
صورة مولدة بالذكاء الصناعي عن علاقة القطارات بتغيير الزمن (الجزيرة)
الجزيرة:لم يكن الزمن حتى وقت قريب جدا من تاريخ البشرية كيانا واحدا متفقا عليه، كان شيئا محليا مرتبطا بالشمس وهي تعلو سماء القرية أو المدينة. الظهر هو اللحظة التي تقف فيها الشمس فوق الرؤوس، والعصر حين يطول الظل، والمساء حين تميل الشمس نحو الغياب، هكذا عاش البشر آلاف السنين، دون حاجة إلى توحيد الوقت، ودون أن يتصور أحد أن اختلاف الدقائق قد يصبح مسألة حياة أو موت، لكن كل ذلك تغيّر فجأة، لا بسبب الفلاسفة ولا الفلكيين، بل بسبب القطارات.
في أوروبا القرن التاسع عشر، ومع تمدد السكك الحديدية عبر المدن والدول، اكتشف الإنسان لأول مرة أن الزمن، كما كان يُقاس، لم يعد صالحا لعصر السرعة، إذ كان القطار يغادر لندن في التاسعة صباحا، ويصل إلى مدينة أخرى في زمن يبدو سابقا لوقت انطلاقه.
لم يكن ذلك سحرا ولا خطأ مطبعيا، بل نتيجة طبيعية لحقيقة بسيطة: كل مدينة كانت تعيش توقيتها الخاص، ساعات تُضبط على الشمس المحلية، وفوارق زمنية صغيرة لا تُذكر حين كان السفر يستغرق أياما، لكنها تصبح قاتلة حين يُختصر الطريق في ساعات.
اصطدمت القطارات ببعضها على المسارات الأحادية، وضاعت الرحلات وارتبك الناس، وبدأ السؤال الذي سيغيّر وجه العالم: هل يمكن توحيد الزمن؟
السكك الحديدية تفرض ساعة واحدة
قبل ذلك لم يكن العالم يعرف زمنا عالميا، فالمدن تضبط ساعاتها على المزاول الشمسية، ثم على الساعات الميكانيكية لاحقا، لكن المرجع ظل هو "الشمس المحلية". وحتى في أميركا الشمالية، قبيل عصر السكك الحديدية، كان هناك أكثر من 140 "وقتا محليا" مختلفا.
لم يكن هذا يزعج أحدا، لأن الإنسان نادرا ما كان يبتعد عن المكان الذي وُلد فيه أكثر مما تسمح به دابة أو عربة، غير أن القطار قلب المعادلة، وفرض على البشر للمرة الأولى أن يتعاملوا مع الزمن بصفته شبكة ممتدة عبر القارات، لا ظلا يتحرك على جدار.
كانت بريطانيا أول من شعر بالخطر مبكرا، ففي أربعينيات القرن التاسع عشر، وجدت شركات السكك الحديدية نفسها عاجزة عن طباعة جداول مفهومة، إذ إن كل محطة تعمل بوقت مختلف، فقررت عام 1847 اعتماد "وقت السكك الحديدية"، وهو الوقت المحسوب على أساس عبور الشمس خط الزوال في مرصد غرينيتش.
من التوقيت المحلي إلى التوقيت الوطني
لم يكن القرار في البداية حكوميا، بل عمليا فرضته الضرورة، لكن نجاحه كان لافتا: انخفضت الحوادث وانتظمت الرحلات واعتاد الناس على فكرة أن الساعة في مدينتهم قد لا تطابق تماما حركة الشمس فوق رؤوسهم.
وفي عام 1880 أصبحت بريطانيا أول دولة في العالم تعتمد وقتا موحدا رسميا، هو ما عُرف لاحقا باسم توقيت غرينيتش.
لكن اختيار غرينيتش لم يكن بديهيا من الناحية الفلكية. فبينما يُعد خط الاستواء مرجعا طبيعيا لدوائر العرض، لا يوجد على الأرض خط طول “طبيعي” يمكن أن يُتخذ صفرا. خطوط الطول كلها متساوية من حيث الطبيعة، وما يجعل أحدها مميزا هو الاتفاق البشري لا غير.
عالم بلا خط طول صفري
قبل القرن التاسع عشر كانت كل دولة بحرية كبرى تختار لنفسها خط طول خاصا: ففرنسا اعتمدت باريس وإيطاليا اختارت نابولي وإسبانيا عينت قادس، حتى كان هناك ما لا يقل عن 11 خطا رئيسيا للطول في العالم.
ومع ارتباط خط الطول بالوقت ارتباطا وثيقا، كان هذا يعني فوضى زمنية لا تقل تعقيدا عن الفوضى الجغرافية، ولفهم سبب صعود غرينيتش، لا بد من العودة قرنين إلى الوراء، إلى زمن كانت فيه البحار لا تزال أخطر من البر، وكانت معرفة الموقع في عرض المحيط مسألة حياة أو موت.
مشكلة خط الطول والبحار المفتوحة
كان البحّارة قادرين على تحديد خطوط العرض بسهولة نسبية، باستخدام ارتفاع الشمس أو نجم القطب، لكن تحديد خط الطول كان لغزا مستعصيا، فلكي تعرف موقعك شرقا أو غربا، عليك أن تعرف الوقت في مكان آخر في اللحظة نفسها، وهذا الشرط البسيط كان مستحيلا قبل اختراع ساعة تحافظ على دقتها في عرض البحر.
وهنا ظهر اسم جون هاريسون، صانع الساعات الإنجليزي الذي قلب تاريخ الملاحة رأسا على عقب وهزم الفلكيين.
لم يكن جون هاريسون فلكيا ولا عالم رياضيات، بل حرفيا عبقريا، آمن بأن الحل ليس في السماء، بل في الآلة، ابتكر ساعة بحرية دقيقة، لا تتأثر بتمايل السفن ولا بتغير درجات الحرارة، وتحمل معها وقت الميناء الأم بدقة مذهلة.
رفضه الفلكيون طويلا، وسخر منه بعضهم، لكن الزمن أنصفه، فقد أثبت أن معرفة الزمن تعني معرفة المكان، وأن ساعة واحدة يمكن أن تعادل أطلسا كاملا من الخرائط.
خط غرينيتش وخط باريس الذي عاش قرنين
وبفضل "كرونومتر" هاريسون أصبحت خرائط غرينيتش الملاحية معيارا عالميا، قبل أن تصبح غرينيتش نفسها مرجعا زمنيا رسميا، وعندما انعقد مؤتمر خط الطول الدولي في واشنطن عام 1884، كانت الكفة مائلة بقوة لصالح غرينيتش.
اجتمع ممثلو 21 دولة للاتفاق على خط طول صفري واحد، يكون أساسا لتقسيم العالم زمنيا، لكن فرنسا، صاحبة مرصد باريس العريق، جادلت بأن الخط يجب أن يكون "محايدا" ولا يمر بدولة بعينها، وكانت معركتها خاسرة، فالغالبية الساحقة من السفن العالمية كانت تستخدم بالفعل خرائط خط غرينيتش، وجاء التصويت لصالحه بشبه إجماع، إذ عارضت دولة واحدة فقط هي الدومينيكان، وامتنعت فرنسا عن التصويت، محتفظة بخطها الخاص.

1190 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع