
د. وَائِلْ اَلْقَيْسِي
لماذا لا يمكن محاسبة الفاسدين في العراق
تداولت جهات إعلامية كثيرة بعضها حكومية وأخرى على وسائل التناطح الاجتماعي أن رئيس مجلس الوزراء في العراق المحتل قد أصدر توجيهًا بإطلاق منصة إلكترونية مخصصة للإبلاغ عن حالات الفساد، وقد قيل إن هذه المنصة تتسم بالسرية التامة وتضمن حماية هوية المبلّغين، وذلك بهدف تجاوز عزوف المواطنين عن الإبلاغ خوفًا من التعرض لمشكلات قد يسببها لهم الفاسدون.
وبصفتي مواطنًا عراقيًا، ورغم عدم قناعتي بهذه الحكومة ورفضي القاطع لجميع مخرجاتها منذ الغزو الأمريكي والاحتلال الإيراني للعراق في عام 2003 وحتى الوقت الراهن، فإنني أجد من الواجب عليّ أن أتقدم بهذا البلاغ علنًا وعلى مرأى من الجميع، وليس عبر المنصة الإلكترونية السرية المذكورة آنفًا. فالأموال المنهوبة هي ملك لنا جميعًا، وهي أموال العراق والشعب العراقي وأجيال المستقبل، لذا لن أتبع أسلوب المجاملة أو المراوغة التي تمارسها الثعالب خلف ستار تلك المنصة المزعومة، بل سأدلي بمعلومات يبدو أن رئيس مجلس الوزراء لا يجرؤ على مواجهة نفسه بها على الرغم من علمه المسبق بها.
غير أنني أودّ قبل ذلك طرح سؤال جوهري ومحوري عليه، حتى يتمكن العراقيون من اتخاذ قرارهم بشأن الاستجابة لدعوته المتمثلة في الإبلاغ عن الفاسدين عبر تلك المنصة من عدمه، وهو: هل يستند في محاربة الفساد إلى معتقده الطائفي والمذهبي أم إلى قوانين الدولة العامة؟!!
فإذا كان قراره مبنيًا على خلفية طائفية ومذهبية، فإن جميع ما يُسَمَّون بالسياسيين بعد 2003 ومن يتبعهم في مفاصل الدولة المختلفة يُعدون فاسدين، بدءًا من أبسط الموظفين وصولًا إلى رؤساء الأحزاب والكتل والتجمعات بمختلف تسمياتهم، بل وحتى المواطن البسيط قد يندرج ضمن فئة الفاسدين، بإستثناء جميع الشيعة، إذ إن كبار السادة المعممين من المراجع والآيات والحجج عبر قرون طويلة يبيحون الاستيلاء على المال العام تحت ذريعة ان (كل ما تحت الأرض وفوقها هو ملك لصاحب الزمان)، وأن القول بأن "الأرض وما فيها هي ملك للإمام المنتظر" ليس مجرد فتوى معاصرة، بل هو مبدأ عقائدي وفقهي متجذر في الفكر الشيعي الإمامي، يستند إلى روايات مكذوبة على أئمة أهل البيت تُعرف في كتب الحديث بـ "باب أن الأرض كلها للإمام".
وبموجب هذا المبدأ، يجوز لأي مُتبِع لهذه العقيدة أن يأخذ وينهب ويستولي حتى على ممتلكات الآخرين من غير أتباع هذا الفكر الشاذ والمنحرف، وتكون هذه الأموال حلالًا زلالا لهم، شريطة دفع خمس المسروق أو من قيمته إلى وكلاء صاحب الزمان (وهم أصحاب العمائم السوداء تحديدًا)، بدعوى أن صاحب الزمان من آل البيت وأن أنسابهم تمتد إلى هؤلاء، مما يمنحهم غطاءً شرعيًا لشرعنة هذه الاستيلاءات على الرغم من ان أغلبهم اعاجم، ولا نعرف كيف لأعجمي أن يكون من آل البيت وآل البيت كلهم عرب اقحاح؟!!.
وتستند هذه التبريرات الفاسدة إلى فكرة فقهية قديمة وحديثة في آنٍ واحد، مفادها أن الحكومات غير المعصومة تُعتبر "غير شرعية" بالمعنى الديني المطلق، وبالتالي فإن الأموال التي تقع تحت سيطرتها (مثل النفط والمصارف والمؤسسات) لا تُعد ملكًا للدولة ككيان قانوني، بل هي إما أموال مجهولة المالك أو أنها في الأصل ملك للإمام المعصوم.
وبناءً على هذا التأويل المشوه، يرى السارقون أن أخذ هذه الأموال ليس سرقة، بل هو استيلاء على "مال سائب" أو نقل للمال إلى جهة يزعمون أنها تمثل الإمام (مثل ذوي العمائم السوداء والأحزاب أو الميليشيات أو الهيئات الدينية التابعة لهم).
فإذا كانت دعوة مكافحة الفساد أو الإبلاغ عن الفاسدين التي تبنّاها رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي تنطلق من هذه العقيدة المذهبية، فإنها ستكون موجهة ضد جميع مكونات الشعب العراقي، باستثناء فاسدي الشيعة الذين يُعتبرون معصومين بموجب فتاوى مذهبهم، ولن يشملهم القانون أو المساءلة القانونية بأي حال من الأحوال.
أما إذا كانت حملة مكافحة الفساد تجري في إطار قانون الدولة العام — وهو أمر غير مرجح طالما أن العراق يُحكم من قبل الإطار التنسيقي الولائي — فإنني أتوجه بهذا البلاغ علنًا ضد جميع الفاسدين من قادة ورؤساء الأحزاب والكتل السياسية والبرلمانية.
ومن منطلق الموضوعية المطلقة، وحتى لا يُقال إننا نستهدف تحديدًا المالكي والعامري وعمار والخزعلي ومقتدى والمندلاوي والصافي والكربلائي وتوابعهم، فإننا نقترح تشكيل لجنة قانونية تضم قانونيين يتمتعون بمكانة ونزاهة تعادل مكانة القاضي رزگار محمد أمين، من عراقيين وعرب وأجانب، على أن تُدار وتُدقق وتُنفذ إجراءاتها من قبل قضاة من المركز الدولي لتنسيق مكافحة الفساد (IACCC) ، أو من قضاة دوليين من غير المرتبطين بحكومات، لمسائلة ومحاسبة كل من أثرى على حساب المال العام وأموال الشعب العراقي منذ يوم الإحتلال الأول حتى هذه الساعة لكل العراقيين وبلا استثناء وخصوصا قادة الأحزاب والكتل والبرلمانيين والمعممين وأفراد الميليشيات الإرهابية وقادتها افرادا وجماعات .
لكننا في الختام نخلص إلى القول ان كل هذه الزوبعة حول محاربة الفساد والفاسدين لا تعدو عن كونها مجرد عفطة عنز لا أكثر، فالحل لمعالجة هذه الموضوع بسيط جداً، وهو تطبيق مبدأ "من اين لك هذا" على جميع العراقيين منذ 9 نيسان 2003 حتى اليوم.

951 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع