المميزة (فنجان القهوة) أن تستضيف شخصية أكاديمية وفكرية عراقية متميزة، جمعت بين عمق المعرفة وتنوع الاهتمامات واتساع التجربة العلمية والثقافية، هو الدكتور نزار الربيعي، أستاذ العلاقات الدولية والتاريخ والفلسفة.

ضيفنا اليوم أستاذ وباحث أغنى المكتبة العلمية والفكرية بالعديد من البحوث والدراسات المنشورة، وشارك في الندوات والمؤتمرات والفعاليات الأكاديمية، فضلاً عن عضوياته وأنشطته في عدد من المنظمات والاتحادات الدولية، وما يمثله ذلك من حضور فاعل في ميادين الفكر والمعرفة والحوار الثقافي.
للدكتور الربيعي اهتمامات بحثية متعددة تمتد بين العلاقات الدولية والتاريخ والفلسفة كما تناول في كتاباته ودراساته موضوعات مهمة، من بينها الرؤى القانونية والتاريخية من كتابات المستشرقين، حوار الحضارات،دراسات في تاريخ الصين الحديثة والمعاصرة، وغيرها من القضايا التي تعكس فضوله المعرفي ورغبته الدائمة في استكشاف الحضارات والأفكار والتحولات التي أسهمت في تشكيل عالمنا.

فنجان قهوتنا اليوم سيكون فرصة للوقوف عند محطات من مسيرته الفكرية والمعرفية، والتعرف إلى رؤيته في قضايا التاريخ والفلسفة وموسوعة الطب النبوي فضلاً عن اهتماماته ودراساته التي عبرت حدود الجغرافيا والثقافات.
فأهلاً وسهلاً بالدكتور نزار الربيعي، ولنبدأ معه حوارنا بسؤال عن بدات الشغفك بالمعرفة وكتب التي غيرت طريقة تفكيرك؟
البداية كانت عندما دخلت مرحلة الدراسات العليا في مرحلة الماجستير. اما عن الكتب فكتاب (الانسان يبحث عن معنى) لفيكتوريا فرانك لانه لم يضيف الى معلوماتي بقدر ما غير نظرتي الى الحياة: فالانسان قد لا يملك دائما تغيير ظروفة، لكنة يملك اختيار موقفة منها.
- لو وضعنا امامك اليوم ثلاث كتب، كتاب في الفلسفة وكتاب في التاريخ وكتاباً في الطب والتداوي بالاعشاب، ايهما ستلتقط اولاً؟ ولماذا؟
= سالتقط كتاب الفلسفة اولاً: لان التاريخ يخبرني بما حدث والطب يعلمني كيف اداري الجسد، أما الفلسفة فتدفعني الى السؤال، لماذا حدث؟ وكيف افهم الانسان والحياة؟ فهي لا تمنحني اجوبة جاهزة بقدر ما تعلمني كيف اصنع السؤال الصحيح.
- ما الفرق بين المثقف الذي يمتلك معلومات كثيرة والمفكر الذي يمتلك رؤية.
= المثقف يجمع المعرفة ويفهمها، اما المفكر فيعيد بناءها ويمنحها معنى واتجاها، المثقف يعرف كثيرا من الاجوبة، بينما المفكر يمتلك القدرة على صياغة الاسئلة التي لم تطرح بعد فالمعلومات تملأ الذاكرة، أما الروية فتصنع موقفا من الانسان والحياة المستقل.
- هل هناك كتاب من كتبك تشعر انه يمثل شخصيتك الفكرية اكثر من غيره؟
نعم. هناك كتاب شعر انه الاقرب الى شخصيتي الفكرية: ليس لانه الافضل بين كتبي، بل لانه يحمل طريقتي في النظر الى الانسان والتاريخ والحياة، ففيه لم أكن انقل المعرفة فقط، بل كنت اصيغ رؤيتي واسئلتي وقناعاتي بين السطور، ولذلك اراه الكتاب الذي يشبهني اكثر من غيره انه (حوار الحضارات في هذه الالفية).
- اي مولفاتك كنت اكثر قلقاً عند نشرها ولماذا؟
= نعم .. انه كتاب ايران بين مطرقة امريكا وسندان الاسرة الهلوية. لق من انتشار كتاب «إيران بين مطرقة أمريكا وسندان الأسرة البهلوية» يمكن فهمه بوصفه قلقاً نابعاً من حساسية الموضوع الذي يتناوله؛ فالكتاب يقترب من واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في التاريخ السياسي الإيراني، ويضع العلاقة بين الداخل الإيراني والتأثير الأمريكي وتجربة الأسرة البهلوية في إطار تحليلي قد يثير النقاش والاختلاف في التفسير.
غير أن انتشار الكتاب يمثل في الوقت نفسه قيمة علمية للباحث والمؤلف؛ لأن الكتاب موثق فعلاً في الفهارس العراقية، ومنها فهرس مكتبة دائرة البحوث النيابية في مجلس النواب العراقي كما يظهر في السجل الببليوغرافي للمكتبة الوطنية العراقية باسم المؤلف نزار كريم جواد الربيعي.
لذلك فإن انتشار الكتاب لا ينبغي النظر إليه بوصفه مصدر قلق بقدر ما هو دليل على انتقاله من ملكية المؤلف الفكرية الخاصة إلى فضاء المعرفة والنقاش العام؛ فالكتاب الذي ينتشر هو الكتاب الذي يبدأ تأثيره الحقيقي، وتصبح قيمته فيما يثيره من قراءة وحوار ونقد، لا في بقائه بعيداً عن القارئ
- هل تكتب لان لديك ما تقولة، او لان لديك اسئلة لاتستطيع التخلص منها؟
= اكتب لسببين، لكن الاسئلة هي البداية دائما، فما اقوله اليوم قد يكون جوابا مؤقتاً أما السؤال الحقيقي فيظل يلاحقني ويدفعني الى البحث والكتابة، لذلك ارى ان الكتابه ليست تخلصاً من الاسئلة، بل طريقة جميلة للعيش معها ومحاولة فهمها.
- ما الموضوع الذي تشعر انك لم تقل فيه كلماتك الاخيرة بعد.
= الانسان وعلاقتة بالسلطة والتاريخ: فمازلت اشعر ان في هذا الموضوع اسئلة لم تجب بعد، كلما تعمقت فيه اكتشفت ان الكلمة الاخيرة بعيدة، لانه الانسان نفسة يظل اكبر من كل تفسير.
- هل هناك كتاب تنتمي لو اعدت كتابته اليوم من جديد .
= نعم كتاب (الوثائق العربية في ارشيفات اوربا) بل هناك كتب اتمنى لو اعدت كتابتها اليوم ليس لانني نادم عليها، بل لانني لم اعد الشخص نفسه الذي كتبها، فكل تجربة جديدة تغير زاوية النظر، ولو عدت اليها اليوم لكتبتها بعمق اكبر واسئلة اكثر ونبره اقل يقينا.
- مالذي يزعج الدكتور نزار في المثقف العربي اليوم؟
= يزعجني في بعض المثقفين العرب الادعاء اكثر من المعرفة والانحياز اكثر من النقد والبحث عن الظهور اكثر من البحث عن الحقيقة فالمثقف الحقيقي لا يقاس بعدد ما يقرأ، بل بقدراته على ان يكون حرا في تفكيرة شجاعاً في نقدة، ومستعداً لمراجعة افكارة عندما يكتشف انه أخطأ.
- هل حضرتك قارئ اكثر ام كاتب اكثر؟
= انا قارئ قبل ان اكون كاتباُ، لأنه الكتابه التي لا تكفيها قراءة عميقة سرعان ما تجف، اقرأ لافهم وأتساءل واكتب حين اشعر ان القراءة ولدت في داخلي فكرة تستحق ان تقال .
- عندما تكون وحدك، هل تميل الى الفلسفة ام التاريخ ام السياسة؟
= عندما اكون وحدي اميل الى الفلسفة اكثر لانها تمنحني مساحة للتأمل وطرح الاسئلة، بينما اعود الى التاريخ لفهم ما حدث والى السياسة لفهم ما يحدث، اما الفلسفة فتساعدني على التفكير في لماذا يحدث كل ذلك، والى اين يعود الانسان.
- ما العادة التي لا تستطيع الكتابة من دونها.
= الهدوء والعزلة، فلا استطيع ان اكتب وسط الضجيج احتاج الى لحظة انفصل فيها عن العالم قليلاً، لا اسمع الفكرة وهي تتشكل في داخلي قبل ان تتحول الى كلمات.
- هل لديك كتاب تقرأه كل فترة وكأنك تكتب من جديد.
= نعم (مقدمة ابن خلدون) اعود اليها بين فترة واخرى وفي كل مرة اكتشف فيها معنى جديداً، فالكتب العظيمة (والعظمة لله) لا تتغير، لكننا نحن الذين نتغير ولذلك نقرأها في كل مرحلة بعين مختلفة.
- ما الشخصية التاريخية التي كنت تتمنى ان تجلس معها على فنجان قهوة؟
= ابن خلدون كنت اتمنى ان اجلس معه على فنجان قهوة، واسألة لورأيت عالمنا اليوم هل ستغير شيئاً في نظريتك عن قيام الدول وسقوطها ام ستجد ان التاريخ مازال يعيد نفسة بأسماء جديدة.
- من الفيلسوف الذي كنت ستختلف معه بشدة.
= ربما نيتشه، كنت ساختلف معه بشدة في نظرته الى القوة والانسان والاخلاق، لكنني ساستمتع بالحوار معه، لان اجمل الاختلافات هي التي تجبرك على اعادة فحص افكارك لا التي تجعلك ترفع صوتك.
- لو استضفنا ثلاث شخصيات على طاولة واحدة، فيلسوفا ومؤرخاً وسياسياً من تختار ومال السؤال الذي تطرحة عليهم؟
= اختار ابن رشد فيلسوفاً، وابن خلدون مؤرخاً، ونيلسون مانديلا قائدا سياسياً، وسأطرح عليهم سؤالاً واحداً: كيف تبني دولة يحكمها العقل، وتتعلم من التاريخ، ولا تفقد انسانيتها وهي تمارس القوة.


الفلسفة والانسان
- برأي حضرتك لماذا يحتاج الانسان المعاصر الى الفلسفة وهو يعيش عصراً نظن فيه ان التكنولوجيا تستطيع ان تجيب على كل شيء.
= لان التكنولوجيا تستطيع ان تجيبنا عن كيف نفصل الاشياء لكنها لا تستطيع وحدها ان تقرر لماذا نفعلها، وهل ينبغي ان نفعلها اصلاً، هنا نبدأ الفلسفة فهي لا تنافس التكنولوجيا في تقديم الاجوبة، بل تحرس الانسان من تمليك قدرة هائلة من دون حكمة توازيها.
- هل الفلسفة قادرة على تغيير الواقع ام انها تكتفي بتفسيرة.
= الفلسفة تبدأ بنفسير الواقع، لكنها لا تتوقف عنده، لانها حين تغير طريقة تفكير الانسان فانها تغير قراراته ومواقفة، ومن ثم تغير الواقع، فكل تحول كبير يبدأ بطريقة ما، من فكرة رفضت ان تتصالح مع الواقع كما هو.
- ايهما اخطر على الانسان: ان يعيش بلا فلسفة ام ان يعيش بفلسفة خاطئة.
= ان يعيش بفلسفة خاطئة اخطر لأن من لا يملك فلسفة قد يبحث يوماً عن طريق، اما من يؤمن بفكرة خاطئة ويظنها حقيقية فقد يسير بثقة في الاتجاه الخطأ، وربما يقود الاخرين معه، فالجهل قد يتردد، اما الوهم حين يتحول الى عقيدة فانه يمشي واثقاً.
- هل مازال الانسان في عصرنا يبحث عن الحقيقة ام اصبح يبحث عما يوافق قناعاته فقط.
=اخشى ان كثير من الناس لم يعودوا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عما يؤكد قناعاتهم، فالانسان يميل بطبيعته الى ما يطمئنة، لكن عصر الخوارزميات ضاعف هذا الميل لذلك اصبحت شجاعة التفكير اليوم هي ان تقرأ ما يخالفك، وان تكون مستعداً لتغيير رئيك عندما تكون الحقيقة في الجهة الاخرى.
- هل تعتقد ان الفلاسفة العرب والمسلمين اخذو حقهم في تاريخ الفلسفة العالمية، ام ان هناك ظلماً معرفياً طالهم.
=اعتقد ان هناك ظلماً معرفياً واضحاً طال الفلاسفة العرب والمسلمين بوصفهم مجرد ناقلين للفسلفة اليونانية، مع انهم كانوا نقاداً ومجددين ومنتجين للاسئلة والمفاهيم.
يكفي ان نتأمل الفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون لندرك اننا امام مشاريع فكرية اصلية، لا مجرد حلقة ترجمة، والانصاف الحقيقي لهم يكون باعادتهم الى تاريخ الفكر الانساني بوصفهم صانعي فلسفة، لا حراساً لتراث غيرهم.

التاريخ يعيد تفسه
- يقال ان التاريخ لا يعيد نفسة، لكن البشر يعيدون اخطائهم الى اي حد تتفق مع هذه العبارة.
= اتفق معها الى حد كبير، فالتاريخ لا يعيد نفسة حرفياً، لأن الازمنة والظروف تتغير لكن الطبيعة البشرية كثيراً ما تعيد انتاج الاخطاء ذاتها باشكال جديدة، تتغير اسماء الحروب والحكام والازمات بينما يبقى الطمع والخوف والتعصب وسوء تقدير القوة حاضرين، لذلك نحن لا نقرأ التاريخ لنعرف الماضي فقط، بل لكي لا نمنحة فرصة ان يتكرر فينا.
- هل تقرأ التاريخ كي نفهم الماضي، ام لكي نكتشف لماذا مازلنا نكرر الماضي؟
= نقرأ التاريخ للغرضين معاً، لكن الاعمق هو ان نقرأه لكي نفهم لماذا يتكرر، فالماضي لا يعود بالصورة نفسها، لكن الانسان كثيراً ما يعيد انتاج اسبابه: الطمع في السلطة، والخوف، والتعصب، وسوء تقدير القوة ونسيان الدروس السابقة، تتغير الاسماء والحدود والتقنيات بينما تبقى بعض الدوافع البشرية متشابهة.
لذلك فالتاريخ ليس مجرد سجل لما حدث بل مختبر لفهم الانسان، ومن يقرأه للحفظ الوقائع يعرف الماضي، اما من يقرأه ليكتشف الانماط والاسباب والنتائج، فأنه يفهم الحاضر وربما يستطع استشراق المستقبل ولهذا يمكن القول: نحن لانقرأ التاريخ لان الماضي انتهى بل لانه جزءاً منه مازال يعيش في قراراتنا وافكارنا واخطاؤنا.
- اين يقع الفرق بين التاريخ كما حدث والتاريخ كما كتب؟.
=التاريخ كما حدث ملك الماضي اما التاريخ كما كتب فهو حوار الحاضر مع الماضي، ولذلك فمهمة المؤرخ ليست ان يصدق الرواية بل ان يسأل دائماً: من كتبها؟ ولماذا؟ ومالذي سكت عنه؟
- هل هناك احداث تاريخية كبرى مازالت تقرأ بعين سياسية اكثر مما تقرأ بعين علمية.
= نعم هناك احداث كبرى مازالت تقرأ سياسياً اكثر من قراءتها علمياً خصوصاً تلك المرتبة بالهوية والسلطة، المشكلة ليست في تعدد التفسيرات بل في انتقاء الوثائق لخدمة موقف مسبق، فالمؤرخ الحقيقي يسأل: ماذا حدث ولماذا؟ لا: كيف اثبت صحة رؤيتي.

من كتاب المستشرقين
- في كتابك والرؤى القانونية والتاريخية من كتابات المستشرقين، تقترب من كتابات المستشرقين لا بوصفها مجرد مصادر تاريخية، وانما بوصفها رؤى تحتاج الى قراءة ونقد، مالذي يمكن ان تتعلمة من المستشرق ومالذي ينبغي ان نحذر منه؟
= يمكن ان نتعلم من المستشرقين دقة التوثيق والاهتمام بالمصادر والنظر الى تاريخنا من زاوية مختلفة قد تكشف ما الا نراه من الداخل لكن ينبغي ان نحذر من التحيزات الفكرية والسياسية والصور النمطية التي حملتها بعض الكتابات الاستشراقية، لذلك دعوت في الكتاب الى الا نرفض الاستشراق كله ولا نقبله كله، بل نقرأه بعقل نقدي، نأخذ منه الوثيقة والمعرفة ونناقش الرؤية والتفسير.
- هل كان الاستشراق مجرد مشروع معرفي لدراسة الشرق، ام كان في بعض مراحلة مرتبطا بالمشروع السياسي والاستعماري الغربي.
= لم يكن الاستشراق مشروعاً معرفياً خالصاً في جميع مراحلة. فقد قدم دراسات ولغات ووثائق مهمة، لكنة ارتبط في بعض مراحلة بالمصالح السياسية والاستعمارية والغربية.
لذلك ينبغي التمييز بين المستشرق الباحث عن المعرفة والاستشراق حين يتحول الى اداة لفهم الشرق من اجل التأثير فيه او السيطرة عليه.
- هل المشكلة في المستشرق نفسه ام في الطريقة التي نتعامل بها نحن مع ما كتبه المستشرقون.
= المشكلة ليست في المستشرق وحدة، بل احياناً في طريقة قرائتنا له، فالخطأ ان نرفض كتاباته كلها لانها استشراقية او نقبلها كلها لأنها غربية.
المطلوب قراءة نقدية تميز بين المعلومات والتفسير وبين البحث العلمي والتحيز الفكري او السياسي.
- هل يمكن للمؤرخ العربي ان يستخدم كتابات المستشرقين في كتابة تاريخنا من دون ان يقع اسيراً لوجهة نظرهم .
= نعم.. يمكن ذلك اذا تعامل المؤرخ في كتابات المستشرقين بوصفها مصادر للنقد والمقارنة لا حقائق نهائية، عليه ان يقارنها بالمصادر العربية والمحلية والوثائق الاصلية ويميز بين المعلومة ورؤية صاحبها. نستفيد من المستشرق لكن لا نرى تاريخنا بعينه وحدة .
سؤالنا الدائم.. رأي حضرتك كقارئ وكاتب في مجلة الگاردينيا؟

أجد في مجلة «الگاردينيا» أكثر من منبرٍ للنشر؛ أجد فيها مساحةً فكريةً استطاعت أن تجعل من الكلمة جسراً بين العراق والعالم، وبين الذاكرة والحاضر، وبين الكاتب والقارئ أينما كان. فالمجلة الحقيقية، في تقديري، لا تُقاس بعدد ما تنشره من مقالات، وإنما بمقدار ما تتركه من أثر في الوعي؛ لأن الكلمة التي لا توقظ سؤالاً، ولا تستعيد ذاكرة، ولا تدافع عن قيمة، تبقى مجرد حروف عابرة في زمن سريع النسيان.

وما أقدره في «الگاردينيا» أنها لم تجعل الثقافة ترفاً للنخبة، بل أبقتها قريبة من الإنسان وهمومه وتاريخه وذاكرته، وفتحت صفحاتها أمام الفكر والتاريخ والسياسة والفن والتراث، فجمعت بين أصالة الهوية واتساع الأفق. وقد أسعدني أن أكون واحداً من كتابها، وأن تجد مقالاتي مكاناً بين صفحاتها وقرائها؛ لأن الكاتب لا يبحث عن مكان ينشر فيه كلماته بقدر ما يبحث عن فضاء يحترم الكلمة ويمنحها فرصة الوصول والحوار والبقاء.

إن قيمة «الگاردينيا»، بالنسبة لي، تكمن في أنها أثبتت أن المسافة الجغرافية لا تستطيع أن تنفي هوية الثقافة؛ فقد تكون المجلة في سويسرا، لكن نافذتها مفتوحة على العراق والعالم، وذاكرتها ممتدة إلى كل مكان يوجد فيه قارئ يبحث عن فكرة أو حقيقة أو ذكرى. ولهذا أراها حديقةً بالمعنى الأعمق لاسمها: تتجاور فيها الأفكار كما تتجاور الأزهار؛ تختلف ألوانها وعطورها، لكنها تشترك جميعاً في منح المكان معنى وجمالاً.

فكل التقدير لرئاسة تحرير «الگاردينيا» وهيئة تحريرها وكتابها وقرائها، ولكل من يؤمن بأن الثقافة ليست ما نكتبه فحسب، بل ما نستطيع أن ننقذه من النسيان، وما نزرعه في وعي الأجيال القادمة
السؤال الاخير
- دكتور نزار، بعد رحلة طويلة من الفلسفة والتاريخ والعلاقات الدولية والكتابة، لو طلبنا منك ان تترك للقارئ حكمة واحدة فقط ترافقه بعد انتهاء فنجان القهوة ماذا ستكون؟
= سأقول له: لا تعش بما ورثت من اجوبة، بل بما صنعت من وعي فالعمر لا يقاس بعدد السنوات التي عبرناها، وانما بعدد المرات التي انتصر فيها العقل على الوهم والكرامة على الخوف والحقيقة على ما تمنينا ان يكون حقيقة، وحين ينتهي كل شيئ، لن يبقى من الانسان الا المعنى الذي اضافة الى هذا العالم.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

808 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع