العراق في قلب العاصفة ضربات استباقية تتجاوز الحدود

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
29 تموز 2026

العراق في قلب العاصفة ضربات استباقية تتجاوز الحدود

١. مع زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي لتركيا وقبيل زيارته إلى السعودية كان للهجمات الامريكية السعودية على العراق ومهما كانت مبرراتها فأنها لا تخلو من جانبها السياسي والاقتصادي وفق المعطيات ادناه :

أ. التوقيت : يمنح الزيارة دلالات سياسية تتجاوز بعدها العسكري، بغض النظر عن الجهة التي تقف خلفها أو الروايات المتنافسة بشأنها. كما أن هناك تقارير أفادت بتأجيل الزيارة الى السعودية على خلفية التطورات الأمنية، في حين دعت الحكومة العراقية إلى اجتماع أمني طارئ لمتابعة الاحداث .
ب. سياسياً: ستواجه الحكومة العراقية اختبارًا صعبًا في إثبات قدرتها على فرض سيادة الدولة ومنع استخدام الأراضي العراقية في أي صراع إقليمي، وهو ملف سيكون حاضرًا بقوة في أي حوار مع الرياض.

ج. أمنياً: قد يرتفع مستوى التأهب والانذار داخل العراق مع احتمال اتخاذ إجراءات لحماية المنشآت الحيوية والقواعد العسكرية، خشية اتساع دائرة التصعيد.

ه. دبلوماسياً: قد تتأثر علاقة التقارب العراقي–السعودي مؤقتًا، لكن من مصلحة الطرفين احتواء الأزمة وعدم تحويلها إلى قطيعة، لما بينهما من ملفات اقتصادية وأمنية مشتركة.

و. إقليمياً: إذا استمرت الضربات والردود المتبادلة، فقد يصبح العراق أكثر انخراطًا في المواجهة الإقليمية، بما يزيد الضغوط عليه من مختلف الأطراف.

ه. التوقيت الحرج : إن تزامن التصعيد العسكري مع الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي يمنح الحدث بعدًا سياسيًا ورسالةً تتجاوز الميدان، ويضع بغداد أمام تحدي الموازنة بين حماية سيادتها، والحفاظ على علاقاتها الإقليمية، ومنع تحول أراضيها إلى ساحة صراع مفتوح.من المبكر الجزم بأن هذا التصعيد سيقود حتمًا إلى مواجهة واسعة، إذ سيعتمد المسار المقبل على طبيعة ردود الفعل والجهود الدبلوماسية خلال الأيام القليلة القادمة.

٢. المنظور الاستراتيجي، يمكن قراءة المشهد على النحو الآتي:
أ.اتساع رقعة الضربات داخل العراق يعني أن الأراضي العراقية أصبحت ساحة مباشرة لتبادل الرسائل العسكرية، وهو ما يرفع مستوى المخاطر على الأمن والاستقرار الداخلي.
ب. تكرار الهجمات وتوسعت دائرة الردود، فقد تنتقل الأزمة من مرحلة “الردع المتبادل” إلى مرحلة “الاستنزاف الإقليمي”، حيث تتداخل عدة جبهات في وقت واحد.

ج.العراق بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته الإقليمية قد يجد نفسه في قلب الأحداث أكثر من كونه طرفًا رئيسيًا في قرار التصعيد، مما يزيد الضغوط السياسية والأمنية عليه.
٣. يوم القيامة الامريكي الذي بشر به ترامب ( USA dooms day ) يعكس حجم التصعيد، يبقى ذلك مرتبطًا بقرارات التصعيد أو الاحتواء لدى جميع الأطراف.

٤. التوقع الاقرب : إذا افترضنا استمرار المعطيات الحالية دون حدوث تطور استثنائي، فإن السيناريو الأقرب هو التصعيد المحدود والمنضبط، وليس الانزلاق الفوري إلى حرب شاملة.ويرجع ذلك إلى عدة عوامل هي :
أ. أمريكا : غالبًا ما تسعى إلى الحفاظ على الضغط العسكري لتحقيق الردع، مع تجنب حرب واسعة تستنزف قواتها وتفتح جبهات متعددة.
ب. العراق : لديه مصلحة كبيرة في احتواء الأزمة، لأن أي توسع للصراع ستكون كلفته الأمنية والاقتصادية والسياسية مرتفعة.
ج. الفصائل المسلحة : قد تميل إلى رد محسوب يحافظ على صورة الرد دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة قد تستدعي ضربات أشد.
ب. القنوات الدبلوماسية : غالبًا تبقى نشطة حتى أثناء التصعيد العسكري، بهدف منع خروج الموقف عن السيطرة.

٥. إذا استمر المسار التصعيدي الحالي، فإن الاحتمالات التقريبية يمكن تصورها بصفة تحليلية وليس توقعات مؤكده هي ( استمرار الضربات والردود المحدودة مع احتواء التصعيد.استهداف مواقع إضافية دون تحول إلى حرب إقليمية شاملة.في حالة وقوع حدث كبير غير محسوب، مثل استهداف شخصية رفيعة أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا أو توسع العمليات إلى دول أخرى ستكون الصورة بشكل اخر ) إذا افترضنا استمرار المعطيات الحالية دون حدوث تطور استثنائي، فإن السيناريو الأقرب هو التصعيد المحدود والمنضبط، وليس الانزلاق الفوري إلى حرب شاملة.وتصبح الحكمة والعقل أعلى من صوت البنادق.

٦. إيران وتوسيع رقعة الحرب هل يصبح العراق ساحة المواجهة التالية: يقع العراق في موقع جغرافي وسياسي يجعله أحد أكثر الدول تأثرًا بأي تصعيد بين إيران والولايات المتحدة أو بين إيران وأطراف إقليمية أخرى. لذلك فإن أي توسع في دائرة الصراع قد ينعكس على الساحة العراقية، سواء من خلال الضغوط السياسية أو التطورات الأمنية أو الاقتصادية.ومن زاوية التحليل الاستراتيجي، قد ترى إيران أن توسيع نطاق التوتر إلى أكثر من ساحة يمنحها قدرة أكبر على توزيع الضغوط على خصومها، وعدم حصر المواجهة في جبهة واحدة. وفي المقابل، فإن اتساع الصراع قد يفرض عليها أيضًا أعباءً ومخاطر إضافية، لذلك ليس من المؤكد أن يكون هذا الخيار هو المسار الذي ستتبناه.

٧. العراق الحلقة الأكثر حساسية : إن وجود مصالح وقوى متعددة على أراضيه يجعله معرضًا للتأثر إذا ارتفع مستوى المواجهة. وهذا لا يعني بالضرورة أن يتحول إلى ساحة حرب مفتوحة، لكنه قد يواجه تحديات متزايدة إذا تعثرت جهود الاحتواء السياسي والدبلوماسي.لذلك، فإن السؤال المطروح ليس ما إذا كانت الحرب ستنتقل حتمًا إلى العراق، وإنما ( هل تستطيع الدولة العراقية تحييد أراضيها عن صراع إقليمي يتسع تدريجيًا، أم أن موقعها الجيوسياسي سيجعلها في قلب العاصفة وتداعياتها ) أنه التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة، لأن نجاح العراق في تثبيت سيادته واحتواء التوترات سيكون عاملًا مهمًا في الحد من انتقال آثار أي تصعيد إقليمي إلى الداخل .

٨. طريق التنمية : هل يكون التصعيد أول مسمار في نعشه تمثل زيارة رئيس الوزراء إلى تركيا خطوة مهمة في مسار تعزيز التعاون الاقتصادي والإقليمي، ولا سيما في مشروع طريق التنمية الذي يهدف إلى ربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر العراق. غير أن تزامن الزيارة مع تصاعد التوترات الأمنية يثير تساؤلات مشروعة حول قدرة المشروع على الحفاظ على زخمه.المشاريع الاستراتيجية الكبرى تعتمد على بيئة مستقرة سياسيًا وأمنيًا. وكلما ارتفع مستوى المخاطر، زادت كلفة الاستثمار والتأمين، وقد تتباطأ قرارات التمويل أو التنفيذ إلى حين اتضاح المشهد. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن المشروع قد دخل مرحلة الفشل.بل إصبح يعيش القلق وان التصعيد قد يكون ( أول مسمار في نعش طريق التنمية ) ربما يعد حكمًا مبكرًا، لأن مصير المشروع سيتوقف على قدرة العراق وشركائه على احتواء الأزمة والحفاظ على الثقة ببيئة الاستثمار. فإذا طال أمد التصعيد أو توسع نطاقه، فقد يتعرض المشروع لتأجيل أو إعادة جدولة، أما إذا نجحت الجهود السياسية والأمنية في احتواء التوتر، فقد يستمر المشروع مع اتخاذ ترتيبات أمنية واقتصادية إضافية.

٩. سوريا ولهيب النار : مع تداعيات الاحداث واتساع رقعة التوتر في الإقليم، تبرز سوريا بوصفها إحدى الساحات الأكثر تأثرًا بحكم موقعها الجغرافي وتشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية على أراضيها. وهذا لا يعني بالضرورة أن انتقال المواجهة إليها أصبح أمرًا حتميًا، لكنه يجعلها من أكثر الدول عرضة لتداعيات أي تصعيد واسع.
فإذا توسعت دائرة العمليات العسكرية، فقد تواجه سوريا
( تصاعد الضربات المحدودة أو العمليات المتبادلة في بعض المناطق.، الضغوط الأمنية على الحدود وخطوط الإمداد.، تنامي المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ داخل الساحة السورية. ، تأثر جهود إعادة الاستقرار والإعمار إذا طال أمد التصعيد )..في المقابل، قد تسعى الأطراف المختلفة إلى إبقاء التصعيد ضمن حدود معينة لتجنب فتح جبهة جديدة يصعب التحكم في تداعياتها.

١٠. إسرائيل واستراحة المقاتل… ماذا تنتظر من تصاعد الأحداث : قد تبدو إسرائيل في مرحلة هدوء نسبي مقارنة بوتيرة التصعيد في ساحات أخرى، إلا أن هذا الهدوء لا يعني بالضرورة انتهاء المواجهة، بل قد يُنظر إليه كفترة لإعادة تقييم الموقف وتعزيز الجاهزية العسكرية والاستخبارية، ومتابعة تطورات الإقليم قبل اتخاذ أي قرارات جديدة.
ومن منظور استراتيجي، يمكن أن تترقب إسرائيل عدة تطورات:
أ. نتائج الضغوط العسكرية والسياسية على خصومها، وما إذا كانت ستؤدي إلى إضعاف قدراتهم أو تغيير سلوكهم.
ب. مدى اتساع المواجهة إلى ساحات أخرى، وما إذا كان ذلك سيغيّر موازين القوى الإقليمية.
ج.مستوى الانخراط الأمريكي والدولي، وتأثيره في رسم حدود التصعيد أو احتوائه.
د.قدرة الأطراف المقابلة على إعادة تنظيم صفوفها أو فتح جبهات جديدة.
ه.ان استمرار التصعيد يحمل أيضًا مخاطر على إسرائيل، مثل احتمال اتساع دائرة المواجهة أو زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية عليها.

١١.الخلاصة : اتساع الضربات الأمريكية–السعودية على مواقع الفصائل والحشد الشعبي يمثل تحولًا نوعيًا في مسار الأزمة، ويضع العراق في قلب المواجهة الإقليمية. فإذا أخفقت الجهود السياسية في احتواء التصعيد، فقد تتحول هذه الضربات إلى نقطة بداية لموجة أوسع من المواجهات، تتجاوز حدود العراق لتطال توازنات المنطقة بأسرها. أما إذا نجحت قنوات الردع والدبلوماسية، فقد تبقى ضمن إطار تبادل الرسائل العسكرية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
يبقى ماورد اعلاه تحليلاً استراتيجيًا لاحتمالات التطور، وليس توقعًا مؤكدًا لمسار الأحداث. التصعيد الحالي يمثل جرس إنذار لمشروع طريق التنمية، لكنه لا يكفي وحده للحكم على نهايته. ويبقى نجاح المشروع مرتبطًا بقدرة العراق على ترسيخ الاستقرار وإقناع شركائه بأن الممر الاقتصادي سيظل آمنًا وقابلًا للتنفيذ، رغم التحديات الإقليمية.
سوريا تقف اليوم على مقربة من لهيب الأزمة، لكنها ليست بالضرورة مقبلة على حرب شاملة. ويبقى مستقبلها مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف الفاعلة على احتواء التصعيد، لأن اتساع رقعة المواجهة سيجعل من سوريا إحدى أكثر الساحات تعرضًا لتداعياتها، حتى وإن لم تكن نقطة الانطلاق الرئيسية.
قد تكون هذه المرحلة بالنسبة لاسرائيل اشبهه باستراحة مقاتل توصيفًا بلاغيًا لمرحلة من الهدوء النسبي، لكنها لا تعني بالضرورة الاستعداد لعمل عسكري جديد. فالمسار القادم سيعتمد على قرارات جميع الأطراف، وعلى ما إذا كانت التطورات ستتجه نحو الاحتواء السياسي أم نحو مزيد من التصعيد العسكري.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1040 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع