بغداديات ..أوراق متناثرة تسطر بعض من نكهات الأكل العراقي

      

   بغداديات..أوراق متناثرة تسطر بعض من نكهات الأكل العراقي

        

           

في غربتنا تتناول أحاديثنا وتحليلاتنا وقائع ومعطيات الواقع السياسي القطري والعربي والدولي، كما تتضمن جوانب من الأبعاد الأجتماعية والحياتية بما فيها نكهة ومذاق الأكل العراقي ودوره الحيوي والنفسي في صقل الأنسان في معترك الحياة وما قدمته له وما قدمه هو لها، وخصوصاً إننا جيل عاش وترعرع وشاهد حالات البناء والرقي والرفعة من خلال  الفداء والتضحية وفي نفس زمانه يرى ماحل وحصل نتيجة إحتلال غاصب وجماعة هجينة أمية بثقافتها وحبها للكرسي والمال التي نصبها المحتل بغية تنفيذ ضياع هوية العراق وثقافته المتنوعة ذات البعد الحضاري وبعثرته وإنحلال قيمه التأريخية وإرثه الإجتماعي، متناسين بأن روح الفداء وعنفوانه وإيمانه بعراق موحد لأغلبية شعبه الأصيل قادر على إعادة العراق الى نهضته وعنفوانه كالعنقاء عندما تنهض وهذا ليس بالبعيد، هذا المدخل له علاقة بموضوع حديثنا لأن حالات الشوق والحنين تفتح شهيتها التطرق عن نكهة وعادات الأكل العراقي وخاصة أكلات ذات الصبغة الشعبية والتي تذوقتها الأجيال منذ قديم الزمان وأنتشرت عابرة الحدود فعولمة المطبخ العراقي وتنوع أكلاته وتذوقه ونكهاته سبقت عولمة السياسة والأقتصاد، إن نكهة الأكل العراقي تشبه الورود عندما تعطي ريحتها الجميلة، تشبه النخل الذي يعطي الطلع والتمر لتتذوقه، ففيه الرائحة والطعم الجميل ولا زال الناس يأكلونها بإستمتاع ويفضلونها دون غيرها عند الدعوات والمناسبات لتمثل قمة من التذوق لما تحتويه من نكهات مرتبطة بمناطق عملها، فالحديث عن الأكلات فيها نكهة ترجعنا الى الأيام الجميلة، فيها متعة التذكر ودفيء الحنين والشوق لتراث وتقاليد لايمكن إزالتها ، سنتكلم عن خمسة أكلات لايمكن لعراقي اينما يتواجد أن يبتعد عنها وهي الجامعة لكل أطيافه وتنوعه الديني والعرقي الا وهي:

  الباجة، والباقلاء بالدهن ،والباسطرمة،والدولمة،وتشريب البامية معززة بالصور التي ساهم على أخراجها مدونة مجاس حمدان الثقافية .

                 
البـــاجـــة
 أكلة ذات نكهة تستطيع أن تشمها من مسافة بعيدة مصنوعة من رأس الخروف وألأرجل واليدين والكرشة ومصارين الأمعاء، وهي كانت شتوية والأن يمكن تذوقها على مدار السنة، تفنن العراقيون يطريقة عملها كل حسب طريقته، فالبغداديون لا يحشون الكرشة والمصارين  وفي بعض الأحيان يضعون عكس العجل في القدر الكبير ليزيد من دهنيته ولزوجيته فالرأس كله يؤكل ماعدا الأسنان وهيكل الرأس وبؤبؤ العينين  وفي بعض الأحيان تجلب أو تطبخ بعض العوائل أكثر من رأس بسبب الأقبال على أكلة حجرات العيون وما ألذها، فالكراعين والأيدي تؤكل ولا يبقى الا عظامها كل الباجة لذيذة المخ هناك من يفضلها واللسان والكرشة ومصارين الأمعاء،  مع الباجة يتوجب أن يكون فحل البصل والطرشي ركن من أركان أكلها، والطرشي المقدم والمشهور هو طرشي خان شغان  وطرشي ذيب في الأعظمية وطرشي النجف المعسل في الكاظمية وطرشي حنش وطراشي البيوت، للباجة فائدة كبيرة لمن له نقص لفيتامين سي والتهاب المفاصل وهشاشة العظام وينصح شرب مرقتها، وزوار الباجة في اليالي أكثرهم الشرابة للأكل وكسر الخمارية والحصول على الطاقة، وزوارها في الصباح لإعطائهم الطاقة المطلوبة للعمل وقد أشتهرت الباجة في مناطق بغداد كرخها ورصافتها مثل باجة ابن طوبان وهناك مثل بغدادي باجة ابن طوبان وطرشي خان شغان وباجة ابن سمينة وباجة الحاتي وباجة الربيع في حي الجامعة وباجة الأعظمية قرب جامع ابو حنيفة النعمان وباجة الكاظمية قرب جامع الامام موسى الكاظم وباجات البيوت، في جنوب العراق ووسطه الطريقة البغدادية هي الشائعة حيث لاتحشى الكرشة ومصارين الأمعاء، وفي البصرة يقدم الدقوس بجانب الباجة ذات الطريقة والنكهة الزبيرية نسبة لمنطقة الزبير.

                           
 في الموصل الباجة لها طريقة إضافية بتحشية الكرش بعد تقطيعه بالرز والمتبلات ذات النكهة االمصلاوية الذيذة وتغلف وتلظم بالخيوط  وتسمى الكيبايات ومصران المعدة أيضا يحشى بالرز والمتبلات هذه الطريقة تعملها المطاعم والعوئل المسيحية والمسلمة، إنها أكلة شتائية وتقدم في الصباح وأشهر مطاعمها باجة الاندلس وباجة الجامعة وباجة ابن آي  ولابد من وجود الطرشي وخصوصا طرشي الملك ذو الخل المعتق والبهارات الخاصة ومثله طرشي الحاج شيت، وكلما كنا نزور الموصل فطبق الباجة ينتظرنا وشراء البسطرمة والكرزات مطلوبة عند العودة الى بغداد، كافة المناطق في الشمال تعمل الباجة على طريقة الموصل بإختلاف طريقة الحشو وهذا ماتشاهدة في دهوك وكركوك والسليمانية، ما أحلى إنتظار زيارة أصدقائنا المسيحيون في الأعياد والمناسبات، فبالأضافة للأكلات المنوعة فالباجة تكون في صدارتها، مأحلى النظر للقدر الكبير والصينية ورؤوس الباجة عليها في المطاعم، يجملها البخار الصاعد من القدر.
الأن توفرت مطاعم الباجة  في البلدان العربية بعد هجرة كثير من العراقين طلبا للأمن والأمان فنراها في سوريا ومصر والأردن والأمارات ولبنان ويرتادها ليس العراقيون فقط وإنما العرب والأجانب نظراً لنكهتها وطعمها المغري .

        
الباقلاء بالدهن
 هذه الأكلة الأصيلة تراثياً، إعتاد العراقيون بكافة طبقاتهم ومستوياتهم أكلها في الصباح، وأكثر المحافظات العراقية شهرة بها الحلة بابل التي تتميز أيظاً بالكاهي وقيمر السدة، تفلس الباقلاء اليابسة بعد غليها على نار هادئة لساعات، ليتم إرجاعها الى القدر فيأتي دور الخبز ليقطع ويوضع في نفس القدر، لا يستخدم الصمون  في هذه الأكلة، ثم يأتي دور الدهن الحر والبيض المقلى به، مأحلى طبقه خبز منقع وباقلاء مفلسة ودهن حر وبيض وبصل مثروم وقسم يضع عليه أيضاً طماطة مثرومة، وهنا يأتي دور النارنج ليعصر عليه والبابونج يرش أيضاَ وهنا يجب أن يكون الطرشي حاظراَ سواء البيتي أو الطراشي المعروفة التي ذكرناها مع أكلة الباجة، وكذلك فحل البصل،

             

إعتاد العراقيون أن يعصرو النارنج ويضعوه في قناني ويحتفظو بها لاستعماله في الزلاطة أو مع الباقلاء في الأوقات التي لايوجد ثمره طازجاً أو عندما يرسلوها لمعارفهم في الدول التي لايوجد النارنج عندهم، حضرنا مرات عديدة دعوات صباحية فقط للتلذذ والمتعة بأكلة الباقلاء بالدهن مع البيض البلدي (بيض العرب)، توزعت مطاعم الباقلاء بمختلف مناطق العراق منها شعبية جداً ومنها ماهو ملحق بالمطاعم المشهورة ولكن شهرتها جاءت من الحلة بابل التي تميزت بها وبأكلة الكاهي وقيمر السدة ،

 

في بغداد أشتهر حمادة ابو الباجلا في الكرخ وعلو في ساحة الشهداء وابو حقي ولكن أشهرها الأن  مطعم قدوري الذي إنتقل من الشيخ عمر الى شارع أبو نؤاس وهو أيضاً المشهور بعمل المخلمة، الأن توجد مطاعم في عمان والامارات وسوريا ومصر يلتقي العراقيون والعرب وكثير من الاجانب لتناول وجبتها من هذه الأكلة الطيبة والرخيصة.

  
البسطرمة
 إنها سفيرة الأكلة العراقية لأنها تتواجد في كل البيوت العراقية خارج العراق وهي أكلة شتوية صباحية وبمرور الزمن أصبحت مسائية أيضاً، تقلى البسطرمة مع البيض بدون إضافة أي دهن أو زيت  لأنها كفيلة بها وكثير منا كان يغمس الصمون أو الخبز بها نظراُ لطعمها الشهي والطيب، لقد وجدت ألواح طينية تعود للألفية الثالثة قبل الميلاد (3200ق.م) تتحدث عن حشو المصارين وأظافة البهارات والمتبلات الخاصة لها، وفي ذاك الزمن لم يكن الرز مكتشفا وهذا ما يعني ان اللحم أحد مكونات الحشوة فالبسطرمة إذاً أصالتها من العراق، العوائل العراقية أما أن تعمل هي البسطرمة أو تشتريها من محلات خاصة بها، ففي بغداد كان التسوق في شارع الرشيد من محلات الأرمن التي كانت تشتهر بنوعين من البسطرمة، القيصرية وهي اللحم المجفف الني المتبل بالبهارات الخاصة وتقطع الى سلايدات وتقدم للأكل وهي لذيذة جدا أما في لبنان فالأرمن هناك يعملون منها الشاورمة اللذيذة في برج حمود في بيروت، والأخرى البسطرمة العادية المحشوة باللحم المثروم قليل الدسم والمتبلات الخاصة بها، فيتوجب تعليقها لفترة ليضربها الهواء لتجفف، إن محلات الأرمن النظيفة فبالأظافة للبسطرمة القيصرية والعادية يمكن للمشتري أن يتذوق ويشتري الكيك واللبن الرائب والزبادي، ويا حسرتاه لقد فقدنا هذه المحلات الجميلة بعد أن أقفلت أبوابها، كذلك توجد محلات وقصابة في الكرخ والرصافة حتى قاسم أبو الكص قبل أن يعمل مطعمه المشهور للكص كان من أحسن عاملي البسطرمة في الأعظمية وشهرته معروفة في بغداد، ولازال أحد أبنائه يعملها هناك، ومن البسطرمات الشهيرة في العراق والخارج البسطرمة الموصلية ذي النكهة الخاصة بها، وقبل فترة قصيرة أعجبتني المقالة الجميلة بمعانيها وأسلوبها الشيق عنوانها (البسطرمة الموصلية..يقال عنها :

إنها طيبة وزكية..وتسند المعدة) للأستاذ الدكتور سمير بشير حديد وبدوري أرسلتها الى المعارف والأصدقاء، أحد أصدقائي من الدبلوماسيين السابقين وبكثر محبته للبسطرمة فإنه عاشق لها ولقد تنقل في بلدان عديدة وعندما تكون قريبة من العراق فإن تجهيزه بها سهل الأرسال من الموصل، اما البلدان البعيدة بين لي كيف كان يعمل المستحيل لعمل الباسطرما بالطريقة المصلاوية أثناء عمله في اليابان بلد الساموراي وأمريكا وكيف كان يختار اللحم وكيف كان يستعمل القماش الخفيف بدلا من المصارين وكيف كان يدعو الأصدقاء لتناول باسطرمته مع البيض،

          

دعانا الى فينا حيث يعيش ويجعلها لمة مع أصدقائنا ومعارفنا هناك ، وأبلغنا بأن كل سبت تكون البسطرمة سيدة الصباح ، وصديقاً آخر وهو مدعو أيضاً،  معنا الأن في الأمارات ذكرني كيف كان يعمل الباسطرمة في فينا عندما كنا هناك وكيف كان يعلقها في الكراج وكيف كان دور صديقنا النمساوي يحبها وهو من ساهم بجلب المصارين الصناعية لتغليفها، كنا نتسابق بتوزبع ما يردنا من الباسطرمة أو حضور دعوات صباحية لعوائل عراقية كانت معنا في النمسا ونأكل فقط البسطرمة والبيض وبالمناسبة ونحن في الغربة سفيرة الغذاء معنا .

          
الدولمة
 أكلة الدولمة العراقية لذيذة بمذاقها جميلة بمظهرها تراثية و شعبية، وتختلف  الدولمة عن باقي الدول العربية والتركية في خبطتها وحشوتها وتفنن عملها وحسب المنطقة،فالبغدادين تكون الخبطة من اللحم المثروم والفلفل الأسود والشبنت والكرفس أو المعدنوس ومعجون الطماطا والرز وأحياناً الثوم والحامض وشراب الرمان حيث يحشى ورق العنب أو السلق والفلفل الأخضر والباذنجان وقشور البصل والشجر والطماطة وفي قعر القدر الباقلاء وضلوع اللحم وعكوس   السلق ،والبصراوين نفس الخلطة وبدلاً من شراب الرمان يستخدمون تمر الهند  لتخفيف الحموضة،ولمواصلة نفس الخلطة ماعدا الكرفس والشبنت وأحياناً بدون الباقلاء،اما الأكراد فلا يضعون معجون الطماطة،والكركوكليين يستخدمون أيظاً اللهانة والحامض ليموندوزي ورحيق السماق وسيقان السلق بالأسفل،أحلى منظر لها حين تقلب القدر بعد تغطيته بالصينية فتكون أمامك قالب جميل وتبدأ العائلة والضيوف بأكلها، وبعض من العراقيين وأنا منهم نحبها( ملجوعة) جعب القدر أي الحكاكة،لاتوجد سفرة للعراقيين ألا والدولمة موجودة ومعها لبن أربيل، وهنا لابد أن نتطرق الى محبة صديقنا النمساوي وعائلته للدولمة والذي ذكرناه في سياق مقالتنا، حيث عندما كنا في فينا كانت زوجة زميلنا الذي يعمل في الأوبك تعد دولمة مصلاوية ويتم طبخها على نار الفحم عند  بيت زميلنا النمساوي الريفي كلما نذهب هناك وعلى ضفاف نهر الدانوب في منطقة (الفخاو) وكانت سيدة المائدة بالرغم من وجود المشاوي بكافة أنواعها، ولمحبتهم بالدولمة أخذو يتعلموها وصارت من وجباتهم المفضلة، وهم بدورهم يدعون النمساويين لأكلها وأصبحت مشهورة هناك.

             
تشريب البامية
هذه الأكلة اللذيذة في مذاقها الشعبية في أنتشارها، يأكلها الأغنياء والفقراء بما فيهم رجال السياسة والتجار وأصحاب المزارع،أنها أكلة بيتية أكثر مما هي مطعمية،أن تشريب البامية في السابق تمبز بها من سكن قرب الشط ويسمون بالكراديين حيث كانت تزرع هناك،وبدأ انشارها في كل العراق،يتم طبخها بلحم الزند والضلوع وعصير الطماطة(دون المعجون في الصيف) ويثرد الخبز في الأواني وتسكب البامية وتشبع وتقدم للأكل مع البصل اليابس، وبعض يفضلها مع الرز والحكاكة، وأذوق طعم لها وهي بايتة اي تؤكل في اليوم الثاني أو الجمعة صباحا،

       

وكانت كثير من العوائلً قبل عصر الثلاجات والمجمدات  يلظمون الباميا بخيوط وتعلق وتجفف وتطبخ في الشتاء بعد تنقيعها بقشور النارج فترجع طراوتها ويتم طبخها بنفس الطريقة السائدة ولكن مع معجون الطماطة بلحم الزند أو الرقبة والضلوع وألف عافية.


         
أما في المطاعم فيشتهر تشريب الطماطة بزند اللحم والحمص والنومي بصرة ووتفضل أن تكون دهينة ومن أفضل المطاعم بتقديمها أبن سمينة وعمو الياس ..

تبقى هذه الأكلات مستديمة وباقية وجامعة والى مقالة أخرى عن نكهة وطعم الأكل العراقي، ومن الله التوفيق
سرور ميرزا محمود

               

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

419 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك