
أحمد العبدالله
الأسير المرتد(علي صبري) ..الغدر والخيانة
قبل ثلاث سنوات, وكنت حينها لم أطّلع بعد على كتاب هشام النورسي, نشرتُ مقالا أوردت فيه الفقرة التالية؛(في ضاحية الثورة(الصدر حاليا)الواقعة شرق بغداد, وخلال خفارات الجيش الشعبي في الأيام الأولى للحرب عام 1980, قام أحد أفراد مفرزة باغتيال رفاقه الثلاثة أو الأربعة الذين معه في الواجب وهم رُقود. وبعد التحقيق معه, ظهر بأن له ارتباط بحزب الدعوة الفارسي, وقد تكرّرت مثل هذه الحوادث في بغداد ومناطق أخرى في جنوب العراق. كما حصلت حوادث من هذا النوع في جبهات القتال مع الفرس المجوس, إذ يقوم الخونة المجرمون بقتل زملائهم خلال الدوريات أو الكمائن في الأرض الحرام ثم يهربون للجانب الإيراني). وكأن ما كتبته حينذاك, كان(توارد خواطر)بيني وبين هشام النورسي!!.
إذ يروي النورسي في كتابه قصة الأسير المرتد(علي صبري), الذي قام بقتل مجموعة من رفاقه الجنود غدرا, خلال واجبهم في جبهة القتال ثم هرب للجانب الإيراني. وخلال وجوده معه في القفص, وفي أحد الليالي قبل حلول وقت النوم, انسلَّ علي صبري من مهجعه وأخذ يتودد للحرس ويقول له؛ إنه من أنصار ولاية الفقيه, ومن أتباع آل البيت ومن شيعة الامام علي, وإنه فقط يطلب تزويده برغيف خبز إضافي يسدُّ به جوعه في تلك الليلة, ظنا منه إن الحرس على مثل دينه. فسايره الحرس حتى أوصله لباب القفص وهو يلاطفه ويربت على كتفه, وفجأة دفعه بقوة للداخل مع ركلة على مؤخرته, وقال بعصبية؛ ما لي أنا وأنتم.. أنا فارسي و(علي صبري)هذا عربي فما الذي يربطني به؟!.. ثم أنهى كلامه واصفا إياه بكلمة فارسية نابية, وهي(كسيف), وتعني قذر. فرجع ذلك الانتهازي الوضيع الدنيء إلى مكانه خائبا ذليلا.
ومرّة زار قفصنا آمر المعسكر العقيد عزمي, وبعد أن أعطى توجيهاته لآمر الحرس(إيرج), أدار ظهره للخروج فاستوقفه الخائن علي صبري, وتمتم له بعدة كلمات فارسية عكف على تعلمها في المعسكر, طالبا من عزمي مقابلته بمكتبه الخاص على انفراد ليشرح له موضوعه, فتجاهله العقيد, ولكن علي صبري رمى بنفسه على قدميه متوسلا به أن يسمعه. فوافق بشرط أن يكون الكلام أمام جموع الأسرى, فرضخ صاغرا, وأخذ يقص حكايته وابتدأها بالقول؛ إنه ليس أسيرا, بل سلّم نفسه طوعا(تلبية لنداء الامام الخميني)إذ سمعه من خلال راديو طهران يقول؛(إن من يسلّم نفسه سيكون ضيفا على الجمهورية الإسلامية).
وأضاف وهو غير آبه بجموع الأسرى المصغية له؛ لقد كنت ضمن خمسة جنود نقوم بدورية ليلية على خط الجبهة نستقل آلية مدرعة, وكنت ملمًّا بطبيعة الأرض باعتباري من أهالي البصرة, وعندما أصبحنا على مسافة قريبة من القوات الإيرانية فاتحت زملائي من أجل أن نتفق أن نسلّم أنفسنا للقوات الإيرانية تلبية لنداء الخميني, فرفضوا فعل ذلك ونهروني بشدة, فسحبت سلاحي وقتلتهم جميعا, وقدت آليتي باتجاه المواضع الإيرانية بعد أن أشعلت مصابيحها ورفعت راية بيضاء.
وبعد أن وصلتهم حاصروني وأمروني بالترجل من العجلة, باعتباري أني ضللت الطريق ووقعت بيدهم بالمصادفة. ولكني أريتهم دليلي الذي يثبت صحة أقوالي وأخرجت لهم جثث الجنود الأربعة الذين قتلتهم, وعندها اقتنعوا بكلامي. وأخلوني لمقراتهم الخلفية وهناك التقيت بإخوتي المجاهدين من حزب الدعوة وفيلق بدر, وقمت بتزويدهم بمعلومات مهمة عن حقول الألغام العراقية, وعلى أثرها نفذوا هجوما واسعا وقتلوا وأسروا الكثير من(القوات الصدامية)دون أن يتكبدوا أي خسائر. وبعد انتهاء الهجوم قيّدوني مع الأسرى الذين ألقوا القبض عليهم خلال الهجوم الذي ساعدتهم فيه وأرسلونا جميعًا لقفص الأسر هذا.. فهل يصحُّ ذلك؟!.
ولما انتهى علي صبري من روايته نظر إليه العقيد عزمي باحتقار ثم بصق في وجهه, وقال له: إن زملاءك الذين قتلتهم هم جنود بسطاء دُعوا للخدمة العسكرية الإلزامية, لتأدية واجبهم تجاه بلدهم لأنه في حالة حرب. ولم يقترفوا ذنبا يدفعك لقتلهم بهذه البساطة سوى أنانيتك للحصول على دليل يدعم أقوالك عندما تسلّم نفسك لنا.. فأي نوع من البشر أنت؟!. ولو كنت أنا من وقعت بيده أول الأمر لقتلتك في الحال. كيف تريد منّا أن نأمن جانبك بعد أن خنت وطنك؟!.
فقاطعه الخائن علي صبري بكل صلافة, قائلا؛ ولكني لم أجد وسيلة أخرى لتلبية نداء الامام. فصرخ به العقيد عزمي بعد أن نفذ صبره؛ أي نداء تتكلم عنه؟!, نحن والعراق بحالة حرب, وليس كل ما يُذاع هو حقيقي.
ثم عاد الخائن لمكان جلوسه وهو يجرّ أذيال الخيبة, ويردد بصمت مسموع, لتبرير احتقار العقيد الإيراني له؛ إنه حتما من جماعة الشاه.. ولا أدري لِمَ استبقته الجمهورية الإسلامية وأمثاله للخدمة في الجيش الإسلامي؟.. ولكني واثق إن الدور سيأتي عليه يوما وستستأصله الثورة الإسلامية.
***
وفي الختام أقول؛ الغريب هو تكتّم نظام صدّام حسين على مثل هذه الوقائع, والتعامل معها على إنها حالات شاذة وحوادث فردية ومعزولة, بينما الحقيقة هي ليست كذلك أبدًا. وكان يُفترض بالأجهزة المختصة الاهتمام بتحليلها ودراستها والتحرّي عن أسبابها ودوافع فاعليها والعقيدة الفاسدة التي تحرّكهم, لغرض وضع المعالجات اللازمة لها. ولكن النظام أهملها وتجاوزها وغطّاها بضجيج الشعارات الصاخبة, من قبيل؛(العراقيّون.. شعب واحد من زاخو إلى الفاو)!!.

762 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع