مئذنة الجامع الكبير "الملوية" في سامراء: المبنى.. والمعنى

         

 ايلاف/د .خالد السلطاني:من ضمن المفردات التصميمية لمبنى "المسجد"، تشكل <المئذنة> عنصراً اساسياً ومهماً في الحل التكويني لعمارة المسجد الإسلامي. انها الإضافة الفريدة والخلاّقة والمبتكرة التى أضافتها العمارة الإسلامية الى ذلك "النوع" من الابتكارات البنائية الجديدة، والتى تمثلت في عمارة "مبنى المسجد" الاسلامي، مثرية بذلك تنويعات تايبولوجية منتج العمارة العالمية. لم تكن عمارة سامراء هي التى ابتكرت اولا هذا العنصر التصميمي.

فهي ورثته، كما ورثت، من قبل، اسلوب عمارة المسجد وطريقة تصميمه. بيد ان اضافتها المبتكرة والبارعة كمنتا في نهج قراءة المعمار السامرائي لهذا العنصر والتعاطي معه بادراك مغاير وبفهم خاص، ما نتج عنهما شكلا جديداً ومبدعا ومؤثرا ايضاً، اضفى على "مئذنة" المسجد الجامع الكبير في سامراء (848 -852)، هيئة مميزة، ليست فقط غير مسبوقة في لغتها التصميمة، وانما منحت فرادة معمارية عُرفَ بها ذلك المسجد الجليل! نحن نتحدث عن مفهوم نحتي لعنصر معماري استطاع المعمار ان يوسع به الآفاق الابداعية ويفتح المجال واسعا لمزيد من الابتكار والاتقان في تشكيلات هيئة هذا العنصر وفي تنويعات معالجته التصميمية.

وبغية الالمام بقيمة ما ابتدع في مئذنة (ملوية) المسجد الجامع الكبير في سامراء او "مسجد المتوكل" (كما يكنى ايضاً)، علينا المرور ولو بعجالة على تكونّ اصل المئذنة وهيئة تشكلها كعنصر تصميمي اساسي وملازم لعمارة مبنى المسجد الاسلامي. كما علينا التأكيد من ان "مرورنا" هذا حول المئذنة لا يعني البحث عن تاريخ المئذنة الشامل والتفصيلي، وانما سيكون ذلك المرور (كما اشرنا) مرورا مختصرا وموجه بالاساس لجهة محدودية مهام "ثيمتنا" البحثية. فمن المعروف بان غالبية المؤرخين المسلمين وغيرهم الذين تناولوا موضوعة "المئذنة"، يذكرون بان الصحابي "بلال بن رباح" (المتوفي بالشام في 20 او 21 هـ. <640 م> كان المؤذن الاول في الاسلام، وكان الرسول يقول له "أرحنا بها يا بلال” ليرفع نداء الاذان ويؤذن من سطح المسجد الاول، وهو بيت الرسول الكريم، (ثمة دراسات تشير من ان الآذان كان يرفع من امام بيت المسجد (الطبقات الكبرى لابن سعد، 1، "ط.الخانجي، 2001"). والامر المهم بانه لم يكن هناك عنصر معماري معين، يحدد وظيفة القيام بهذا الواجب.
* * *
تستبطن عمارة "ملوية" الجامع الكبير في سامراء، العديد من القيم التصميمية المبتكرة التى منحتها، في الاخير، فرادتها. وقد جعلت تلك القيم من عمارة الملوية المميزة مادة للتأثير والمحاكاة والتقليد. وهاتان الصفتان اللتان ارتبطا بظهور الملوية: الحدث لذاته، ومقدرته على التأثير لاحقا، امسيا عنوان عمارة "الملوية" ودلالة قيمتها التصميمية. وها نحن لحين الوقت الحاضر ما انفكينا نرى "تمثلات" تلك الهيئة الاستثنائية التى اجترحت يوما ما على الارض السامرائية بمنتصف القرن الثامن، وهي حاضرة في الكثير من النماذج التصميمية المبهرة! وبخصوص هذا الجانب، جانب قدرة الحدث على ابتداع تأثيرات تصميمية لاحقاً، كتبت، مرة، ما يلي".. فليس الغرض هو الاشارة الى ما تم انجازه فقط، وإنما ملاحظة ما يمكن أن يكون ذا فائدة قصوى للمارسة المعمارية اللاحقة، بضمنها الممارسة المعاصرة". فالامر لا يقتصر في ظهور الحدث لذاته رغم أهميته وريادته وفرادته، وأنما يكمن في كفاءة تأثيراته في الممارسة التصميمية اللاحقة ايضاً. "..فالفكرةـ أية فكرة لا تصح بذاتها فقط، وإنما في قدرتها على التأثير، وفي خلقها إمكانات للتواصل والتفاعل واجتراح نوع من <تناصية> Intertextuality، تكفل ظهور مقاربة خلاقة، تتمرد على "مركزية" المعنى الواحد والفهم الواحد، وتكون قادرة على التأثير المستقبلي على سياق الممارسات المعمارية اللاحقة" (انظر: خالد السلطاني، عمارة القصور الاموية، عمان ، 2015، ص. 14 -15).

توفر ادبيات النقد الحداثي (..وما بعد الحداثي ايضاً) امكانات عديدة لفهم ما تحقق معماريا وادراك ما انجز تصميمياً. ثمة مفاهيم عديدة بدت راسخة اخضعت للدرس النقدي، وشهدت بعد ذلك تغييرات كبرى في اساليب فهمها وطرق عملها، وزادت تلك المفاهيم من الوعي بوجودها والكشف عن قيمها ودلالات تلك القيم. كما ان ما يسم الدراسات النقدية المعاصرة، هو قدرتها العالية فى تجاوز مجالها المعرفي المحدد، والانتقال بسلاسة نحو اجناس معرفية متنوعة، يمكن بها وبشروطها امتحان منتج تلك الاجناس المعرفية المختلفة. لا ننوي، بالطبع، الذهاب بعيدا في تطبيقات مناهج تلك الدراسات على موضوعنا وما نحن بصدده، وهي عمارة ملوية جامع سامراء الكبير، لكننا سوف نشدد على رمزية الملوية كاحد العناصر الجوهرية والمهمة في التكوين الفضائي / الحجمي لمسجد سامراء الكبير ودلالات إصطفاء تصميم هيئتها التشكيلية المتفردة، من دون اغفال للقيم الآخرى بضمنها الانشائية والجمالية وحتى العمرانية لهذة المفردة المعمارية المدهشة. واذ نستعير مصطلحي "الدال" Signifier و"المدلول" Signified، وهما المفهومان الاساسيان في الاطروحة "السيميائية" Semiology عند عالم اللسانيات السويسري "فيرديناند دي سوسير" (1857 -1913 ) F. De Saussure، فاننا نعلن باننا سوف نوظفهما في السياق الثقافي والمعرفي، بعيدا عن "جذرهما" اللساني، كمثال لما كنا قد اشرنا اليه تواً، في فاعلية تخطي المنهاج النقدي لمحدوديته المهنية.

فـ "الدال"، هنا هو: المبنى، الاسم، اللفظ، المظهر، المحسوس، الجسد"، و<المدلول>، هو المسمى، المضمون ،الجوهر، المعنوي ، الروح. وباختصار شديد فان "الدال" هو الصورة اللفظية لأي كلمة، في حين ان مصطلح "المدلول" هو الصورة الذهنية او الفكرة عن الشئ. ونطلق على الدال والمدلول معا مفهوم الرمز الذي يساوي الدال/ المدلول. (انظر: الباحثون السوريون: موقع الكتروني: www.syr-res.com/). وفي حالتنا، فان <المئذنة> التى تنوب عن دلالاتها مفردة "الملوية" المحددة بشكل وبـآخر "وظيفتها" الاساسية وهو <الآذان>، هي في هذا المعنى بمثابة "دال". في حين تجسد "هيئة الملوية" الصورة الذهنية او التصور العقلي، لفكرة المئذنة وتعكس اشاراتها الوظيفية، وبالتالي فهي هنا بمنزلة "المدلول". ووفقاً للاطروحة السيميائية"، لدينا "رمز" (في هذة الحالة الهيئة المميزة والاستثنائية للملوية) التى تستحضر بهيئتها نوعاً من علاقة ما بين "الدال" و"المدلول"، ولكن تلك العلاقة تبقى علاقة اعتباطية او عشوائية، وقطعاً انها علاقة <منفصلة> و<غير متصلة>. وتأكيدنا بانها علاقة <منفصلة>، ترمي الى استحالة تثبيت معنى واحد ومحدد للمدلول. وهنا يفقد المدلول ما لصق عنه في الاذهان بانه متصل وثابت مع داله المتعارف عليه. وفي وضعنا، فثمة مداليل بدت هي الآخرى متعددة اصلاً حتى في تسمياتها (كما اوردنا ذلك في متن هذا البحث، ووجدنا بان استخدام <مئذنة> قابله استخدام "الصومعة" او "المنارة")؛ ما ساهم بزيادة التنوع اللفظي للمدلول، والى تعدده والى تنوع هيئاته. (هذا اضافة الى ان "ملوية/ مئذنة" الجامع اياها ـ التى يفترض بان "مدلولها" التشكيلي مستمد من "دال" فعالية الآذان، لا تنهض بواجبها ، كما بينا في متن هذا البحث، اي ان الاسم لا يتطابق مع المسمى، الامر الذي يسر للمعمار امكانات مضافة لخلق تعددية هيئاتية). وبعبارة آخرى، فقد اتاحت تلك العلاقة المنفصلة امكانيات عالية ومبررة للمعمار لايجاد اشكال متنوعة "لمدلوله"، والتى قد لا تكون بالضرورة متماثلة مع ما تم انجازه سابقاً في مجال اشكال تصاميم تلك المفردة التكوينية التى امسى وجودها ملازما لعمارة المسجد الاسلامي. . واذ نسعى وراء فهم اكثر لقيمة مجترح "الملوية" وخلفيات ذلك الابداع التصميمي لها فعلينا ادراك نوعية المقاربات والمناهج وعمق تأثيراتها، التى ساهمت وسهلت ذلك الاجتراح. علينا ان نعترف في هذا الصدد، من أن التأكيد على العلاقة المنفصلة ما بين الدال والمدلول من جهة، ومن جهة آخرى حضور المفارقة Paradox الموهمة والمتناقضة مع صميم عمل الملوية، كانت وراء عدم تحديد تصور معين واوحد للمدلول، حيث امسى الشكل العام مظهراً يمكن استيلاده بحسب كفاءة ومقدرة المصمم الابداعية. وهذا بالذات ما تم الاشتغل عليه، بجد واجتهاد عميقين، من قبل معمار الجامع السامرائي، مفضياً في النتيجة الى عمل ابداعي تجسد في هيئة ملويته الفريدة. ونضيف، اخيراً، بان مأثرة المعمار السامرائي في اجتراحه "لملوية" المسجد الكبير في سامراء، كمنت، في اعتقادنا، ليست في التغاضي وحده عن إعادة شكل المئذنة وعدم تقليد هيئتها ورفض الاقتداء بخاصية موقعها، بقدر ما امعنت تلك المأثرة التصميمية في التماهي مع تأويل مجتهد لمعنى "الدال"، جاعلةً من صيغة تشكيلة "مدلوله" المتفرد، نتيجة فطنة لاحدى تمثـلات ذلك التأويل وأحد استدعاءات صوره المتنـوعـة الحـاذقة؛ وهو ما يسـميه المعـمـار "ما بعد الحداثي" المعروف والناقد "بيتر ايزنمان" (1932) P. Eisenman بـ "الازاحة" Displacement؛ التى أضافت للعمارة ولمفهومها ادراكاً جديدا، كاشفة بذلك افاقاً مهنية ومعرفية غير متوقعة امام الممارسة المعمارية، والتى افضت لظهور مقاربات تصميمية غير مألوفة في المشهد المعماري العالمي.

لا شك ان هيئة ملوية سامراء الفريدة واسلوب تصميمها المبتكر، تشيان بمهارة معمارها وبعمله المقتدر والبارع في آن. فخلو موقع الملوية " ونظافته" من عناصر بنائية ملتصقة بها، وأختيار الشكل اللولبي المميز والفريد لها ، وتناقص كتلتها كلما ارتقينا صعودا نحو الاعلى، اسبغ على شكلها الاستثنائي، نوعاً من حركة ديناميكية، ارتقت بذلك الشكل نحو مصاف عوالم اخرى؛ عوالم، بعيدة عن مفهوم اساسيات العمارة المتعارف عليها وخاصيتها في الرسوخ و الاستقرار والتموضع Locate، وقريبة جداً من إظهار نوع من ازاحة وخلع عن موضعها Dislocate. بتعبير آخر، يغدو الحدث المعماري السامرائي على عكس طبيعته في الثبوت والرسوخ، نابضا بالحركة ومفعما بحيوية متغيرة، توحي بوهم خلع شئ من موضعه، هو أصلاً، في جوهره، متموضع! اي انه ، تماماً، يتماهي مع المنطق التفكيكي (To dislocate that which it locates).، اذا جاز لنا إستعارة تعابير "العمارة التفكيكية" Deconstruction ومفاهيمها في هذا المجال. (انظر: P. Eisenman & Others; Re- Working Eisenman, London, 1993, P. 150). واذ اضفنا الى كل ذلك، من ان شكل المئذنة وهيئتها التصميمية لا تزالان وقت ظهور الملوية، غير راسختين رسوخا عميقاً في الذاكرة الجمعية، لجهة حداثتهما الزمنية وقصر فترة الاستخدام التصميمي لها. فان الطريق نحو تفرد تشكيلي ناجز للملوية يمسي سالكا. هذا اضافة الى حضور التناقض الظاهري بين مبنى الملوية ومعناها، (الذي تحدثنا عنه باسهاب قبل قليل) وأثر نتائج تبعاته في تكريس المعنى المتعدد . وفي النتيجة فنحن ازاء حالة تُمكنّ المعمار بان "يختلق" صورة متخيلة ومبتكره بامتياز لمئذنته، رأى فيها تطبيقا مادياً لمخرجات المناخ الابداعي السائد، الذي امسى ظاهرة مالوفة في المشهد المعماري بالحاضرة العباسية الاولى وقتذاك

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

962 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك