جراح غائرة أحدثها الإعلام العربي

 بسام شكري

جراح غائرة أحدثها الإعلام العربي

لم تكن الخسائر الفادحة التي تكبدتها الدول العربية التسع جراء العدوان الإيراني مجرد أرقام تُحصى في حجم الدمار، بل كانت أشدّ تلك الخسائر عمقاً وإيلاماً هي ذاك الأذى النفسي البالغ الذي نهك أرواح ملايين العرب وسيبقى ينكأ جراحهم لسنوات طويلة؛ فالصواريخ والمسيرات ينتهي خطرها بمجرد سقوطها وانفجارها، غير أن الألم النفسي يتسلل إلى أعماق الروح ليستقر فيها جرحاً غائراً وقلقاً مستمراً على مدار الساعة، قد لا يغادر الإنسان إلا حين يغادر هذه الحياة, ولقد نجحت إيران نجاحاً كبيراً في إيصال هذا الأذى إلى قلب كل بيت عربي، بيد أن الفاجعة الكبرى لم تكمن فقط في آلة العدوان ذاتها، بل في أن أداة هذه الحرب النفسية ومصدرها الأساسي كانت بعض الفضائيات العربية، وعلى رأسها قناة "العربية"، وأنا أسطر هذه الكلمات وقد بلغت السبعين من عمري، تعتصر قلبي الحسرة والحرقة يومياً لكوني أحمل في ذاكرتي شرف المشاركة في تأسيس هذه القناة التي باتت اليوم خنجراً في خاصرة أمتنا, إن المتخصصين في علم النفس الجنائي والحرب النفسية يدركون جلياً حجم الجرم والجرح الغائر الذي أحدثته الفضائيات العربية ما بين عبث غير مقصود وخيانة مقصودة, إذ تتجلى أكثر صور هذا الإيغال في الحرب النفسية حين تستضيف قناة "العربية" يومياً ضيوفاً ومحللين من إيران ينفثون سمومهم وتنساب تهديداتهم المباشرة إلى المواطن العربي والخليجي وهو جالس في بيته يترقب صفارات الإنذار، ليتلقى فوق رعب الواقع حصاراً إعلامياً معادياً يمارس عليه الإرهاب النفسي بدم بارد, ولعل من المثير للدهشة أن تتجاهل القناة المعايير الدولية والوطنية الصارمة، إذ تكرس اتفاقيات جنيف لعام 1949 قواعد حماية المدنيين من الترهيب والحرب النفسية، حيث تتولى المادة (27) من الاتفاقية الرابعة كفالة احترام شرف المدنيين وحمايتهم من أعمال العنف والإهانة والدعاية المعادية، وتمنع قواعد القانون الدولي الإنساني في نص نفس المادة صراحة استخدام وسائل الحرب النفسية التي تستهدف بث الرعب بين السكان، فضلاً عن المادة (51) التي تحظر إرغام المدنيين على المساهمة في العمليات العسكرية أو البروباغندا ضد أوطانهم، ناهيك عن التشريعات والعقوبات العسكرية الوطنية التي تُجرّم إضعاف الروح المعنوية للجيش ونشر إشاعات العدو في زمن الحرب وتفرض رقابة عسكرية صارمة لمنع وصول المواد النفسية الموجهة للجبهة الداخلية.

إن ما تقترف أيديهم اليوم عبر إجراء مقابلات مستمرة مع محللين إيرانيين ينقلون وجهة نظر نظام يشن حرباً معلنة علينا، لا يؤدي فقط إلى أذية المدنيين ونشر الرعب في نفوسهم، بل يمتد ليزعزع الروح المعنوية لقواتنا المسلحة، والأدهى من ذلك والأشد قسوة هو فتح شاشاتها لمحللين ينتمون إلى الميليشيات الإيرانية التي تحكم العراق، ليبرروا الأكاذيب وينكروا بكل صفاقة قصف هذه الميليشيات للكويت والبحرين والسعودية، مدعين أن إسرائيل هي من تقصف دول الخليج، وسط صمت مريب من مذيع القناة الذي يدير النقاش كأي مهرج دون أن يواجههم بالحقيقة الدامغة التي كشفتها الرادارات وأكدتها بيانات رسمية صريحة صادرة عن وزارات الدفاع، ناهيك عن العجز الميداني في معرفة تفاصيل الأحداث التي يناقشها كما حدث قبل أيام في مقابلة مع إعلامي تابع لميليشيات بغداد أدعى أن شاحنة الأسلحة المهربة إلى سوريا دخلت عبر طريق صحراوي ميسمي ولا يمكن لأي دولة السيطرة عليه، دون أن يكلف المذيع نفسه عناء مواجهته بالمعلومة البسيطة التي تفيد بأن الشاحنة خرجت من نقطة عبور عراقية رسمية ودخلت إلى نقطة عبور سورية رسمية وتم تفتيشها وضبطها هناك, إن هذا العبث الفاضح يمر دون أدنى رقابة من قسم الأخبار المشغول ببروباغندا خاوية، فكيف تكون حال المواطن الكويتي -على سبيل المثال- وهو يرى الحشود الإيرانية على حدوده والقصف يتوالى عليه، ليفتح شاشة "العربية" فيجد إيرانيين يتوعدونه بالموت الزؤام أو عناصر ميليشياوية إيراني من العراق تنكر قصف وطنه وتستخف بعقله؟ وإنني من هذا المنبر أتحدى قناة "العربية" أن تملك الشجاعة وتبث تغطيتها لمدة أسبوع واحد من قلب الكويت أو البحرين، أو أن تتجرأ على استضافة معارض عراقي حقيقي رافض لنظام الميليشيات، بعيداً عن نماذج المعارضة الهزيلة والمصنوعة إيرانيا كأمثال فائق الشيخ علي عضو برلمان تلك الميليشيات ذاتها.
وأمام هذا التواطؤ الصريح الذي يمس الأمن القومي العربي، فإن السياقات والمفاهيم العسكرية تقتضي أن تُرفع الحصانة عن هذا العبث، ويتم إحالة مدير قناة "العربية" فوراً إلى المحكمة العسكرية باعتباره أداة مشاركة في العدوان، على أن تُعقد هذه المحاكمة العسكرية في دولة الكويت، باعتبارها الدولة الأكثر تعرضاً للعدوان العسكري الإيراني المباشر وللعدوان الإعلامي والنفسي الذي تمارسه هذه القناة.

لقد تحولت البرامج الحوارية في القنوات العربية إلى المأساة؛ يصارع فيها المحلل العربي لتفنيد أباطيل النظام الإيراني وأبواقه الميليشياوية، بينما يكتفي المذيع بالسكون أو يتهجم على الإيراني بدون حجة مقنعة، فاقداً للحجة ومجرداً من أدوات المواجهة، إنه لعبث إعلامي صريح فما الفائدة من فتح الشاشات لحوارات تخسرونها حجةً وأداءً، وأنتم تفتقرون إلى الإعداد المتمكن والمحلل العربي القادر على قلب الطاولة؟

إن التذرع بالديمقراطية والانفتاح التكنولوجي لسماع خطابات العدو يغدو خطأً جسيماً حين ننسى أننا في حالة حرب قائمة، فحرية التعبير ليست بلا سقف ولا تلغي حدود الأمن القومي وإن المعنويات المرتفعة لجيشنا والاستقرار النفسي لمدنيينا يمثلان الأولوية القصوى التي تعلو فوق كل اعتبار، والضمان الوحيد لثبات الموقف وتماسك المجتمع أمام نازلات الأحداث وإن مقابلةً واحدة تُجرى مع إيرانيٍّ أو عنصرٍ ميليشياوي من العراق على شاشاتنا هي أشد فتكاً بأرواحنا ومعنوياتنا من صاروخٍ يتساقط علينا.
من واقع خبرتي الطويلة وميعايشتي لأهوال الحرب العراقية الإيرانية، فإنني أتحدى قناة 'العربية' أن تتجرأ وتطرح سؤالاً واحداً جوهرياً على ضيوفها الإيرانيين: لماذا هذا التركيز المكثف خلال الأيام الأحد عشر الماضية على قصف الكويت والبحرين والأردن؟ والجواب حتماً عندي؛ لأن الدولة التي تمد إيران بالإحداثيات يمر قمرها الصناعي التجسسي فوق الكويت والبحرين والأردن ولا يمر فوق الإمارات والسعودية وسلطنة عمان وقطر، وقد تكون هذه الجهة التي تزودهم بالإحداثيات مجرد شركة خاصة أو حتى محطة فضائية استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف العسكرية ودعم هذا العدوان.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

966 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع