
حسين حميد العوفي / ميسان
مقصلة الريع كيف ذبح النفط روح الأبتكار في العراق
يعد غياب الحافز والابتكار من أخطر المشكلات التي واجهت الاقتصاد العراقي بعد عام 2003 إذ بقي الاقتصاد أسيراً للطبيعة الريعية المعتمدة على النفط بوصفه المصدر شبه الوحيد للإيرادات الأمر الذي رسخ ثقافة اقتصادية تقوم على الاستهلاك والاتكال بدلاً من الإنتاج والعمل والإبداع فأصبحت الوظيفة الحكومية تمثل الحلم الأكبر لغالبية الشباب لما توفره من راتب ثابت وأمان نسبي حتى وإن كانت بعيدة عن الكفاءة أو الحاجة الفعلية للإنتاج مما أدى إلى إضعاف روح المبادرة الفردية وتراجع الطموح نحو تأسيس المشاريع الخاصة أو خوض مجالات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا .
وقد ساهمت السياسات الاقتصادية المرتبكة وغياب التخطيط التنموي الحقيقي في خلق بيئة خانقة للابتكار إذ يعاني القطاع الخاص من ضعف التمويل وكثرة الروتين الإداري وانتشار الفساد والمحسوبية والإتاوات فضلاً عن غياب الدعم الحكومي الجاد للمشاريع الإنتاجية وهذا ما جعل أصحاب الأفكار والطموحات يصطدمون بواقع معقد يقتل أي محاولة للإبداع أو التطوير كما أن تدهور البنية التحتية واستمرار أزمات الكهرباء والخدمات الأساسية جعل من الصعب بناء اقتصاد حديث قادر على احتضان الطاقات والكفاءات ومن جانب آخر فقد لعب ضعف النظام التعليمي وانتشار دوراً كبيراً في تعميق الأزمة حيث بقي التعليم قائماً على التلقين والحفظ بعيداً عن تنمية المهارات العملية والقدرات الابتكارية مما أدى إلى تخريج أعداد كبيرة من الشباب غير القادرين على مواكبة متطلبات سوق العمل الحديثة أو المنافسة في مجالات التكنولوجيا والصناعة المتقدمة كما أن ضعف مراكز البحث العلمي وقلة الإنفاق على التطوير والتكنولوجيا جعلا العراق بلداً مستهلكاً للمعرفة والتقنيات الأجنبية بدلاً من أن يكون منتجاً لها .
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن انتشار الفساد والزبائنية السياسية بعد عام 2003 أدى إلى تهميش الكفاءات وأصحاب الخبرات لصالح الولاءات الحزبية والعلاقات الشخصية فأصبحت الفرص توزع وفق النفوذ لا وفق الكفاءة وهذا ما قتل روح المنافسة العادلة وأفقد الشباب الثقة بإمكانية النجاح من خلال الجهد والعلم والإبداع الأمر الذي دفع كثيراً من العقول والكفاءات إلى الهجرة بحثاً عن بيئة أكثر عدالة واستقراراً تقدر قدراتهم وتمنحهم فرصة حقيقية لتحقيق طموحاتهم
وقد انعكست هذه الأوضاع بصورة خطيرة على الاقتصاد العراقي إذ بقي اقتصاداً هشاً ضعيف التنوع يعتمد على النفط اعتماداً شبه مطلق مع تراجع واضح في دور القطاعات الإنتاجية الأخرى كما ارتفعت معدلات البطالة بين الشباب والخريجين وازدادت هيمنة الاستيراد والاستهلاك على حساب الإنتاج المحلي وبذلك أصبح الاقتصاد العراقي عاجزاً عن تحقيق تنمية مستدامة أو بناء قاعدة اقتصادية قوية قادرة على المنافسة والتطور لأن أي اقتصاد لا يقوم على الابتكار وتحفيز الطاقات البشرية يبقى اقتصاداً تابعاً ضعيفاً ومتأخراً عن ركب التقدم العالمي .
أما معالجة هذه المشكلة فتتطلب إصلاحاً اقتصادياً حقيقياً يقوم على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط من خلال دعم القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة والسياحة والتكنولوجيا كما ينبغي توفير بيئة مناسبة للاستثمار عبر محاربة الفساد وتبسيط الإجراءات الإدارية وتقديم التسهيلات للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وتشجيع الشباب على العمل الحر بدلاً من انتظار الوظيفة الحكومية كذلك لا بد من إصلاح النظام التعليمي وربطه بحاجات سوق العمل من خلال تطوير المناهج وتنمية المهارات العملية ودعم البحث العلمي والابتكار وإنشاء مراكز متخصصة لرعاية المبدعين وأصحاب الأفكار كما أن تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص واعتماد الكفاءة بدلاً من المحسوبية يمثلان خطوة أساسية لإعادة الثقة لدى الشباب وتحفيزهم على الإبداع والعمل لأن بناء اقتصاد قوي لا يتحقق إلا من خلال إطلاق طاقات الإنسان وتوفير بيئة عادلة تحتضن الكفاءات وتمنحها الفرصة للمساهمة في نهضة الوطن وتقدمة .

657 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع