
بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
23 تموز 2026
بين نكهة كنتاكي واشنطن وكافيار طهران هل ينجح الزيدي
١. المقدمة: في السياسة لا تكفي المجاملات، والنوايا الحسنة ولا تُمحى آثار الموائد السابقة بمجرد الانتقال إلى مائدة جديدة. فمن يعود لتوّه من واشنطن، وما زالت “نكهة الكنتاكي الأمريكي” عالقة تحت لسانه، سيجد نفسه أمام “الكافيار الإيراني” بطعمه المختلف ورسائله الأعمق. وبين المذاقين يقف العراق، ليس باحثاً عن وجبة، بل عن معادلة تضمن بقاء الدولة وتوازن المصالح.
الدول لا تتعامل بالعواطف، وإنما بالمصالح. وحين يغادر رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي واشنطن، حيث أبرم تفاهمات سياسية واقتصادية وأمنية، ثم يتوجه بعدها إلى طهران الحرب والرهان وبلا شك سيسمع دوي الانفجارات ويشاهد ويل التدمير ستكون الزيارة ليس مجرد تنقل بين عاصمتين فقط، بل بين مشروعين متنافسين على النفوذ في الشرق الأوسط.
ولعل الوصف المجازي بأن “نكهة الكنتاكي الأمريكي ما زالت عالقة تحت اللسان، قبل تذوق الكافيار الإيراني” يعكس حجم التحدي. فهل يستطيع العراق الجمع بين المذاقين دون أن يفقد هويته السياسية..أم أن التوفيق بينهما أصبح من أعقد معضلات القرن الحادي والعشرين.
إن زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى إيران لا يمكن النظر إليها بروتكول دبلوماسي، بل اختبار سياسي بالغ التعقيد، قد تكون نتائجه إما ( كل شيء… أو لا شيء ).
٢. تكمن المعضلة في أن العراق يرتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الامريكية وفي الوقت نفسه يرتبط بجغرافيا ومصالح وأمن مشترك مع إيران. ومن هنا فإن أي خطوة باتجاه أحد الطرفين تُقرأ في الطرف الآخر باعتبارها رسالة سياسية.لكن التحدي الأكبر لا يأتي من الخارج، بل من الداخل؛ فالتباينات السياسية، وتشابك المصالح، والضغوط الاقتصادية، وتعدد مراكز التأثير، تجعل هامش المناورة أضيق بكثير من مساحة الحركة الدبلوماسية. لذلك قد تكون معاضل الداخل أصعب من ضغوط الخارج.
٣. قد يعتقد البعض أن العقبة الحقيقية تكمن في التنافس الأمريكي الإيراني، لكن الواقع يشير إلى أن الأزمة الأشد تعقيداً موجودة داخل العراق نفسه والذي يعاني من:
ا.اختلاف الرؤى بين القوى السياسية حول شكل العلاقات الخارجية.
ب.ضغوط اقتصادية تتطلب استمرار التعاون مع الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية.
ج.ارتباطات أمنية وعسكرية تجعل العراق بحاجة إلى استمرار التعاون مع التحالف الدولي.
د.علاقات اجتماعية ودينية وجغرافية عميقة مع إيران لا يمكن تجاوزها.
لذلك فإن أي انحياز واضح إلى أحد الطرفين سيولد اعتراضاً داخلياً قبل أن يثير ردود فعل خارجية. ومن هنا نرى ان الزيارة بمثابة اختبار لإدارة التوازن أكثر من انها زيارة لتوقيع الاتفاقيات.
٤. انعكاسات الزيارة على العلاقة بين العراق والاطراف الاخرى :
أ.الولايات المتحدة الاميركية: ستتابع واشنطن الزيارة بدقة، لأنها ستبحث عن إجابات لعدة أسئلة:
أولاً. هل تبقى بغداد ملتزمة بالتفاهمات التي جرت في واشنطن.
ثانياً. هل ستؤثر نتائج الزيارة على التعاون الأمني والعسكري.
ثالثاً. هل سيبقى العراق شريكاً اقتصادياً موثوقاً.
رابعاً . هل يستطيع رئيس الوزراء طمأنة الحليف الأمريكي بأن الانفتاح على إيران لا يعني الابتعاد عن الولايات المتحدة.إذا نجح في ذلك، فسيرسخ صورة العراق كدولة مستقلة القرار، أما إذا أخفق، فقد تدخل العلاقات مرحلة أكثر حساسية.
ب. إيران : تنظر إلى العراق باعتباره عمقاً استراتيجياً وجاراً لا يمكن فصله عن معادلات الأمن الإقليمي.ومن هنا ستسعى إلى:
أولا . توسيع التعاون الاقتصادي.
ثانيا.تعزيز التنسيق الأمني.
ثالثا. حماية مصالحها الإقليمية.
رابعاً. التأكد من أن العراق لن يكون جزءاً من أي مشروع يستهدفها. وفي المقابل، سيكون على بغداد أن تثبت أن استقلال قرارها لا يعني العداء لأي طرف.
ج . الدول العربية : تراقب المشهد أيضاً، لأن موقع العراق الجغرافي والسياسي يجعله حلقة وصل بين الخليج وإيران وتركيا وبلاد الشام.فإذا نجحت بغداد في تحقيق توازن حقيقي، ستتحول إلى:
أولاً. منصة للحوار الإقليمي.
ثانياً . وسيط لتخفيف التوترات.
ثالثا. مركز استقرار اقتصادي وسياسي.أما إذا فشلت، فقد يصبح العراق مجدداً ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وهو ما ينعكس سلباً على أمن المنطقة بأكملها.
٥.البعد الفلسفي:
ا.الفيلسوف اليوناني أرسطو وصف الفضيلة بأنها “الطريق الوسط”، لكن السياسة الدولية لا تعترف دائماً بالوسط، بل تضغط على الدول لاختيار أحد المعسكرين.
ب.الحكمة العراقية فتقول: ليس النجاح أن ترضي الجميع، وإنما أن تمنع الجميع من تحويل أرضك إلى ساحة صراع.”
وهنا تكمن معضلة العراق؛ فهو لا يستطيع تغيير الجغرافيا، ولا يستطيع تجاهل الاقتصاد، ولا يمكنه أن يستبدل التاريخ، لكنه يستطيع إدارة التوازن إذا امتلك وضوح الرؤية وقوة القرار.
٦. الاستنتاجات:
أ. نجاح الزيارة يعني قدرة بغداد على تثبيت سياسة التوازن دون الانحياز.
ب. الفشل يفتح باباً لتزايد الضغوط الأمريكية والإيرانية في آن واحد.
ج. المنطقة العربية ستراقب الزيارة باعتبارها مؤشراً على اتجاه السياسة العراقية المقبلة.
د. واشنطن تقيس نتائج الزيارة بمدى حفاظ العراق على التفاهمات المشتركة، اما طهران تنظر لها بمدى استعداد بغداد لتوسيع التعاون معها.
٧. التوقعات: إذا استطاع العراق تحويل الزيارة إلى مساحة حوار لا إلى ساحة اصطفاف، فقد يعزز موقعه دولة توازن إقليمي. أما إذا فُسرت الزيارة على أنها انتقال من محور إلى آخر، فإن العراق قد يجد نفسه أمام ضغوط متزايدة، وتراجع في هامش استقلال قراره السياسي.هناك أربعة سيناريوهات محتملة لذلك :
أ. نجاح كامل: الحفاظ على الشراكة مع واشنطن، وتعزيز العلاقات مع طهران دون خسارة أي طرف.
ب. نجاح جزئي: استمرار التوازن مع بقاء الضغوط من الجانبين.
ج. تعثر سياسي: تزايد الشكوك الأمريكية والإيرانية معاً، وانخفاض هامش المناورة.
د.فشل استراتيجي: انتقال التنافس الأمريكي الإيراني إلى الداخل العراقي بصورة أكثر حدة، وانعكاسه على الاستقرار السياسي والاقتصادي. واعتقد بعد التمني ان اكون مخطئ ذلك هو الارجح مما يزيد من ظلامية المستقبل المبهم للعراق.
٨. الخلاصة: الفلسفة تقول إن الحكمة ليست في الجلوس إلى موائد الجميع، بل في ألا تصبح أسيراً لأي مائدة. أما الواقع فيؤكد أن العراق يقف اليوم بين قوتين كبيرتين، لكل منهما حساباته ومصالحه. والمستقبل سيحكم على هذه الزيارة ليس بعدد الاتفاقيات التي تُوقّع، بل بقدرتها على حماية القرار الوطني ومنع العراق من التحول إلى ساحة صراع بالوكالة.
ولعل هذه الزيارة تقترب بالفعل من وصف “معضلة العصر”؛ لأن التحدي لم يعد في اختيار الشرق أو الغرب، بل في كيفية البقاء واقفاً في المنتصف دون أن يفقد العراق توازنه أو سيادته.
العراق اليوم لا يقف بين عاصمتين فقط، بل بين مشروعين، وبين رؤيتين لمستقبل المنطقة. لذلك فإن نجاح الزيارة لن يُقاس بعدد البيانات المشتركة ولا بحجم الاتفاقيات، بل بقدرة بغداد على الحفاظ على استقلال قرارها، ومنع تحويل العراق إلى ساحة صراع اكبر مما هو عليه الان ..وليس الشهيه في اختيار الكنتاكي الأمريكي أو الكافيار الإيراني، وإنما في أن يحافظ العراق على خبزه الوطني؛ فهو وحده الكفيل بإشباع مصالح الدولة، وسيادته وحماية مستقبل شعبه. فالدول العاقلة لا تُدار بطعم الموائد، بل بميزان المصالح، وحين يختل الميزان، يصبح ثمن الخطأ أكبر من أي مكسب سياسي مؤقت.
لا تتعبوا أنفسكم في التحليل والاستنتاج كما عملت أنا ..
في السياسة كما في الحياة، لا قيمة للسبق الإخباري إذا خالفته الوقائع؛ فالنتائج بخواتيمها، وأخبار اليوم بفلوس غداً أبلاش .

657 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع