ابتسامة جذلة ... قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

ابتسامة جذلة ... قصة قصيرة

الوجوه تتشابه في الانتظار وتختلف في الحكايات . هذا يحمل حقيبة مثقلة بالهموم ، وذاك يجر خلفه أعواما من الخيبات . في تلك المحطة الضخمة التي تتقاطع فيها عدة مسارات . قطار يغادرها . وآخر عائد للتو . يحملون حقائبهم وآمالهم . أما هو فقد دب اليأس بروحه .أغمض عينيه فمرّ شريط تصرفاته الساذجة معها وكأنها كانت خارج ارادته أو رغما عنه .
أخذ يراقب فاختة كانت ترفرف فوق عشها وهي تطعم صغارها في قلب شجرة . تذكر ولديه وهو يسند رأسه فوق نافذة العربة وتذكرها هي . حين كانت تنتظره في شرفتها بعد إعداد الطعام وانتظارها إياه .وتذكر ابنته الصغيرة حين كانت تقف عند اول الشارع كل مساء وما ان يلوّح لها من بعيد حتى تركض نحوه بلهفة ، تتساقط عن كتفيه أعباء النهار ويعود لبيته مزهوا بفرحة لا يمنحها اياه الا قلب طفلته العنيدة والمشاكسة .
أكل الندم قلبه . كيف تجرأ ونعت زوجه بتلك الكلمات النابية أو كيف طاوعته يده ان تمتد اليها رغم الحب الكبير الذي جمعهما . ناداه عامل العربة . أجلس أيها السيد في مقعدك المخصص . انك تقف في المكان الخطأ تجاهل الأمر كأنه لا يعنيه . .
تشابكت يداه بقوة ثم ضغط عليها هامسا . كيف فعلت ذلك . كيف يا الهي .؟ كانت امرأة شابة تجلس بجانب مقعده فطلبت منه ان يبتعد قليلا عن النافذة كي تلوح لزوجها الذي ستفارقه لعدة ايام في رحلة استجمام على شاطئ البحر . لكنه تجاهل طلبها وكأنه لا يسمعها . عاد يتمتم مع نفسه بحسرة وندم . وتمنى ان يعود أدراجه . لكنه شعر بثقل ساقيه وتنملهما مع ألم شديد أصاب رأسه .
يا ربي . ماذا فعلتُ بنفسي . هل أعود إليها غدا . ؟
لا . لا . إنها لن تسامحني . !!! انهمرت دمعة لم يستطع حبسها
كررت المرأة الشابة طلبها بعصبية وازدراء . ايها السيد ابتعد عن النافذة من فضلك . الا تسمع ان هذا ليس مقعدك .
مرة أخرى ناداه عامل العربة بصيغة الأمر . فعاد يجر قدميه ببطء وحذر خوفا أن يتهاوى بجسده . خمّن عامل العربة إنه يعاني من وعكة صحية أو ربما تصوره مخمورا . فقال له :ـ ايها السيد
مقعدك رقمه 35 . أتحتاج مني مساعدة . ؟ لكنه لزم الصمت مرتبكا . تنفس بصعوبة كأنه رجل مصدور . ثم
وصل مقعده وجلس متهالكا . أغمض عينيه وأسند رأسه إلى حافة المقعد الذي أمامه وحين أنطلق القطار أحس بوخزة في قلبه .ولم يستطع السيطرة ليمنع دموعه المتساقطة . حينها حاول ان يخفي وجهه عن الآخرين .
لكنه شعر بيد صغيرة حانية فوق يده . ثم يد أخرى تمسد شعره . رفع رأسه بدهشة وانبهار . طالعه وجهها المدور وشعرها القصير الذي بعثرته الريح وهي تسابق الزمن كي تصل اليه قبل انطلاق عجلات القطار . نهض مبهوتا تبادلت عيونهما كلاما عجزت عن ترجمته أي لغة ثم امتدت يده المرتجفة نحوها وحين تشابكت الاصابع تساقطت كلمات العتاب دفعة واحدة كأوراق الخريف ، ابتسم كل منهما للآخر ابتسامة جذلة كأنها اعتذار ووعد جديد لمواصلة الدرب سوية مع طفليهما .
أما القطار فكان يمضي بصفيره المعتاد ، غير عابئ بما تحمله الأرواح من أثقال وهموم أو امال جميلة ومفاجآت .


من مجموعتي القصصية (غريد القصب)

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1106 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع