الأفعى وامرأة الغيمة .. قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

الأفعى وامرأة الغيمة.. قصة قصيرة

بعينين دائريتين كانت تراقبني اينما حلت قدماي وأينما اتجهت أفكاري ومقاصدي ...تراقبني بشيء من الحذر والخوف من ان انتبه لمكان تواجدها فهي تلجأ دائما الى الاماكن المظلمة والمنزوية رغم محاولاتها المتكررة في تغيير أماكنها ....في كل الاحوال قررت ان أتخذ حذري لكنها ستبقى تتربص بي وتتوقع كل احتمالات تحركاتي وتخطط لها بدقة متناهية متخذة اسلوب وطريقة الحرباء لكل غاية تقصدها ...أتوقع ان تهاجمني ...أتوقع ان تلتف حول رقبتي وتغرز سمها في جسدي النحيل الخاوي الذي انهكه الزمن فما عاد يتحمل جرعة سم قاتلة من أفعى تنتظر هذه اللحظة ....


اتخذت حذري وجعلت نفسي على أهبة الاستعداد رغم ادعاء جارتي بأنها غير ضارة مادامت تختبئ بعيدا عني....وقد قرأت في احدى الصحف الموثوق بأخبارها ان هناك من وضع هذه الافاعي داخل كيس محكم ثم أطلقها في المدينة فراحت تخطط للمهمة التي أتت من أجلها ....

اذن سأبقى حذرة ولن تغمض عيني البتة ... لكني وجدت بعض بيوضها في زوايا بيتي وقد أثارت الرعب في نفسي مجددا فهل هذه طريقة جديدة ومبتكرة في اثارة مخاوفي أو انها محض صدفة لا تقدم ولا تؤخر ...
في الخارج أسمع أصوات سيارات وأسمع قعقعة خاصة لسيارة قديمة من نوع ( بيك آب ) التي يستقلها رجال غرباء بأزياء مختلفة وكان لكل منهم شارة تميزه عن بقية الناس ....توجه مجموعة منهم نحو زريبة للحيوانات للتبول وهم يبصقون على جدار مدرسة مهجورة تصفق الريح ابوابها يمينا وشمالا .... بينما قصد الاخرون وهم يترنحون ليناموا تحت ظل شجرة عملاقة .... وفي اعتقادهم ان النوم تحت ظل شجرة سيغسل خطاياهم ...
كل شيء مخيف كأن المكان ينذر بحدوث عاصفة هوجاء ....لاحت في رأسي الف طريقة للوصول الى ذاك الجسر الاخضر الذي يتراءى لناظري من بعيد ...انه المخلص الوحيد الذي ينتظرني لكي أعبر الى الضفة الاخرى .... لم يكن أمامي متسع من الوقت للتفكير وكان يفترض بي ان أرحل من هنا على وجه السرعة وان أطرد فكرة التردد والحيرة بحجة الاعتزاز ببيتي وذكرياتي وجدرانه التي حفظت صرخات أطفالي وضحكاتهم ولعبهم ومرحهم وحفظت أغنيتي التي كنت أغنيها لمن يشعر بالنعاس من اطفالي ....

الجسر الاخضر ....جسر مدينتي المسيب ..... الذي طالما تغنى به اصحاب الطرب والغناء ....كان جاثما بطريقة مثيرة للتساؤل ...كأنه يشاركني أحزاني ومخاوفي مادا ذراعيه ليحتضن ماء الفرات بصمت وحنان ... كأنه يزجر أفكاري من كآبتها .....وكأنه يناديني للخلاص ...!!!
أصبحتُ داخل مكان ضيق ... ... فالمكان الوحيد الذي أتحرك فيه هو غرفتي ونافذتها المطلة على طرقات المدينة وجسرها ....انقطعت بي السبل وأصبحت أناضل ضد واقع يتشفى بتمزق ذاتي ....فكرت ان أتصل بإحدى صديقاتي أو ان أكتب اعلانا في صحيفة ... أو ان أطلب مساعدة من أي جهة أخرى.... فحالتي تنذر بالانهيار الكامل لقوتي وإرادتي ...لكن الجسر يناديني للخلاص ....اذن يتوجب علي ان أدخر كامل دهائي للحظة الهجوم والمباغتة قبل ان تستنفد قوتي ويشل تفكيري ...

الافعى معلقة على أحد أغصان شجرة في حديقة بيتي الملتصقة أغصانها بشباك غرفتي .... جلدها التمساحي الضارب في لمعانه يثير اشمئزازي ....عيناها الجاحظتان تصوب حقدهما نحوي ....لوحت بحركة سريعة بشعرتها ثم تكورت على نفسها فغدت كرغيف خبز مدور ....ربما لم تكن لوحدها ...أظن انها مجموعة من الافاعي أوانها حيوانات غريبة ... أو قردة ...المهم انها تبغض الحب والجمال وحتى الانسانية ذاتها ...وهذا ما حفز همتي لمراقبتها ...
تنفست الصعداء انها غدت خارج داري فانطلقت همتي لغلق جميع منافذ الدار بما في ذلك الابواب والنوافذ وحتى الفتحات الصغيرة ثم ان جاري من الجهة اليمنى قد غادر الحي قبل بضعة أيام وها هو جاري الاخر يفعلها كذلك ....التصق جسدي بمحاذاة النافذة الوحيدة في غرفتي ....
أرعبني ان أرى خيال امرأة في تلك الغيمة التي كانت بمواجهتي ... تفرسته طويلا باندهاش وحيرة فخلته يقترب مني مما جعلني جاثية بكامل جسدي على الارض ولكي أشغل نفسي عنها أخذت اتفحص ان كانت هناك ثغرات لم يتم التخلص منها ... وأخذت أعتدل بجلستي وألملم أطراف ثوبي وأنا أصوب نظراتي بغرابة وتساءل فهل ما زال ذاك الخيال أمامي ....؟؟
....نعم انه خيال امرأة أعلنت ملامح طلتها عن أمل زرعته في نفسي رغم تحذيراتها لجميع الناس بعدم البقاء في هذا المكان الموحش ...ولكن هناك ابتسامة رائعة ترتسم على وجهها تعبر عن رغبتها بتهدئة مخاوفنا وقلقنا .... وفجأة بدرت مني صرخة مجنونة مزقت أحشائي بشيء من التهور والحماقة فقد انبهرت روحي بخيال تلك المرأة اذ ان حجمها كان بحجم السماء التي كانت بمواجهتي .. فالمشكلة التي عانيت منها هي فقدان توازني وعدم السيطرة على أفكاري من التشتت علني أدرك ان الأمر برمته لا يستحق الخوف والإرباك ...امرأة الغيمة كانت حقيقة ولم تكن من صنع خيالي اذ انها أتت لتمنحني قوة وإرادة والغريب في الامر انها لم تندمج مع بقية الغيوم بمرور الوقت ولم يتغير شكلها ولا حجمها ولا حتى ملامح وجهها .... انها ثابتة قبالتي تماما والابتسامة ذاتها ....حييتها بإيماءة فردت علي التحية ....
امرأة بارعة الجمال .... سمراء مهيبة الطلعة تسدل شعرها الشديد السواد بمحاذاة طول قامتها.... وان قدميها لا تلامسان الغيمة بل كانتا معقوفتين الى الوراء كأنها تطير في الهواء ... تحيطها هالة بيضاء ناصعة وأسراب من الحمام تدور حولها على نسق واحد تعكس بريقها باتجاه المدينة والجسر ....كانت تلوح للجسر بجناحيها وتهمس له بوصيتها ....وما ان سمع الجسر ما قالته المرأة حتى اخضرت طرقات المدينة وبيوتها وانهمر المطر .....ليغسل ما تكدس فيها من غبار السنين
عندها شعرت بالارتياح وأخذت نفسا عميقا وأنا أفكر بالمرأة الشاخصة أمامي بصمت مريح ....
هذه المرأة كأني أعرفها وكأني التقيت بها في سالف الأزمان .....!! احتدم الصراع في رأسي وحاولت ان أتذكر ان كنت أعرفها أو لا ....


نعم ...أعرفها .....كأنها عشتار أو كهرمانة او شهرزاد... أو ربما تكون أحدى حوريات السماء التي نزلت توا وهي تسمع استغاثتي فكانت روحي تحلق هائمة بعيدا في عالم شفيف كأنها تؤدي فريضة الهية مباركة.... روحي هائمة تبحث عن جدوى لما يجري ....!!!!
وعند ذاك تيقنت ان الافكار السماوية ستحل داخل روحي وستحصل المعجزة وتتحرر أفكاري من هيمنة وساوسي الغريبة .... واعتقادي اني غدوت في هذه الاثناء وحيدة أدور في أفلاك خارج نطاق الكرة الارضية .....
ولكن ....يتوجب عليّ ان أنتبه وأكسب صداقة ومودة امرأة الغيمة ذات الهالة الساحرة وأسرد لها قصة احتباس أنفاسي داخل قفصها الصدري وما أعانية من قلق وضجر.... وقصة ذاك الجسر الذي ما برح يناديني .... علني أفوز بوعد صادق منها ......
انها تشبه الى حد بعيد تمثال كهرمانة ....
كانت روحي منغمرة بحالة من التردد ...اذ كيف أبدأ ...وكيف سأطرح أفكاري أو أعرض طلبي ...؟؟ ثم انها مخلوقة سماوية وجسدها مكون من كتل من الغيوم يتبعثر أحيانا ويندمج أحيانا أخرى ....
لكنني على كل حال قدمت أوراقي الثبوتية لمحكمتها العادلة أطالب فيها ردّ اعتباري ........ومقتنعة تماما بعدالة قضيتي .....

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1453 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع