
شيروان الجاف
الهروب إلى الأوهام ، كيف يعيد العقل صياغة الحقيقة ليحمي النفس من الانهيار؟
أحيانًا يصل العقل البشري إلى مرحلة ينحشر فيها في زاوية ضيقة جدًا، فلا يعود قادرًا على تحمّل البشاعة التي رآها أو التي اقترفتها يداه (الصدمة). هنا، يعجز العقل عن استيعاب أنه هو نفسه صاحب ذلك الفعل البشع، أو أنه السبب في فاجعة لا يمكن إصلاحها.
أتعلم؟ حين نغوص في أعماق النفس البشرية، نكتشف أن الواقع الذي نعيشه ما هو إلا ألعاب نارية يبتدعها العقل ليجعلنا قادرين على تحمّل وجودنا في هذا العالم. إن العقل البشري كيان جبار يمتلك خط دفاع أخير يُسمى "حماية الذات من الانهيار التام". ولكن كيف يحدث ذلك؟
عندما يتعرض الإنسان لصدمة حادة تزلزل منظومته الأخلاقية وتجعله يرى نفسه كوحش؛ يقف العقل حينها أمام مأزق وجودي مرعب: إما أن يتقبل الحقيقة المرة، فيتفتت الوعي وينتهي المطاف بالإنسان إلى الجنون أو الانتحار، وإما أن يمارس أعظم عملية تزييف في التاريخ النفسي، ألا وهي "التفكك" واختلاق قصة بديلة... وهنا مربط الفرس وحجر الزاوية.
يتحدث عالم النفس الشهير كارل يونغ عن مفهوم يُدعى "الظل" (The Shadow)؛ والظل هو كل الأشياء المظلمة، والوحشية، والغرائزية التي نختزنها في أعماقنا وننكر وجودها. يستطيع الإنسان العادي أن يعيش وهو يختزن ظله ويستقر تحت سيطرته، ولكن في اللحظات الصادمة والمآسي الكبرى، ينفجر هذا الظل ويطفو على السطح ليمسك بزمام القيادة، وهنا تقع الجريمة أو الكارثة. وحين يستفيق الوعي ويعود ليرى يديه ملطختين بالدماء أو العار، يحدث الصدام المباشر والحاد بين "الأنا العليا" الشريفة وبين "الظل" الوحشي الذي ارتكب الفعل.
في هذه اللحظة، يعجز العقل تمامًا عن دمج الشخصيتين في خط واحد؛ فمن المستحيل على إنسان يرى نفسه شخصًا شريفًا وطيبًا أن يتقبل في الوقت ذاته أنه قاتل! فما الحل إذن؟ الحل هو "التفكك النفسي الفاصل". يقسم العقلُ الوعيَ إلى نصفين ويفصل بينهما، فيُنتج شخصية جديدة لا تمتّ بأي صلة للماضي المظلم، ويبدأ في خلق عالم كامل من الأوهام والرموز. وتلك الرموز ليست عشوائية، بل هي مشتقة من الحقيقة ذاتها، لكنها مُعادة التدوير بطريقة تجعل البطل دائمًا هو الضحية أو المنقذ، وليس الجاني.
لنطرح مثالاً جليًا على ذلك: هل تتذكرون فيلم "جزيرة شاتر" (Shutter Island)؟ تعالوا نغوص معًا في أعماق قصة "أندرو ليديس". أندرو رجل عاش صدمة ثلاثية الأبعاد: أولاً، إهماله لزوجته المريضة نفسيًا؛ ثانياً، رؤيته لأطفاله الثلاثة صرعى غرقًا على يد أمهم؛ وثالثًا، قتله لزوجته التي يحبها شديد الحب بدم بارد بعدما رأى هذه الكارثة. هذه الصدمة، لفرط شدتها، تُسمى في علم النفس بـ "الصدمة الوجودية القاتلة".
بعبارة بسيطة: لو استيقظ أندرو في اليوم التالي واستوعب أنه الأب المقصر والزوج القاتل، لانتحر عقله وانفجر في التو واللحظة. فما الذي فعله عقله الجبار؟ قام بمحو "أندرو ليديس" تمامًا، واختلق شخصية "تيدي دانيلز"، المحقق الفيدرالي الشريف الذي يطارد الشر. انظروا إلى العظمة النفسية هنا: حوّل العقلُ الشعور بالذنب الكامن داخل أندرو إلى مؤامرة خارجية؛ فلم تكن المؤامرة فيه ولا في ذاته، بل في شرير خارجي يُدعى "أندرو ليديس" (مُشعِل الحرائق)، وفي وجود أطباء خبثاء يجرون تجارب بشرية! كل شخصية اخترعها تيدي ما هي إلا إعادة ترتيب لحروف اسمه واسم زوجته "دولوريس"، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ "التحوير السردي القهري".
حتى الكهف الذي وجد فيه الطبيبة "راشيل" الحقيقية، لم يكن سوى تجلٍّ للّاشعور العميق الذي يحاول تحذيره من "المنارة"؛ والمنارة في الفيلم ترمز إلى مركز الوعي الصلب والحقيقة العارية المرعبة التي يحاول الدكتور "كولي" مواجهته بها. وعندما وصل أندرو إلى المنارة وتفككت الأوهام كلها، واضطُر لمواجهة جثث أطفاله ودماء زوجته التي تلطخ يديه... هنا نصل إلى أعمق نقطة في الفيلم: تعافى أندرو عقليًا واسترجع ذاكرته، لكن شفاءه العقلي كان يعني هلاكه الروحي؛ لأن معرفته بالحقيقة جعلته يرى نفسه وحشًا.
وهنا اتخذ أندرو قرارًا فلسفيًا حاسمًا يفوق عمقًا كل النظريات النفسية: فهو لم ينتكس في الصباح التالي، بل ادعى الجهل والانتكاس عمداً! ولماذا؟ لكي يُجروا له عملية استئصال الفص الجبهي. لقد فضّل أندرو أن يُلغى عقله ويبقى "تيدي" الرجل الطيب الميت دماغيًا، على أن يعيش يومًا واحدًا إضافيًا وهو يعلم أنه "أندرو" الوحش القاتل. تلك هي أقصى درجات التضحية بالوعي في سبيل الحفاظ على ما تبقى من الشرف النفسي.
وهل نكتفي بهذا؟ لنأخذ مثالاً آخر: هل تتذكرون فيلم "حياة باي" (Life of Pi)؟ ذلك الفتى الذي يبحر مع النمر؟ هنا يأخذ العمق النفسي طابعًا روحيًا ووجوديًا أشد قسوة. "باي باتيل" فتى نباتي متدين يبحث عن الله في الأديان كلها، إنسان في غاية البراءة، يستحيل عليه ظاهريًا أن يؤذي نملة. وفجأة، يجد نفسه في عرض المحيط بعد غرق سفينته. وما حدث على متن قارب النجاة لم يكن رحلة خيالية مع الحيوانات، بل كان مسلخًا بشريًا مرعبًا يعجز اللسان عن وصف بشاعته!
البحار مكسور الساق قُتل وأُكل من قِبل الطباخ الشرس، وأم "باي" قُتلت وقُطع رأسها أمام عيني ابنها! وفي تلك اللحظات المرعبة، لم يبقَ أمامه سوى خيارين: إما الاستسلام للموت، وإما التحول إلى وحش كي يبقَ على قيد الحياة. وبفعل غريزة البقاء البدائية، هجم "باي" على الطباخ وقتله بشراسة وأكل من لحمه ليسد جوعه ويضمن نجاته.
تخيلوا معي حجم الفاجعة النفسية هنا: فتى يقدس الحياة والأديان، يتحول إلى قاتل وآكل لحوم بشر! هذا هو انكسار المبدأ وتدنيس المقدس. ولو ظل عقل "باي" متذكرًا لهذه الحقيقة، لمات "باي" من الاشمئزاز والذنب في عرض البحر. لذا، أجرى عقله عملية فصل فورية بين "الغريزة الوحشية" و"الذات البريئة". بقيت الذات البريئة متمثلة في "باي" الفتى الروحي اللطيف، بينما تجسدت الغريزة الوحشية القاتلة التي أكلت لحم الطباخ للبقاء، في هيئة النمر الشرس "ريتشارد باركر". فالنمر ليس إلا الخوف، والوحشية، والجانب المظلم الذي اندفع من أعماق "باي" في اللحظة الحاسمة.
وطوال الرحلة، كان "باي" يطعم النمر ويحافظ على حياته، لأنه يدرك أنه من دون هذا النمر—من دون هذه الوحشية—لم يكن لينجو في المحيط. وحتى الجزيرة الآكلة لللحوم التي زارها في البحر، والتي كانت عبارة عن نباتات تلتهم البشر وبداخلها سن إنسان، لم تكن إلا رمزية نفسية مرعبة للحظة التي أكل فيها "باي" من جثة أمه أو الطباخ لكي لا يموت جوعًا.
جزيرة تمنح الحياة نهارًا وتأكل العظام ليلاً ما هي إلا استعارة عن ذنب التهام اللحم البشري. وحين وصل "باي" إلى البر وغادر النمر نحو الأدغال دون أن يلتفت، أجهش "باي" بالبكاء؛ لأن جزءه الوحشي القاسي الذي أنقذه في عرض البحر قد اختفى دون أن يتمكن من وداعه أو تقديم الشكر له. وعندما جاء المحققون اليابانيون وأخبروه بأن قصة الحيوانات غير منطقية، روى لهم القصة البشعة ذات الأبطال البشر، ثم سألهم سؤالاً فلسفيًا يزاحم العقول: "أي القَصتين تفضلون؟ القصة التي تضم حيوانات، أم القصة البشعة؟" فاختار المحققون قصة الحيوانات، فقال لهم "باي": "وهكذا هو الحال مع الله". وهنا نكتشف أن الوهم النفسي ليس مجرد حيلة دفاعية، بل هو أداة لإعادة بناء الإيمان والجمال داخل عالم مكسور وبشع.
المقارنة العميقة بين التجربتين
إذا قارنا بين تجربة "أندرو ليديس" وتجربة "باي باتيل"، فنحن نكتشف سر التفكك البشري؛ فكلاهما واجه وحشه الداخلي، ولكن الفرق بينهما يكمن في النتيجة والهدف:
فقد اختلق "أندرو ليديس" الوهم ليهرب من ذنب الماضي ومن جريمة اقترفتها يداه، وحين واجه الحقيقة لم يستطع تحمّلها، فاختار الانتحار العقلي عبر العملية الجراحية.
أما "باي باتيل"، فقد اختلق الوهم ليعبر به نحو المستقبل وليحيا من جديد، رغم البشاعة التي رآها واقترفها.
كان الوهم عند أندرو سجنًا ونهاية، بينما كان الوهم عند باي جسرًا ونجاة. يُثبت الفيلمان أن العقل البشري ليس جهاز حاسوب يتعامل مع أرقام وحقائق مجردة، بل هو عضو مجنون؛ إذا كانت الحقيقة ستقتله، فإنه يمحوها ويكتب بدلاً منها أسطورة كاملة؛ لأن الإنسان في أصله كائن لا يستطيع العيش دون "معنى"، وإذا كان المعنى الحقيقي مرعبًا ووحشيًا، فإن الإنسان على أتم الاستعداد لصنع معنى وهمي جميل، والعيش فيه حتى آخر لحظة من عمره.

688 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع