الراب في الحسينيات .. محاولة لجذب الشباب العراقيين بثوب مشروع إصلاحي

 "رابي مشروع تحصين"

توغل الراب في المجتمع العراقي، ووصل إلى الطقوس الدينية بدخوله الحسينيات بعد أن كان مقتصرا على الشباب الثائرين على المجتمع وأوضاع البلاد السياسية ووسيلتهم في التعبير عن احتجاجهم بصوت عال.

العرب/بغداد - اتخذت قصة الراب في العراق منحى مختلفا، بعدما دخل إلى الحسينيات واستعانت به بعض الفرق الشيعية في أداء شعائرها التي تتضمّن ممارسة اللطم على الصدر، سعيا إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الشباب.

ويُعتبر اللطم من أبرز الشعائر الدينية لدى المسلمين الشيعة في العالم عموماً، وفي العراق خصوصاً، لكن هذا التقليد الجماعي يشهد اليوم إيقاعات أقرب إلى موسيقى “الهيب هوب” التي صاروا يطلقون عليها اسم “الراب المهدوي”.

ولفت البعض إلى أن جماعات شيعية في جنوب العراق الذي تحكمه تقاليد عشائرية قد أدخلت هذا النوع الجديد من اللطم الذي يترافق مع رواية السيرة الرثائية الحسينية بأسلوب جديد، تحت شعار استقطاب الشباب.

ويعرف الراب بأنه موسيقى غنائية سريعة، حيث يقوم الفنان بترديد إيقاعي سريع لكلمات الأغنية المكونة من عدد كبير من القوافي، والتي تعالج عددا من المواضيع التي قد تكون شخصية أو اجتماعية أو عاطفية أو سياسية، وغالبا ما تكون مثيرة للجدل.

والراب الشيعي، أو الراب المهدوي، الذي بدأ مع أتباع المرجع الشيعي محمود الحسني الصرخي جنوب العراق، امتد إلى محافظات أخرى بما فيها الناصرية والحلة وميسان والبصرة، وكذلك مناطق من العاصمة بغداد.

ويقول أنصار الحسني إنه طرح الراب المهدوي كمشروع إصلاحي لإنقاذ واحتضان الشباب الذين هجروا دينهم وقيمهم ومبادئهم، وبالنسبة إليهم يعتبر هذا النوع من الراب وسيلة لاحتضان الشباب وانتشالهم من مستنقعات الفساد والرذيلة وإخراجهم من نفق الجهل والظلام والإلحاد وساديَّة التكفير، والعودة بهم إلى حاضنة الإسلام الإلهي والعلم والأخلاق والإنسانية.

ويعتبرون أنه أيضا رسالة إلى العالم الخارجي تعكس الإسلام الإلهي الأصيل وتحمل في حروفها وكلماتها ومعانيها وأدائها دعوة إلى التفكر والتحلي بالأخلاق الحميدة والسلام والتعايش السلمي وكل ما له علاقة بالمُثل.

وعبر أحدهم عن تحمّسه قائلا “القفزة النوعية التي حققها مشروع الشباب المسلم الواعد بإدخال الراب في القصيدة الحسينية والمجالس المهدوية والتربوية، من أروع ما يكون؛ وذلك لأن هذا النوع الموسيقي هو من الأنواع المحببة لدى أغلبية شعوب العالم من الغرب والشرق وحتى العالم العربي؛ ولهذا نجد أن أغلب الشعوب المضطهدة التي تعاني الحروب والفقر تعتمد عليه في نقل معاناتها إلى العالم”.

وأضاف “الراب وسيلة عصرية لنقل معاناة الإنسانية ولهذا نجد بعض الحكومات تقوم بمنعه وتحارب انتشاره!”. واستنتج “لذلك نجد أن استخدامه في الشعائر الحسينية أمر مقبول عقلا وشرعا (…) وهو دليل على وسطية الإسلام وتسامحه”.

وتعتبر “لا خمور ولا هيروين رابي مشروع تحصين”، الأغنية التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، من أشهر الأمثلة على هذا النوع من “الراب الإسلامي” الذي أحدث جدلا واسعا في العراق.

ولاقى هذا النوع من الأغاني إقبالا واسعا من الشباب الذين تجمعوا بصفوف مستوية، وبقمصان حمراء وسراويل سوداء للطم صدورهم، أمام منصة يعتليها رادود ينشد الندبية بإيقاع الراب السريع. وهو يحثُ الحاضرين على الالتزام بالشعائر والتعاليم الدينية.

وبدت الموسيقى المستخدمة في “الراب الإسلامي” صاخبة وذات إيقاع سريع وسط أجواء تحفز على اندماج الشباب الحاضرين في الحفل الديني.

وقال أحد منشدي هذا النوع الجديد من الندبيات “نحن أصحاب رسالة، نريد إيصالها إلى شبابنا، وبما أننا أصحاب هدف فقد استحدثنا وطورنا الراب المهدوي”.

وأضاف أن ذلك يأتي في إطار “إنقاذ الشباب الشيعي المحروم والمظلوم، والذي هرب من رجال الدين الكلاسيكيين الرجعيين إلى الرذيلة والانحلال والجريمة والمخدرات والجهل والإلحاد”.

وتعتبر حسينية الفتح المبين في ضواحي بغداد أحد أهم المراكز التي يجري فيها الراب المهدوي تحت أنظار عدد من رجال الدين، الذين يتبعون رجل الديني الشيعي السيد محمود الحسني الصرخي، من بينهم الشيخ سالم الجناحي الذي اشتهر بمعارضته لتصريحات المرجعية الشيعية الأعلى في العراق.

وقال الجناحي، فيما يطغى صوت الراب المهدوي ولطم الصدور على صوته، إن “فساد وإفساد رجال الدين المتسلطين الذين سادوا في المشهد الاجتماعي والسياسي أديا بالشباب إلى النفور من الخطاب الديني”.

وفي عملية تسويق الراب الجديد، تنتشر فيديوهات مصورة لتلك الحلقات على وسائل التواصل الاجتماعي، وتلقى سيلا من التعليقات المؤيدة والمعارضة على حد السواء.

وفي أحد الفيديوهات المصورة في حقل لأشجار النخيل التي تعد رمزا للعراق، يقول مغني راب شاب يرتدي قبعة وسروالا من الجينز “معلمي ماله مثيل، معلمي صاحب دليل. أنا أنشر في أشعاري قضية ونهج الإمام”.

ويهدف إدماج الموسيقى في الاحتفالات إلى مخاطبة الشباب بلغتهم والاقتراب منهم أكثر فأكثر.

وباسم الكربلائي الملقب بـ”الملا” هو أشهر المنشدين أو “الرواديد الحسينيين” كما يسمونهم في بلاد الرافدين. وهو معروف على صعيد العالم الإسلامي بندبياته التي تعتبر عصرية بالكلمة واللحن، حيث يعتلي المنصة وينشد الندبية بإيقاع الراب السريع.

ولتعزيز الاستقطاب رفع المنظمون خلف المنصة لافتة كبيرة يستشهدون فيها بكتاب العهد القديم “سفر ميخا”، تتوسط سلاميْن على السيدة زينب أخت الحسين والسيدة مريم العذراء، تحت شعار “تقوى، وسطية، أخلاق”.

ولئن أصبح بعض رواديد “الراب الحسيني” معروفين بين الشيعة الذين يشكلون ثلثي سكان العراق، فإن هذا النوع من الإيقاعات لم يتمكن من الوصول إلى مدينتي النجف وكربلاء المقدستين لدى الشيعة، حيث مراقد الإمام علي وولديه الحسين والعباس التي تعد قبلة للشيعة في العالم.


ولا ينفصل الدين عن السياسة في العراق الذي شهد حرباً طائفية دامية عقب الغزو الأميركي للبلاد وإسقاط نظام صدام حسين في العام 2003، ما عزز الانقسامات العرقية والمذهبية.

ويشهد العراق موجة انتشار واسع للفرق المهدوية التي تتسابق مع الحركات والفرق الشيعية الأخرى لكسب الأتباع والموالين لها، مستخدمة في ذلك مختلف طرق الإغراء وأساليبه.

ورغم استنكار ظاهرة الراب المهدوي استنكارا شديدا، لم تصدر أي فتوى عن المرجعية الشيعية العليا في العراق بتحريم أو إبداء الرأي في هذه الظاهرة، غير أن بعض المراجع في إيران أصدرت فتاوى تحرّم هذه الظاهرة.

ويرى متابعون أن رجال الدين المرحبين بهذا النوع من الراب يسعون إلى إقناع الشباب بمنهجهم الديني عن طريق الظهور بمظهر حضاري متطور يواكب العصر، على عكس النظرة التي سادت حولهم، وذلك بعد أن كثرت السخرية من أفكارهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد تحدث الكثير من أتباع الحسني عن مطالبته لهم بإتقان التعامل مع الكمبيوتر والإنترنت. وروج هؤلاء بشكل مكثف للراب الإسلامي.

ويمكن القول إن فكرة تبنّي الراب دينيا تعود إلى موجة الانتشار الواسع لهذه الموسيقى بين شباب العراق، في مجتمع تسوده الفوضى خصوصا بعد بروز جماعات طائفية، جعلت الفانتازيا أمرا مقبولا والخرافة أشبه بواقع مفروض على العراقيين فيما غضت الدولة النظر عن التثقيف والوعي بهذه الخرافات بسبب سيطرة الجماعات الطائفية والأحزاب الدينية على مؤسساتها.

وقال سامي نسيم المدرس في معهد الدراسات الموسيقية ببغداد، عن سبب انتشار هذا النوع من الفن بين الشباب، “إن إهمال الفنون الشعبية الأصيلة من قبل المؤسسات الثقافية في العراق أدى إلى حدوث فجوة، دفعت الشباب إلى إيجاد البديل وإن كان على حساب الثقافة الشعبية”.

Thumbnail
وتتعرض هذه الظاهرة لانتقادات حادة من رجال الدين المصدومين، رغم أن بعضهم أجاز الأمر. بينما سخر البعض من رجال الدين الذين حرموا الاحتفال بالأعياد الغربية مثل الفالنتاين لكنهم احتفوا بالراب المهدوي متجاهلين أنهما من المصدر نفسه وهو دول الغرب.

وحرم المرجع الشيعي كاظم الحائري على “أهل بيت النبي” اللطم على طريقة غناء الراب الأميركية.

وجاء في رد الحائري على سؤال لأحد أتباعه “هناك أياد خفية لتشويه عزاء الإمام الحسين عليه السلام بصور مختلفة، وكل عمل يشوه سمعة الشيعة فهو حرام”.

بدوره، وصف السيد لطيف العميدي، إمام أحد المساجد في النجف، تلك الظاهرة بأنها “منحرفة دينياً، واستغلت العواطف والواعز الديني والعقدي عند بعض الشباب، فأدخلت ما ليس في الدين بالدين”. وهو يعتبر أن “ما يسمى بالشور والراب وهذه الأمور والخزعبلات محرمة في الإسلام”.

ويرى البعض من المتابعين أن هناك أهدافا لمن يروجون “الراب الإسلامي”، ويقولون إنه في إطار سعيها المستمر لتمييز نفسها عن باقي الحركات الشيعية، وإغراء الشباب الشيعة الذين يعانون من الفراغ العقائدي والفكري، أقدمت الحركة المهدوية في العراق على ابتداع طريقة إغراء جديدة في اللطم أسمتها “الراب المهدوي” داخل العراق وخارجه، وهو ما زاد التهم المتبادلة بين الحركات الشيعية التي تشهد انقساما غير مسبوق.

ويشير الكثير من المؤرخين إلى أن اللطم والندب عادة قديمة في بلاد ما بين النهرين، تعود إلى حقبة عشتار، إلهة الحب لدى البابليين قبل أكثر من أربعة آلاف عام، غير أنها وسمت بطقوس عاشوراء حزنا لمقتل الإمام المعصوم الثالث لدى الشيعة الاثني عشرية الحسين بن علي، حفيد الرسول محمد، عام 680 ميلاديّا في كربلاء على يد جيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

623 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك