إبعاد المسافة صفر لقدسية للاهوت الزُّهد لـ"شركة الأويس" ؟

صباح البغدادي

إبعاد المسافة صفر لقدسية للاهوت الزُّهد لـ"شركة الأويس" ؟

(*) تتجلى خطورة الاقتراب من بوابات عتبة "المسافة صفر" في كونها تضع المصداقية السياسية للمنظومة الحكومية بأكملها تحت مجهر الاختبار الفعلي، حيث يتحول ملف "شركة الأويس" إلى المحك الحقيقي لوعود مكافحة الفساد في العراق. إن الإشكالية الكبرى في هذا الملف بالتحديد لا تكمن فقط في طبيعة الاحتكار الغذائي لـ 40 مليون مواطن، بل في الاختبار المفصلي والمحرج لاستقلالية هيئة النزاهة والسلطة القضائية أمام امبراطورية تجارية تُشير المعطيات النيابية إلى امتداداتها العميقة داخل دوائر النفوذ .

(*) الخصومة هنا ليست مع شخوص أو أسماء أو مواقف مسبقة ، بل هي مواجهة مبدئية ضد قسرية "المنهجية الانتقائية" التي تتبعها حاليا المنظومة الحكومية ، والتي تحوّل محاربة الفساد من رسالة عدالة شاملة إلى أداة تصفية سياسية أو ورقة ابتزاز متبادل بين الحيتان الكبيرة ؟ لان خطورة "العدالة الانتقائية" تكمن في أنها تفتح ملفات لشخصيات سياسية وشركات معينة لإفساح المجال لقيادات الكتل الحزبية الحاكمة و لشركات أخرى تابعة لكتل حليفة ، مما يبقى المواطن العراقي دائماً ضحية في أسفل الهرم المعيشي .وبناءً على هذا المبدأ السامي، فإن أطروحتنا الفلسفية والسياسية تلخص بصورة مبسطة موقفنا كمراقب وطني مستقل يرفض التسييس ويطالب بالعدالة الشاملة وليس الانتقائية والتي نعتقدها من ابسط حقوقنا كمواطنين ولذا فإن هذا الخطاب لا يحمل عداءً لأحد ، بل يهدف إلى تصحيح مسارات المسائلة وحماية المصلحة العامة.

(*) لن يرضى المقاتل في معسكره أو العائلة المتعففة في أزقتها او الموظف النزيه في عمله , أو العامل في ورشته , أو الطالب في صفه , بأن تكون لقمة عيشهم رهينةً لصفقات الغرف المظلمة . إن المحاسبة إما أن تكون عامة ومطلقة وتطال الجميع ، أو أنها تصبح مجرد غطاءٍ آخر لشرعنة الغابة الاقتصادية التي يأكل فيها الحوت الأكبر كل شيء، ويترك للمواطن الموت السريري البطيء.

بين زهد التابعي الورع " أُويس القرني" (أبو عمرو أويس بن عامر المرادي) والذي ارتبط اسمه في الفكر الشيعي بأنه أحد كبار التابعين، ومن خيرة أركان التشيع، وأحد اهم حواريّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) حيث يحظى "أويس" بمكانة قدسية رفيعة في الفكر الإسلامي عامة والشيعي خاصة، ويُنظر إليه كرمز مطلق للزهد، والولاء، والبر بالوالدين والذي فارق الدنيا ولم يملك فيها قيراطاً، وغدا في الوجدان الشيعي والإسلامي رمزاً خالصاً للتبتل والترفع عن حطام الدنيا الفانية وبين الإمبراطورية الاحتكارية لمجموعة "شركة الأويس للتجارة والمقاولات العامة والتجهيزات الغذائية والصناعات الغذائية المحدودة" (1) فإننا نرى بين الاسمين بونٌ شاسع تلتقي فيه قدسية التاريخ ببراغماتية الحاضر المبهمة . فأن هناك من يرى وليس فقط نحن , بأن ما إن تطأ أقدام الأجهزة الرقابية عتبة بوابات 'المسافة صفر'، حتى تتجلى المأساة في أسطع صورها؛ إذ تبددت وعود مكافحة الفساد وتلاشت شعاراتها البراقة لتستحيل 'سَراباً بِقِيعَةٍ'، فيما تحولت التقارير الرقابية من نصوص جافة على الورق إلى واقع مرير يلوكه المواطن العراقي غصةً في لقمة عيشه حيث تتجلى المأساة بأقسى صورها , فهنا، بين جدران البيوت الطينية للعوائل المتعففة وفي أزقة الأحياء المعدمة والمسحوقة، نرى كيف يمكن أن تصطدم قدسية التاريخ بجشع الحاضر. في هذه النقطة الحرجة، يبرز لنا التناقض الصادم لعقود وملفات ومناقصات "شركة الأويس " تلك الإمبراطورية المالية التي تسلقت إلى عالم الاحتكار مستظلةً بـ "لاهوت قدسية الزهد" المرتبط باسم التابعي الورع "أُويس القرني"، الذي مات ولم يملك من حطام الدنيا قيراطاً، ليتحول اسمه في العراق المعاصر إلى واجهة تجارية تبتلع مليارات الدولارات من قوت الشعب.
في المشهد العراقي المعاصر، تبرز مفارقة حادة؛ حيث يُستدعى التراث الروحي وتُوظف الرموز التاريخية لتصبح واجهات لشركاتٍ تحتكر لقمة عيش 40 مليون مواطن، وتتحكم بأرزاق الجيش العراقي الجافة والطرية، في مشهدٍ يعيد صياغة مفهوم "اللاهوت" لخدمة المال والنفوذ لا الزهد والعزوف. هذه " القدسية اللاهوتية الاقتصادية" لم تعد بعيدة عن عين الرقابة؛ فقد تعرت بنودها بالوثائق والمستندات التي فككها سيادة النائب السابق " أمير المعموري " وفي محافل اللقاءات الإعلامية العديدة (2) ، ليتوج ذلك بتقرير رسمي حاسم وقطعي الدلالة صدر قبل ساعات من قبل "ديوان الرقابة المالية الاتحادية" (3) التقريرٌ وضع النقاط على الحروف حينما أشر صراحةً "احتكار" التعاقد مع شركة واحدة من القطاع الخاص، في مخالفة صريحة وواضحة لأحكام المادة (10) من قانون رقم (14) لسنة 2010 قانون المنافسة ومنع الاحتكار والتي كانت احد اهم ركائز الأسباب الموجبة لصدور وتشريع هذا القانون :" لضمان حرية المنافسة ومنع الاحتكار في الأسواق ولما للمنافسة ومنع الاحتكار من أهمية في خلق حافز لتخفيض الكلفة والسعر وتحسين الجودة بالنسبة للسلع والخدمات المعروضة في السوق مما يؤدي إلى تشجيع القطاعات الخاص والمختلط والعام وتطويرها دعما للاقتصاد الوطني وحسن الانسيابية للسلع والخدمات " (4) وهنا ترتطم النوايا الرقابية بالجدار الصلب للسلطة وتبرز المعضلة الكبرى :" عندما تتداخل الخطوط الفاصلة بين المال السياسي ورأس الهرم التنفيذي، وتتوجه أصابع الاتهام والملكية الاقتصادية إلى دوائر ترتبط برئيس الوزراء"، فكيف يمكن لـ هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وغيرها من الجهات والمؤسسات الرقابية التي تتحرك بضوء أخضر من السلطة التنفيذية—أن تحاسب امبراطورية تجارية تعود للشخص الأول في هذه السلطة؟ إنها قراءة في شلل الأجهزة الرقابية أمام أخطبوط النفوذ الذي يرتدي عباءة الزاهدين ليقضم موازنات الدولة تحت غطاء القانون المبرم وعقود الاحتكار المشرعنة والتي اختصت طوال السنين الماضية باحتكار التجهيزات الغذائية والأمن الغذائي حيث تمتلك عقوداً استراتيجية لتوريد سبع مواد غذائية أساسية للسلة الغذائية العراقية، وتتولى إطعام نحو 300 ألف مقاتل يومياً بيد أن الوثائق الورقية وجفاف التقارير الرسمية لم تكن وحدها الشاهد على هذه المأساة، بل إن المشاهد الحية والأفلام المصورة التي وثقها النائب "المعموري" من أرض الواقع كشفت عن عمق الفاجعة؛ وهو يتفحص بمرارة مفردات السلة الغذائية المتهالكة للبطاقة التموينية، وبالأخص—على سبيل المثال لا الحصر—علب معجون الطماطم الرديئة، في مشهدٍ لا يكتفي بجعل الجبين يندى خجلاً، بل يضع المواطن العراقي البسيط في حالة من الموت السريري البطيء. إنه إرهاب غذائي ونفسي يُمارس سيكولوجياً ضد الطبقات المسحوقة، يُجبر العوائل الفقيرة والمتعففة على القبول مرغمة وقسراً بجودة سيئة لمنتج يفتقر للحد الأدنى من الصلاحية الآدمية، مستغلين حاجتهم القصوى حيث لا مورد مالي أو غذائي بديل لديهم سوى هذه السلة، التي لم تعد حتى منتظمة كل شهر، بل أصبحت تُماطل وتتأخر لتصل إلى المواطن كل ثلاثة إلى خمسة أشهر.
المفارقة الأكثر إيلاماً وتناقضاً تكمن في أن هذه الأموال المليارية التي تتدفق لشراء هذه المواد الرديئة ليست منحة أو هبة من أحد، بل هي مستقطعة بالكامل من عائدات النفط العراقي والثروات الطبيعية التي نص الدستور والقوانين صراحة على أنها ملك شرعي مطلق للشعب العراقي، وليست إقطاعية خاصة مسجلة باسم شخص أو جهة سياسية أو حزب يوزعها كأعطيات. وهنا ترتطم النوايا الرقابية بالجدار الصلب للسلطة وتبرز المعضلة الكبرى: عندما تتداخل الخطوط الفاصلة بين المال السياسي ورأس الهرم التنفيذي، وتتوجه أصابع الاتهام والملكية الاقتصادية إلى دوائر ترتبط برئيس الوزراء، فكيف يمكن لـ هيئة النزاهة الاتحادية —التي تتحرك بضوء أخضر من السلطة التنفيذية—أن تحاسب امبراطورية تجارية تعود للشخص الأول في هذه السلطة؟ ليبقى السؤال المأساوي المرير يتردد في أروقة الدولة العاجزة: من يحاسب من؟ حين يكون الخصم هو الحَكم، وحين يرتدي الاحتكار ثوب "اللاهوت" ليقتات على مآسي الفقراء من أموال ثرواتهم المنهوبة.
يتلخص لنا هذا المشهد المساوي هنا ، حيث تمزج الألم الإنساني بالواقع السياسي المتشابك، وتضع جميع الأجهزة الرقابية والقضائية أمام حقيقية صورتها في مرآة مسؤوليتها التاريخية ؟ وفي المحصلة، لا يحتاج المواطن العراقي إلى مزيد من الشواهد والأمثلة التي باتت تثقل كاهله؛ وهو الذي يجد نفسه اليوم تائهاً بلا ملاذ، يبحث عن أمنه الغذائي والصحي في غابة يأكل قويّها ضعيفها تحت الستار الزائف لمكافحة الفساد المالي والإداري. والسؤال الذي يفرض نفسه بمرارة المقصلة: هل سنرى في الساعات القادمة، أو حتى في المستقبل المنظور، فرسان هيئة النزاهة الاتحادية وهم يقتحمون أسوار هذه الإمبراطورية التجارية العصية على القانون؟ هل سنراهم يصادرون وثائق الإدانة ومستنداتها التي لم تعد سراً، بل تقبع منذ سنوات—وليس أياماً—في خزائن أضابير الحفظ المظلمة، يكسوها غبارٌ ثقيل يعادل في قسوته غبار تراب أجساد أطفال العراق؛ أولئك الذين أُزهقت أرواحهم في المستشفيات الحكومية لافتادئهم أبسط جرعة علاج تنقذ حياتهم من أمراض طفيفة، بينما تُهدر ثرواتهم المليارية المنهوبة في عقود الاحتكار. وإن هذا الصمت الرقابي المريب يضع الجميع في غرفة الانتظار؛ ترقباً لما ستسفر عنه المعركة البرلمانية خلف الكواليس بين نواب الفصائل والكتل الحزبية، وهي معارك لم تكن يوماً لأجل عيون المواطن المسحوق، بل هي جولات من المساومة وابتزاز النفوذ لتقاسم المغانم مع الحكومة على حساب شعب يلوك غصته بانتظار العدالة المفقودة.
إن هذه القراءة الاستقصائية لملف "شركة الأويس" ومثيلاتها من الشركات الاحتكارية الحزبية الاخرى لا تنطلق من خصومة شخصية مع أحد، ولا تستهدف اسماً بعينه لتصفية حسابات ضيقة، بل هي معركة وعي أكيدة ودائمة ضد "المنظومة الحكومية الانتقائية" التي تدير ملفات الفساد بمكيالين. إن الخصومة الحقيقية هي مع ذلك المنهج الممنهج الذي يفتح أضابير الفساد لشركات كتل معينة عندما تختلف المصالح، ويغلقها بإحكام لتبتلعها الأتربة عندما تتوافق الغنائم والمساومات الحزبية.
العدالة التي يطالب بها الشعب العراقي من "المسافة صفر" هي العدالة الشاملة العابرة للحصانات؛ العدالة التي لا تتوقف عند حدود بوابات الشركات التابعة لرأس السلطة التنفيذية أو القيادات الحزبية الحاكمة. إن تفكيك إمبراطوريات الاحتكار التجاري يجب ألا يكون ورقة في بورصة الانتخابات أو صراع النفوذ بين الفصائل والكتل، بل واجباً وطنياً مقدساً يعيد عائدات النفط والبطاقة التموينية إلى أصحابها الشرعيين.
لن تنطلي بعد اليوم شعارات "الإصلاح المسيس" على شعبٍ يرى وعود مكافحة الفساد تتلاشى كـ "سراب بقيعة" عند أبواب المتنفذين، ولن يرضى المقاتل في معسكره أو العائلة المتعففة في أزقتها بأن تكون لقمة عيشهم رهينةً لصفقات الغرف المظلمة. إن المحاسبة إما أن تكون عامة ومطلقة وتطال الجميع، أو أنها تصبح مجرد غطاءٍ آخر لشرعنة الغابة الاقتصادية التي يأكل فيها الحوت الأكبر كل شيء، ويترك للمواطن الموت السريري البطيء.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شركة الاويس للصناعات الغذائية
https://al-oweis.com/


(2)

https://www.youtube.com/results?search_query=%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%A6%D8%A8+%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%B1+%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A+%D9%88%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%AF+%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%8A%D8%B3+
https://www.youtube.com/results?search_query=%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%A6%D8%A8+%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%B1+%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A+%D9%88%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%AF+%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%8A%D8%B3+
(3)

خروقات بمليارات الدنانير واستثناءات بلا جدوى.. شفق نيوز تنشر فحوى تقرير ديوان الرقابة المالية - شفق نيوز | آخر الأخبار العاجلة في العراق وكوردستان والعالم
شفق نيوز- بغدادكشفت وثائق صادرة ع
https://shafaq.com/amp/ar/%D8%B3%DB%8C%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AE%D8%B1%D9%88%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AB%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%AC%D8%AF%D9%88%D9%89-%D8%B4%D9%81%D9%82-%D9%86%D9%8A%D9%88%D8%B2-%D8%AA%D9%86%D8%B4%D8%B1-%D9%81%D8%AD%D9%88%D9%89-%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%AF%D9%8A%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9


(4)

قانون رقم (14) لسنة 2010 قانون المنافسة ومنع الاحتكار
التصنيف اقتصاد الجهة المصدرة العراق - اتحادي نوع التشريع قانون رقم.
https://wiki.dorar-aliraq.net/iraqilaws/law/21458.html

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

737 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع