مائة عام على تأسيس الدولة العراقية الحديثة

         

          مائة عام على تأسيس الدولة العراقية الحديثة

       

   

   

       فيصل الاول مؤسس الدولة العراقية الحديثة

هو فيصل ثالث انجال الملك حسين ملك الحجاز(1854- 1931) من زوجته عابدية ابنة عمه عبدالله كامل باشا شريف مكة واميرها. والملك حسين هو ابن الشريف علي باشا( المتوفي سنة 1870) بن الشريف محمد( 1790- 1857 ) بن عبد المعين بن عون بن محسن بن عبد الله بن حسين بن الشريف عبدالله بن الشريف حسن بن الشريف ابي نمي الثاني محمد بن بركات الثاني بن محمد بن علي بن الشريف قتادة(1133- 1220 اول الامراء في مكة) ابن ادريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن علي بن عبد الله بن محمد الثائر الثاني بن موسى بن عبدالله بن محمد الثائر الاول بن يونس بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن ابي طالب كرم الله وجهه من زوجه فاطمة بنت الرسول محمد (ص).

     

ولد الشريف فيصل في مدينة الطائف مصيف الحجاز يوم الاحد الموافق 20 ايار/مايو 1883 (12 رجب 1300 واخذ وهو طفل الى عرب عتيبة النازلين باتجاه البادية الحجازية للرضاع عملا بسنة الاسرة الهاشمية التي درجت عليها منذ قديم الزمان لكي ينشأ ابناؤها نشأة بدوية ويشبوا على ما امتاز به البدوي من حميد الخلال من البأس وتعود شظف العيش الى حب الاستقلال والاعتماد على النفس.

في سنة 1891 دعي الشريف حسين للاقامة في الاستانة( استنبول) فاصطحب اسرته وافراد بيته . وفي تلك العاصمة قضى فيصل عهد صباه واول شبابه حتى عاد الى الحجاز بعد ثمانية عشر عاما عند تنسيب والده شريفا لمكة واميرا للحجاز.
وفي اثناء بقائه في العاصمة العثمانية درس الفتى فيصل مختلف العلوم والمعارف على اساتذة مختصين وتلقى العلوم الدينية والعربية وآدابها حتى بلغ الثانية والعشرين من عمره..

              

احتفل بزواجه من الشريفة (حزيمة) ابنة عمه الشريف ناصر باشا فانجبت له ثلاث بنات وابنا واحدا هو الامير غازي .
وفي الحجاز عهد الشريف حسين الى ابنه فيصل ادارة امور الناس . ثم ما لبث ان ولاه مع اخيه عبد الله قيادة الحملة العسكرية التي سيرت لتأديب بلاد عسير الثائرة بقيادة الادريسي بعد أن استنجدت الدولة العثمانية بالشريف حسين لاخضاع قبائل عسير والقضاء على تمردها بقيادة محمد بن علي بن محمد بن ادريس الذي حاصر مدينة ابها عاصمة العسير لحوالي عشرة أشهر عاش السكان خلالها الويلات وأكلوا حتى القطط والكلاب .

              

فقد وكان فيصل من القادة اللامعين في تلك الحملة التي انتهت بانتصار فيصل الذي كان الاكثر حماسا من ابناء الشريف حسين لاعلان الثورة ضد الاتراك وقد يعود الى اتصالاته برجال الحركة العربية في سوريا اذ كان لفيصل الدور الاساس في هذه الثورة حيث استمرت القوات العربية في مطاردة القوات العثمانية حتى شمال سوريا وحتى اعلان الهدنة عام 1918 .
وبعد عودته من الحرب في عسير موفقا منصورا انتخب نائبا عن جدة في مجلس النواب العثماني( المبعوثان) فشد الرحال ثانية الى الاستانة سنة 1913 وبقي خلال السنوات القلائل يتنقل بين العاصمة العثمانية وقاعدة الاسلام. وعرف الشريف فيصل في المجلس العثماني بنزعته العربية وغيرته القومية. فلما خاضت تركيا غمار الحرب العظمى واخذت نوايا الاتحاديين ازاء العرب تبرز للعيان على حقيقتها ضاعف فيصل مساعيه في خدمة امته ولم يلن جهده في سبيل القضية العربية. ثم تفاقمت الامور وعلق احرار العرب في سوريا على اعواد المشانق فلم يغن عنهم احتجاج فيصل باسم والده فتيلا حينئذ اسرع الشريف بالعودة الى الحجاز وكان جمال باشا والي سوريا الاتحادي قد ارتاب في امره وهم باعتقاله ساعة ان كان الشريف حسين يعد عودته للقيام بوجه الظلم والتخلص من ربقة استبعاد العثمانيين الذين لم يلبثوا له طلبا ولم يعيروه التفاتا واهتماما.
كان الشريف حسين بعتمد على الامير فيصلا اعتمادا كبيرا وخاصة في المخابرات والاتصالات سواء مع الباب العالي في استنبول ام مع الاندية السياسية حينما بدأ الشريف حسين اتصالاته مع القوميين العرب ارسلت الجمعية العربية – الفتاة – رسالة الى الشريف حسين لوضع منهاج عام للثورة العربية ضد العثمانيين اختار الشريف حسين ابنه فيصل للسفر والتفاوض في دمشق والاستانة) .لقد التقى فيصل بكثير من الشخصيات العربية منهم ياسين الهاشمي ورضا الركابي وعبد الغني العريبي واحمد قدري الذين عقدوا العزم على اعلان الثورة وتصفية الاستعمار التركي واعلان استقلال العرب.
كان فيصل نقيا نزيها لا يشرب الخمر ولا يقامر وكان متواضعا يمقت المظاهر لا ينزع الى القوة في التملك ولا يحفل بالمال. فقد وصفه الرئيس الامريكي ويلسون بـ( مسيح الشرق)
في ذلك الحين بلغت القضية العربية مفترق الطرق . ففي التاسع من شعبان سنة 1334 هجرية (10 حزيران/يونيو 1916 رفع الشريف حسين علم الثورة في الحجاز فلبى العرب نداءه الى الجهاد وعهد الى فيصل قيادة الجيش الشمالي . وهنا تجلت موهبة الامير فيصل في فنون الحرب كما ظهرت بعدئذ قدرته في قيادة الشعوب وضروب السياسة. ففي 6 تموز/يوليو 1917 استولى الامير فيصل على العقبة ثم اصبح قائدا عاما للجيش العربي المحارب في فلسطين الى جنب قوات المشير اللنبي البريطانية . وفي اول تشرين اول/اكتوبر 1918 داخل دمشق على رأس الجيش العربي الثائر.

                              


فيصل في سوريا

وعن دخول فيصل الى سوريا فقد دخل فيصل دمشق على صهوة جواد عربي مخترقا المدينة من الجنوب الى الشمال يحيط به الف وخسمائة من فرسانه وحاشيته على خيولهم المطهمة فاستقبله العلماء والكبراء والاعيان ونثروا في طريقه الزهور والرياحين ، بعدها بدأ فيصل حال وصوله تشكيل حكومة عسكرية بحتة في دمشق عهد الى رئاستها للسيد رضا باشا الركابي الذي حث الاهالي على الهدوء والسكينة والطاعة للحكومة الجديدة.
ولم تمض اسابيع قليلة حتى عقدت الهدنة وانتهى جهاد الامير فيصل في ساحة القتال فسافر في 22 تشرين الثاني /نوفمبر 1918 الى باريس لتمثيل والده في مؤتمر الصلح المنعقد فيها وكان من واجبه تذليل العقبات التي اعترضت طريقه . وبقي يتنقل بين العواصم الاوروبية الكبرى مفاوضا الحكومات ومناضلا في سبيل القضية العربية. وعاد الى سوريا في اوائل عام 1920 فلم يلبث طويلا حتى نادى به المؤتمر السوري العام ملكا دستوريا على البلاد السورية في 8 اذار/مارس من السنة نفسها الموافق(19 جمادي الثانية 1338 هجرية) ولكن هذه المملكة الفتية التي كان يحيط بها الاعداء والمناوئون لم يقدر لها البقاء فما اسرع ما وقعت واقعة ميلسون في 24 تموز/يوليو 1920 وكان من نتائجها خروج الملك فيصل من ديار الشام موليا وجهه شطر اوروبا مرة ثانية حيث المفاوضة واستئناف الجهاد.
الا ان عقبات واجهت فيصل كانت اول نكسة اصابت فيصل والدولة العربية الجديدة جاءت من جانب الفرنسيين هي انزال العلم العربي من على دار الحكومة في بيروت

   

تنفيذا للاتفاقية بين فرنسا وبريطانيا( مؤامرة سايكس –بيكو) لتحديد مناطق النفوذ وذلك حين احتلت القوات الفرنسية بيروت ثم عموم لبنان ثم اصرارها على احتلال سوريا والقضاء على استقلالها بعد ان ارسل الجنرال الفرنسي غورو الى فيصل شروطه – المعروفة بالانذار الفرنسي- التي هدد بان قواته ستكون مطلقة اليد في العمل فيما اذا رفض الشروط الفرنسية. وقد احدث الانذار الفرنسي هزة عنيفة في سوريا لكونها تعني الاحتلال بعينه وعندها توجه يوسف العظمة وزير الدفاع الى منطقة ميسلون للدفاع عن دمشق وخاض المعركة المشهورة باسم ميسلون والتي استشهد يوم 24 تموز/يوليو 1920 فيها مع 800 من المقاتلين العرب . بعدها تسلم فيصل كتابا رسميا من الكولونيل الفرنسي- تبولا- يدعوه فيه باسم الحكومة الفرنسية لمغادرة البلاد .
وفي يوم 28 تموز 1920 ازدحم القطار بكبار القوم لوداع الملك فيصل الذي كان بادي التاثر والانفعال وركب القطار معه حاشيته ومعه ساطع الحصري وعبد الرحمن الشهبندر متوجها الى درعا ومنها الى الاردن فالحجاز.

اعتقدت بريطانيا بان فيصل سوف لن يعترض على تنفيذ مشاريعهم المقبلة الخاصة بالمنطقة العربية ولان التقارير البريطانية الواردة من العراق كانت تشير الى عدم ممانعة العراقيين لزعامة الاسرة الهاشمية قررت السلطات البريطانية اتخاذ الاجراءات الكفيلة بتعيين فيصل ملكا على العراق وذلك في مؤتمر القاهرة اذ بمجرد انفضاض المؤتمر بدا العمل من اجل تنصيب فيصل ملكا على العراق ففي الحال ابرق جعفر العسكري وزير الدفاع العراقي من القاهرة في 25 اذار 1921 الى الامير فيصل يبلغه قائلا- ان المؤتمر قرر تشكيل الجيش الوطني كذلك تقرر عرض دعوة لجلالة مليكنا والدكم نصره الله بخصوص ارسال جلالتكم الى العراق.
وكانت الحكومة البريطانية تعد فيصلا اهم المرشحين لعرش العراق فمن خلال المراسلات البرقية بشان السياسة في بلاد ما بين النهرين اوضح تشرشل وزير المستعمرات والمسؤول عن الملف العراقي انذاك ان فيصل يعد من اهم المرشحين لعرش العراق . لكن فيصل اعترض على ترشيحه لعرش العراق مستندا في ذلك الى ترشيح اخيه الامير عبد الله لهذا العرش من قبل المؤتمر العربي في دمشق الا ان الحكومة البريطانية تعهدت له بترضية عبد الله والتفاهم معه على امارة شرق الاردن فوافق فيصل على ذلك .

    

وفي أذار/مارس 1921 انعقد مؤتمر في القاهرة برئاسة المستر ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني وبحضور المندوب السامي بيرسي كوكس والمس بيل ووزير الدفاع جعفر العسكري ووزير المالية ساسون حسقيل في حكومة عبد الرحمن الكيلاني نقيب الاشراف في العراق وذلك لاجل تسوية شؤون الشرق الاوسط وقد تقرر ترشيح الامير فيصل بن الحسين.
يذكر ان اول مسؤول بريطاني هو الجنرال ولسون يقترح ان يكون فيصل ملكا على العراق ويعترف قائلا : باننا خذلناه في سوريا حينما دخل الفرنسيون دمشق وطردوا الملك فيصل وفق معاهدة سايكس – بيكو. وابرق الى لندن يقترح عليهم عرض امارة العراق على الامير فيصل.
ولم تمض على هذا المؤتمر مدة قريبة حتى رست في ميناء جدة بارجة حربية من قطع الاسطول البريطاني( نورث بروك) مع مستشاره ( كورنواليس) يوم 12 حزيران/ يونيو 1921 والتي وصلت الى البصرة في الساعة الخامسة والنصف عصر يوم 23 حزيران/يونيو من العام نفسه ونزل في دار متصرف لواء البصرة احمد باشا الصايغ وقد استقبل استقبالا شعبيا ورسميا في مقدمتهم السيد ناجي السويدي وجون قيلبي ومحمد زكي البصري المحامي واحمد حمدي ملا حسين .
وفي صباح اليوم التالي اقيمت له حفل استقبال في دار المتصرف حضرها اعيان البصرة والوفود حيث القيت كلمات الترحيب والقصائد. ثم غادر البصرة بالقطار متوجها الى الحلة ثم كربلاء والنجف ثم بغداد التي وصلها يوم 29 حزيران/يونيو.

                 

وفي الخامس من تموز اجري استفتاء شعبي عام لاختياره ملكا على العراق . وفي 11 تموز/يوليو 1921 قرر مجلس الوزراء العراقي المنعقد برئاسة نقيب الاشراف عبد الرحمن الكيلاني انتخاب الامير فيصل ملكا على للعراق ثم جرى الاستفتاء لحصول مصادقة الشعب على الانتخاب ، فأيدته 96 بالمائة من الاصوات. وفي 23 آب/اغسطس 1921 (18 ذي الحجة 1339 هجرية) احتفل في ساحة برج الساعة( القشلة) حضرها عدد كبير من الاعيان والوجوه والسراة حيث تلا سكرتير مجلس الوزراء بلاغا على الحضور تضمن مبايعة الامير فيصل بملوكية العراق بعدها نهض فيصل والقى خطابا مدونا استهله بالشكر للعراقيين على مبايعتهم اياه مبايعة حرة . في بغداد بتتويج جلالته ملكا على العراق حيث تلى خطاب العرش المشهور . وهكذا اصبح يوم 23 آب 1921 مولد المملكة العراقية في العصر المعاصر اي ميلاد الدولة العراقية الجديدة بعد سبعة قرون من الاستعباد والضم .
وبهذا يكون قد مرت مائة سنة على ذلك اليوم الذي تم فيه تأسيس الدولة العراقية الحديثة.
وكانت شخصية الملك فيصل تجمع في ذاتها كل المزايا التي كان لزاما ان تتوفر في من يرشح لاشغال هذا المنصب السامي. فلقيت فكرة اعتلائه لهذا العرش الجديد كل تأييد واستحسان.
مما لا شك فيه ان الجهود التي بذلها الملك فيصل الاول لترسيخ الوحدة الوطنية العراقية وتكوين العراق على اسس قومية قطعت شوطا بعيدا ، ففي مدة حكمه كان الهدف الاساس من بين الاهداف الرئيسة الاخرى للسياسة العراقية يرتكز على المهمة العاجلة لاقامة روابط ثابتة من المشاعر والاهداف المشتركة بين عناصر العراق المختلفة، ومن خلال الروحية التي تجمع العراقيين عربا وكردا وتركمان مع الاقليات الاخرى ، وحرص الملك فيصل الاول على ان يحصل الكرد على نسبة ملائمة من وظائف الدولة ، كما اعتقد ان معظم واجبات العربي العراقي تشجيع اخيه الكردي العراقي للتمسك بقوميته ، والانضواء تحت الراية العراقية .
كانت التهمة الموجهة الى الملك فيصل من الطامعين في التحكم والتسلط سواء في ذلك رجال المدرسة القديمة في السياسة، ام المثقفون الجدد المحرومون، ام العناصر التي الفت التمرد واثارة الفتن من رجال الدين وشيوخ العشائر . انه كان يمالىء الانكليز ويسايرهم . وقد نسي هؤلاء جميعا وعلى الاخص بعد ان فشلت ثورة سنة 1920 ذلك الفشل المريع في تحقيق اهدافها بان العراق لم يكن منذ الغزو المغولي وما بعدها شيئا مذكورا لا في تاريخ العالم ولا بين الامم. وان فيصلا بمساعدة المخلصين من العراقيين وغيرهم ، قد استطاع لاول مرة ان يضع أسس قيام حكومة عراقية يديرها العراقيون بانفسهم. ولم يكن بمستطاع اي حاكم مثله يبرز في بلد تحتله الجيوش الغازية، ويعوزه النصير من اي بلد اخر في العالم، عربيا كان ذلك النصير ام غير عربي، ان يقف بوجه الانكليز ويصارعهم لانه لا يمتلك القوة لعمل ذلك. وهذه الحقيقة ما تزال تغيب حتى اليوم عن اذهان كثير ممن يدعون الالمام بالحقائق ودراسة الموضوعات المتعلقة بالحكم ، من الذين يحمون او يؤرخون الواقئع بحمة وانصاف .لا نريد بهذا القول ان ندافع عن فيصل ورجاله ، وانما الحقيقة تقتضي مثل هذا القول.

                       


علاقة فيصل بالانكليز
مرت علاقة الملك فيصل الاول بالبريطانيين بمرحلتين – الاولى منذ قيام الثورة العربية عام 1916 حتى تتويج فيصل عام 1921 والثانية منذ التتويج حتى وفاة فيصل عام 1933 . وهذه العلاقة كانت علاقة حلفاء له وللثورة العربية فيما شهدت المرحلة الثانية تبديلا في تلك العلاقة التي اخذت تتغير من علاقة ود وصداقة الى برود بل وتأزم في حالات كثيرة والى تهديد ووعيد من قبل بريطانيا.
تحمل فيصل ضغوط الانكليز بشكل لا يحسد عليه واستطاع أن يخلق بل ويشدد الضغوط على الانكليز بحيث استطاع أن يفت في كثير من الاحيان في عضدها وينتزع من فم التمساح مطالب ليس من السهل انتزاعها.
وقدمت بريطانيا للملك فيصل مسودة غير رسمية للمعاهدة لمعرفة رأي الجانب العراقي تضم 15 مادة تمكن بريطانيا من القيام بالتعهدات في صك الانتداب تلك المعاهدة التي أبدى فيصل مخاوفه منها وقدم تعديلات الا أن بريطانيا رفضتها فابدى فيصل صلابة أيضا تجاه الموقف البريطاني موضحا عدم استعداده لقبول ورئيس وزرائه لمساعدة بريطانيا. بل أن فيصلا أخذ يضغط على بريطانيا لقبول مقترحاته، فيما أصرت بريطانيا على موقفها مما اضطر مجلس الوزراء على الموافقة على المعاهدة رغم اعتراض الوزير الوحيد جعفر ابو التمن .
ان فيصل لم يكن أداة طيعة بيد السلطات البريطانية بل كان رجل دولة استخدم فلسفته السياسية وطموحاته وفنه في تصريف العلاقات العراقية – البريطانية ورغم أنه كان في نزاع مستمر مع الانكليز فقد رفض تصديق قرار وزارته بتوقيع المعاهدة الاولى ووقف مع القوى الرافضة للانتداب بل انه دفعها للتنديد بها.
ان بريطانيا وجدت أن فيصلا لا يطبق سياستها في العراق بل على العكس من ذلك كان يطبق سياسة – خذ وطالب – مما أدى بها الى مناقشته والتخلص منه اذ أن البريطانيين يعتقدون أن فيصلا يريد استقلال العراق وقوته لتحقيق أحلامه التوسعية – كما وصفوها – في تكوين الامبراطورية الامبريالية . لم تكن معاهدة عام 1922 والبروتوكول الملحق بها الوثيقة الدولية الاخيرة التي حددت بموجبها طبيعة وابعاد العلاقة بين العراق وبريطانيا ففي الاعوام القليلة التي تلت برزت على المسرح السياسي مشكلة الموصل ، وقد تم في عام 1925 عرض المشكلة على عصبة الامم التي عينت لجنة متخصصة لبحث مختلف جوانب المشكلة وقد اوصت هذه اللجنة في تقريرها المقدم بأن يحتفظ العراق بالموصل شرط أن تعقد معاهدة جديدة تضمن استمرار الانتداب البريطاني لمدة خمسة وعشرين عاما الا اذا قبل العراق خلال ذلك عضوا في عصبة الامم.
وجد العراق مسالة الاختيار بين رفض التوقيع على المعاهدة المقترحة ومن ثم بروز احتمال فقدان الموصل او القبول بالشرط الذي وضعته لجنة عصبة الامم فارتضت الحكومة العراقية بالخيار الثاني وتم التوقيع على معاهدة جديدة عام 1926 تضمنت اقرار العراق لتوصيات لجنة الحدود التابعة لعصبة الامم.
عندما شرع فيصل في تنفيذ قانون التجنيد الاجباري لتكوين جيش قوي كخطوة اساسية لتحقيق استقلال العراق عند دخول عصبة الامم وتمادى في سياسته الى درجة انه اهمل رغبات السلطة البريطانية في بغداد وأصر مستشارو المندوب السامي البريطاني ووكيله على اقصائه ونفيه خارج العراق لكن المندوب السامي فضل بقاءه واتباع أساليب أخرى معه لاخضاعه .
واستمرت لعبة شد الحبل بين بريطانيا وفيصل ففي الثالث من تشرين الاول/ اكتوبر 1932 شعرت بريطانيا أن فيصلا أصبح خطيرا جدا بتحوله نحو قوى مناهضة لبريطانيا بعد تلقيه دعوة شخصية من الزعيم الايطالي موسوليني لزيارته وهو في طريقه الى سويسرا. اذ فسر البريطانيون هذه الدعوة بانها تقديم مساعدة ايطالية للعراق عند سحب أو تقليل المستشارين البريطانيين العسكريين والمدنيين الذين يعملون في العراق أي احلال الايطاليين محل البريطانيين .
لذلك أصبح وجود فيصل يشكل تهديدا خطيرا لبريطانيا ولعل ما نشرته الديلي ميل اللندنية عند زيارة فيصل لبريطانيا في حزيران 1933 يجسد ذلك فقد ذكرت الصحيفة ان الدوائر المختصة في لندن كانت تشك كثيرا في عودة فيصل الى العراق بعد استشفائه في سويسرا.
كان الملك فيصل الاول الذي دعي للقيام بزيارة رسمية الى انكلترا والتي احسن توقيتها . ترك ابنه غازي الذي بلغ الحادي والعشرين من عمره، وصيا عنه في بغداد . وقد وصل فيصل الى لندن في اليوم العشرين من شهر حزيران بصحبة ثلاثة من الوزراء هم ياسين الهاشمي ونوري السعيد ورستم حيدر. كانت تلك الزيارة ناجحة نجاحا تاما. فبعد اقامة امضاها في قصر بنكغهام، قام فيصل بزيارة سكوتلندا وديفو نشاير ، كما امضى اياما اخرى في سويسرا.

                                     


ومن سويسرا وصلت الانباء في الثامن من ايلول/سبتمبر الى بغداد تعلن بان الملك فيصل الذي كان الى جانبه اخوه الملك علي ونوري السعيد ورستم حيدر قد توفي فجأة على اثر نوبة قلبية اصابته في مدينة برن بسويسرا.
لقد كانت الرجة التي احدثتها هذه الخسارة التي لا تعوض مفاجأة بصورة مؤثرة لما له من مكانة في قلوب العراقيين وقد بدا هذا الشعور لدى وصول جثمانه من ميناءي (تريست) و(حيفا) بفلسطين يوم الرابع عشر من ايلول /سبتمبر 1933 .ذلك التعبير عن الحزن الواسع الذي اصاب الامة العراقية. فقد كانت خدمات فيصل الاول في الواقع تتجاوز الثمن بالنسبة الى دولة كان هو روحها ومجسدها معا على حد سواء التي برهنت اهمية تلك الخدمات في الايام والسنوات التالية على انه لا يمكن الاستغناء عنها قط. فلم يعد مستطاعا لاي شخصية ان يحتل مكانه بصفة موازن القوى أو أن يحتفظ بعلاقاته المتعادلة مع اصحابه المتطرفين ومع البريطانيين وطائفة المثقفين في المدن.
وكانت علاقته مع كل الساسة العراقيين حتى هؤلاء حميمة لتحقيق الهدف الاسمى- استقلال العراق .

             

كان نوري السعيد من أوائل الضباط العرب الذين انضموا الى الثورة العربية عند اندلاعها.بل وكان الضباط العراقيون هم العمود الفقري للثورة العربية. وكان اشتراكه في الثورة العربية بداية رفقة مستمرة للاسرة الهاشمية دامت طوال حياته، بل كان دوره مهم وفاعل في تاسيس الدولة العراقية الحديثة، حيث أولى نوري السعيد بعد وصوله الى بغداد في 18/2/1921 جانبا كبيرا من نشاطه لموضوع ترشيح فيصل لعرش العراق فاجتمع مع رجال الادارة البريطانية وكان رأيه ليس هناك غير فيصل يستطيع أن يكون ملكا على العراق .
وعلى الرغم من جهود نوري السعيد لمساعدة فيصل في تولي العرش، الا أنه كان مستعدا للتضحية به اذا اصطدم مع الانكليز.
ابدى نوري السعيد نشاطا لدعم ترشيح فيصل على عرش العراق وفي سبيل ضمان وصول الامير فيصل الى العرش العراقي كان على نوري السعيد ان يلعب دوره في قطع الطريق امام المرشحين الاخرين الذين كانوا ينافسونه على العرش نفسه وعلى راسهم طالب النقيب. وفي هذا المجال لجا نوري الى لعبة ذكية هدف منها ابعاد طالب النقيب عن منصبه كوزير للداخلية الذي استغله ليمارس الضغط من خلاله لصالحه. ولم يكن بوسع النقيب ان يوقف التيار المفروض الذي اصبح هو من ابرز ضحاياه وكان لنوري السعيد دوره الواضح في ذلك وعندها اختفى طالب النقيب عن المسرح السياسي. وكان الشيخ خزعل امير المحمرة ايضا من بين الذين رشحوا انفسهم للعرش العراقي واعتقد خزعل ان الفرصة اصبحت اكثر ملائمة بالنسبة له بعد نفي طالب النقيب الا ان نوري السعيد بعث له برسالة بواسطة مزاحم الباجه جي ليسحب ترشيحه. وبالفعل ترك الشيخ خزعل الميدان لفيصل. كذلك سحب عبد الرحمن النقيب ترشيحه واتخذ موقفا مشابها لموقف الشيخ خزعل.
ان علاقة فيصل بنوري السعيد ظلت على أحسن ما يرام الى حين تشكيل نوري السعيد اول وزارة له عام 1930 بعدها بدأ نوري السعيد يتصرف كمركز قوة وكقوة ذكية.


وفاة فيصل

يوم الثامن من ايلول 1933 توفي الملك فيصل الاول في سويسرا اثناء رحلة الاستشفاء هناك واصدرت الحكومة العراقية بلاغا جاء فيه ( فجعت الامة بوفاة سيدها وباني مجدها جلالة الملك فيصل الاول وذلك نتيجة نوبة قلبية) الا ان صحف المعارضة لم تقتنع بان الوفاة طبيعية فمنهم من قال ان الانكليز هم الذين دبروا الفاجعة ومنهم يتحدث عن أن الوفاة كانت بسبب دس الزرنيخ له في الشاي الذي شربه قبل حوالي ست ساعات من وفاته وبعضهم..

    

وجه الاتهام الى نوري السعيد ورستم حيدر رئيس الديوان اللذان كانا برفقته اثناء الرحلة.

    

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

591 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع