أغنية القلب يعشق كل جميل وقصتها


الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

أغنية القلب يعشق كل جميل وقصتها

الحج في اللغة هو القصد، وفي الشرع؛ (قصد مخصوص، إلى موضع مخصوص، في وقت مخصوص، بشرائط مخصوصة)، وقد عرّفه الشيخ أحمد الدردير بقوله: (وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة، وطواف بالبيت سبعا، وسعي بين الصفا والمروة كذلك على وجه مخصوص بإحرام).

والحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وشعيرة من شعائر الله المعظّمة التي فرضها على المسلمين، وهو تتويج لأعوام من الشوق لزيارة الكعبة وبيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا.

والحج تتويج لأعوام من الشوق لزيارة الكعبة المشرّفة، ولأعوام وأعوام والاستعداد المادي والروحي لدى الكثيرين. والتوق والحنين إلى بيت الله ليس شعورًا عابرًا، بل علامة حياة في القلب.

أغنية القلب يعشق كل جميل وقصتها:
كوكب الشرق السيدة أُم كلثوم (1898-1975) هي أشهر فنانة في العالم العربي في القرن العشرين، تربعت على عرش الغناء على مدى نصف قرن، ولم تستطع أي فنانة أخرى أن تخلفها أو تشغل مكانها.

كتب لأم كلثوم أِشهر شعراء عصرها، ولحّن لها أغلب أشهر الملحنين، وكانت حصيلة عطائها الفني نحو 320أغنية تُعد من روائع الأعمال الفنية من ألحان وكلمات مشاهير الملحنين والمؤلفين.

برعت أُم كلثوم في الغناء الديني -خاصة في أداء القصائد الطويلة والشِّعر القديم- ومنها: "نهج البردة"، "سلوا قلبي"، "ولد الهدى"، "حديث الروح، "أراك عصي الدمع"، "رباعيات الخيام".

كما نجحت أم كلثوم في الغناء العاطفي، ومن أغانيها العاطفية: "أنت عمري"، "الأطلال"، "الحب كله"، "أروح لمين"، "أغداً ألقاك". وقد صُنفت أغنيتها "الأطلال" ضمن أفضل مائة أغنية أنتجت في القرن العشرين.


نتيجة للعطاء الكبير والمُميز الذي قدمته أم كلثوم خلال مسيرتها الفنية الطويلة التي ناهزت النصف قرن، فقد نالت أم كلثوم سبعة جوائز رفيعة من أعلى المستويات.

رفيق المسيرة الفنية لأم كلثوم الموسيقار رياض السنباطي (1906-1981)، وهو أحد أبرز الموسيقيين العرب، لحن لها 107اغنية؛ بدأت بأغنية (لما أنت ناوية تهاجريني) عام 1936، وانتهت بأغنية (القلب يعشق كل جميل) عام 1972.

محمود بيرم التونسي (1893-1961):
محمود بيرم التونسي، المُلقب (شاعر الشعب) و (هرم الزجل)، شاعر مصري ذو أصول تونسية، وهو من أشهر شعراء العامية المصرية وأكثرهم إثارة للجدل. وقد تم تكريمه في سنة 1960 بجائزة الدولة التقديرية التي منحه إياها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وقد توفي بمرض الربو سنة 1961.

ولد محمود بيرم التونسي لعائلة تونسية كانت تعيش في مدينة الإسكندرية، هجر التعليم في سن مبكر وانكب على القراءة، وخاصة الشِّعر، الذي شرع في كتابته بالعامية.

اشتهر بيرم التونسي في بداية حياته بقصيدته (بائع الفجل) أو (المجلس البلدي)، وفي سنة 1919 أصدر مجلة (المسلّة) التي تمت مصادرتها، فأصدر مجلة (الخازوق).

أسس الموسيقار زكريا أحمد شلة "أهل الهوى"، وانضم لها سيد درويش وبيرم التونسي، وكان شرط الانضمام لها أن يكون الفنان عاشقا لوطنه وفنه، لينطلق بيرم بعدها في مسيرة حافلة بشِعر العامية، بأشعاره البسيطة التي تصل لرجل الشارع وإلى الحاكم على السواء.

كانت قصيدة (المجلس البلدي) أو (بائع الفجل) أولى القصائد التي ذاع من خلالها صيت بيرم التونسي، وفيها وجه انتقادات حادة للمجلس البلدي لفرضه ضرائب كبيرة على السكان. كما كتب لسيد درويش عددا من الأغاني ذات الطابع السياسي التي حوت انتقادات لاذعة للأسرة المالكة.

تعددت أوجه الصدِام بين بيرم التونسي والملك فؤاد ومن بعده الملك فاروق؛ مما أدى إلى نفيه وتشريده خارج مصر لمدة 18 عامًا. بعدها حصل على العفو من الملك والتقى بالسيدة أم كلثوم، وقدما معا أجمل أغانيها في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.

لقد شكّل اللقاء الفني بين أم كلثوم وبيرم التونسي أحد مراحل الازدهار لكليهما وأثمر عن 33 أغنية تُعد من أشهر الأغنيات التي شدت بها أم كلثوم وحققت نجاحاً ساحقاً، وكانت خاتمتها "القلب يعشق كل جميل" عام 1971 والتي وصف فيها محمود بيرم التونسي رحلته لزيارة مكة المكرمة وأداء شعائر الحج، وقد أنشدها أم كلثوم بعد وفاته بعشر سنين.

قصة الأغنية:
أغنية "القلب يعشق كل جميل" أغنية عابرة للعصور، كتبها الشاعر محمود بيرم التونسي ولحنها الموسيقار السنباطي وغنتها أم كلثوم ..وأصبحت إحدى أيقونات أغاني الحج.

في إحدى ليالي موسم الحج جاءت لمحمود بيرم التونسي دعوة في المنام للزيارة بيت الله العتيق، فنهض في الصباح الباكر وأكمل أوراقه الرسمية ومعدات السفر.

يُعبِّر بيرم التونسي عن ذلك في قصيدته قائلا:
كنت ابتعد عنه ... وكان يناديني
ويقول مصيرك يوم ... تخضع لي وتجيني

اختفى بيرم وأعتقد الناس أنه سُجن أو تم نفيه، لكنه لبى دعوة ربه الكريم:

دعاني لبيته ... لحد باب بيته
ولما تجلى لي ... بالدمع ناجيته

وفي الكعبة المشرَّفة رأى بيرم التونسي الوف الحمام يطوف حولها، فبدأت دموعه تنهمر، ثم بدأ يكتب القصيدة باللهجة العامية المصرية ويصف الأجواء الروحانية الطاهرة في بيت الله العتيق وفي المسجد النبوي الشريف:

مكة وفيها جبال النور ... طلة على البيت المعمور
دخلنا باب السلام غمر قلوبنا السلام بعفو رب غفور
فوقنا حمام الحمى عدد نجوم السما ..طاير علينا يطوف ألوف تتابع ألوف
طاير يهني الضيوف بالعفو والمرحمة

لقد كتب بيرم التونسي أروع ما كتب عن لقاء العبد بربه في الحج، وقد شدت به أم كلثوم بعد وفاة بيرم بعدة سنوات وبقيت الأجيال ترددها.

تتحدث هذه الأغنية عن الحب الإلهي، وعن السلام الداخلي الذي يتحقق بزيارة مكة المكرمة، وتنتهي بمشهد يتخيل فيه الشاعر نفسه (وإن لم يقل ذلك) في الجنة، ويتمنى أن يكون مصير كل أحبابه مثل مصيره.

ثم يختتم القصيدة بالدعاء للجميع بأن ينالوا مثل ما نال:
يا ريت حبايبنا ... ينولوا ما نلنا
يا رب توعدهم ... يا رب واقبلنا

وبعد عودة بيرم التونسي إلى مصر أعطى القصيدة إلى صديقه وتوأم روحه الشيخ زكريا أحمد (1896-1961) لكي يلحنها لأم كلثوم فلحنها، لكن أم كلثوم اعترضت على بعض الجمل اللحنية مما أدى إلى حدوث خلاف بينهما دام عشر سنوات. وظلت الأغنية حبيسة الأدراج حتى العام 1969.

https://www.youtube.com/watch?v=IBcC7zXlE9U

تذكر بعض الروايات أن أحد السفراء السعوديين من أصدقاء أم كلثوم سألها ذات يوم: لماذا لا تُقدمي أغنية عن الحج يتغنى بها الحجاج والمسلمون في كل مكان؟ فاقتنعت أم كلثوم بالفكرة، وتذكرت قصيدة محمود بيرم التونسي التي لم تغنيها في وقتها، فأعطت القصيدة لرياض السنباطي بعد ابتعادها عنه والتوجه للتعامل مع محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي.

انبهر السنباطي بكلمات القصيدة وعاد إلى بيته ووجد في هذه القصيدة ( تحديا ورد اعتبار) له، فاندمج بها وعايشها وكان يبكي بالليل عندما يرددها من شدة تأثره بكلماتها، واعتكف فيه لحين أن انتهى من تلحينها. فأبدع فيها وقدّم لحننا فريدا خالدا نال نجاحا كبيرا بقيت الأجيال تردده من بعده.
لقد نجح السنباطي بعبقريته الموسيقية، في أن يجمع في لحنه بين الإحساس بالجلال والعظمة والشجن من جهة، والبهجة والمحبة والفرح من جهة أخرى، فكان لحناً خفيفاً ذا إيقاع مرح سريع يختلف عن ألحانه المعتادة للأغنيات الدينية التي لحنها لأم كلثوم من قبل، أو لغيرها من المطربين والمطربات، أو حتى لنفسه، وهو الأسلوب الرصين الذي كان أشبه ما يكون بالابتهالات الدينية ذات الإيقاع الثقيل.

غنت أم كلثوم هذه الأغنية في العام 1971، وفي العام نفسه أنشدتها في حفلة أبو ظبي في عيد الجلوس الخامس للشيخ زايد بن سلطان وبحضور نجله خليفة بن زايد آل نهيان).

وفي سنة 1975 توفيت أم كلثوم بسبب فشل كلوي، وبعد وفاة أم كلثوم غنتها الفنانة اللبنانية نجاح سلام وهي محجَّبة في حفل تكريم أم كلثوم.

لقيت أغنية (القلب يعشق كل جميل) تفاعلا كبيرا من مختلف شرائح المجتمع العربي، ويذكر بعض الأصدقاء أن الشاعر وأستاذ اللغة العربية (حازم العباس) كان يفتح الراديو في بيته، وبأعلى صوت، عندما كانت تُذاع هذه الأغنية لكي يُسمعها للجيران.

لقد تحدث الشيخ الجليل الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي (1929- 2013م) من على المنبر عن الشاعر بيرم التونسي الذي كان شخصا عاصيا لم يكابر متفردا عاش حياته للهو والمتعة، وعاش عمره مطعوناً في دينه، مشتبكاً في خلافات مع التيار الديني المتشدد وشيوخه، وله معهم معارك ساخنة ومواقف طاحنة. ثم تحدث الشيخ البوطي عن الكلمات البسيطة باللهجة العامية التي صاغها قلم بيرم التونسي معبرا عما يجيش بخاطره في رحلته للحج وهو يقول:

كنت ابتعد عنه... وكان يناديني/ ويقول مصيرك يوم... تخضع لي وتجيني/ طاوعني يا عبدي... طاوعني انا وحدي/ ما لك حبيب غيري.. قبلي ولا بعدي/ أنا اللي أعطيتك... من غير ما تتكلم/ وأنا اللي علمتك... من غير ما تتعلم/ واللي هديته إليك... لو تحسبه بإيديك/ تشوف جمايلي عليك... من كل شيء أعظم/ سلِّم لنا.. سلِّم لنا.. سلِّم لنا.. تسلم.

دعاني لبيته لحد باب بيته .. واما تجلى لي .. بالدمع ناجيته

وقد عقّب عن ذلك الشيخ البوطي وهو متأثرا وتكاد الدموع تغمر عينيه: " هذا لسان حال كل عاصي".

https://www.facebook.com/100010393143305/videos/653639364379101\

اللهم اكتب الحج لنا ولكم ولكل المشتاقين يا رب العالمين.

وكل عام وأنتم بخير.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

962 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع