
د.سغد العبيدي
حين تتغير الصور
يقف الدكتور عزيز على ضفة دجلة، يلتفت خلفه، وقبل أن تقترب إحدى الدبابات الأمريكية التي اقتحمت بغداد، يدفع بندقيته إلى الماء، يلحق بها البدلة الزيتوني وبعض الكتب التي حفظ منها طويلًا أقوال القائد، ودرّسها لطلابه مقدسات لا يمسها الشك. يتابعها بعينيه وهي تغوص واحدة بعد أخرى، حتى يستوي فوقها الماء ويمضي كأن شيئًا لم يكن.
لكن ما يغيب في دجلة لا يغيّر الطباع؛ فعزيز، منذ المتوسطة، يعرف أين يقف ومتى يهتف. وفي الثانوية يرأس تنظيم الطلبة، ثم يدخل الجامعة فتظهر موهبته الحقيقية: يلتقط ما يحب المسؤول سماعه، ويقوله أحيانًا قبل أن يُطلب منه. وفي سنته الأولى يصبح من قيادات التنظيم الطلابي. يقول عنه الرفاق إنه الأكثر إخلاصًا للحزب والقائد.
يوم التخرج، يقف وسط المستنصرية مع رفاق الدرب، يرفع صوته بالهتاف للقائد، معلنًا الرغبة في التطوع للحرب. ومن الساحة يقودهم مباشرة إلى فرع الحزب، حرصًا على وصول صدى المبادرة إلى من ينبغي أن يسمعها. وفي اليوم نفسه يسمعها الرئيس، فيطلب لقاءه؛ شابًا يرى في حماسته صورة العراقي الجديد الذي طالما بشّر به.
هناك يجد عزيز نفسه أخيرًا أمام صاحب الصورة التي عاش تحتها طويلًا. يهتف حتى يبح صوته، ويتحدث عن الاستشهاد، وعن فكر القائد وضرورة حمله إلى الأجيال تدريسًا وتلقينًا.
ينظر إليه الرئيس باستحسان: عفية.
كلمة تفتح لعزيز بابًا واسعًا: سنة للخدمة في الجيش، تعقبها بعثة دكتوراه إلى بريطانيا.
يختار المدفعية؛ ثلاثة أشهر دورة أساس، ومثلها للاستمكان والأنواء، ثم أشهر معدودة في مدفعية الفيلق الثاني. تحل البعثة قبل أن تطول به رائحة الجبهة.
في كاردف تنتهي مدة البعثة ولم تنتهِ الدراسة. يأخذ سنة تمديد بصلاحية الوزير، ثم يكتب إلى الرئيس عن عراقيل يضعها البريطانيون أمام المناضلين، فتأتيه المكرمة سنة أخرى. وقبيل انتهائها تضع الحرب أوزارها، فيستعجل المناقشة والعودة باللقب والوعد القديم: تدريس الثقافة القومية وفكر القائد.
ومن هذه العتبة يبدأ الصعود، ويمضي فيه ما دام صاحب الصورة في مكانه. لكن الدبابات الأمريكية المتقدمة في بغداد صباح التاسع من نيسان 2003 تغيّر الصورة، فتستيقظ فيه الغريزة نفسها التي علّمته أين يقف ومتى يهتف. يترك المقر الحزبي المكلف بحراسته، ويعود إلى البيت.
في صباح اليوم التالي، وهو في طريقه إلى وحدة أمريكية قريبة ليعرض خدماته مترجمًا، يعرّج على بيت مسؤوله الحزبي، الدكتور عبد الحميد. يطرق الباب مستعجلًا:
أبو ماجد... لقد إنتهى كل شيء، إذا سألوك، لا تقل إنني كنت حزبيًا.
يتأمله عبد الحميد. ذلك الرفيق الذي كان صوته يعلو فوق الجميع، يخفضه الآن كأن ماضيه يتنصّت عليه. يهمس في إذنه: كن مطمئنا أني لا أعرفك.
تمر أسابيع قليلة. ينتظم الدوام، ويعود الدكتور عزيز إلى الجامعة بلحية خفيفة، ومحبسين بحجرين أزرقين، ونسبٍ علوي لم يسمع به زملاؤه من قبل. يتحدث هذه المرة عن مظلومية الشيعة، وعن جرائم الطغاة وضرورة اجتثاث آثارهم. لا يطول الحديث حتى يُنسب رئيسًا للقسم.
يأتي عاشوراء. ينزل عزيز بثيابه السوداء، يتقدم موكبًا من الطلبة، يلطم صدره بحماس لا يقل عن حماسه القديم في الهتاف للرئيس. وقبل الأربعينية يصبح رئيسًا للجامعة بالوكالة، فيجد في الاجتثاث ميدانًا آخر لإثبات إخلاصه الجديد. وقبيل أول اجتماع للجنة التي يتولى رئاستها، يعترض طريقه إلى المكتب الدكتور عبد الحميد، مسؤوله السابق:
دكتور عزيز... اسمي ضمن المشمولين. تعرفني، وأنا أعرف...
يمد أحد أفراد الحماية ذراعه ويبعده.
يلتفت عزيز لحظة. تلتقي عيناه بعيني الرجل الذي قال له ذات صباح:أنا لم أعد أعرفك. ثم يمضي.
في اليوم التالي يصل إلى عبد الحميد كتاب الاستغناء عن خدماته، وعليه توقيع عزيز. يقرأه بتمعن، يعيد قراءته، ثم يبتسم بمرارة: هذه المرة، عزيز هو الذي لا يعرفني...
يصمت قليلًا، وتزداد مرارة ابتسامته: هذا إذن هو العراقي الجديد الذي أراد الرئيس بناءه.

663 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع