امرأة من زمنٍ لا يعود

د.سعد العبيدي

امرأة من زمنٍ لا يعود

محلة الميدان… ليلة التاسع من نيسان 2003، تبدو كأنها خارج الزمن، أو كأن الزمن انكسر عند تخوم أزقتها الضيقة. بيوتها العتيقة تخفي وراء أبوابها حكاياتٍ غضّت عنها الدولة منذ تأسيسها، وتركتها واحةً صامتة لتصريف فائض الرغبات. هناك، أتقن القائمون عليها وتجار الجسد فنّ الموازنة الدقيقة: إشباع ما يُطلب في الخفاء، من دون أن تُستفزّ عين السلطة ويخدش الحياء.
نوال واحدة من وجوه تلك المرحلة؛ جاوزت الثلاثين بقليل، بوجهٍ صافٍ كهدوء الليل، وعينين تتركان أثرًا لا يُنسى. جسدٌ متناسق، وأنوثة تعرف كيف تُرى دون ابتذال. جاءت إلى المحلة قبل عقدين من ذلك التاريخ، هاربةً من زواج عشائري تحت بند الإكراه. استقرت بها، وساعدها جمالها وإتقانها فنّ الإغواء على التقدم في المهنة، حتى غدت السيدة ومالكة البيت. أغرم بها رجلٌ من أمن المنطقة، فألزمها ترك المهنة والتفرغ له… زوجًا موعودًا، تابت على يديه.
في تلك الليلة، لم تبقَ الميدان على حالها. شبابٌ قدموا من أطراف بغداد، وجوهٌ غريبة، نوايا متشابكة؛ بعضهم يبحث عن غنيمة، وبعضهم عن ثأر، وآخرون عن فرص لإثارة الفوضى التي بدأت تبتلع المدينة. سرعان ما تشابكت وسطها الأصوات: صراخٌ يتصاعد، ثم طلقاتٌ تقطع ليل الأزقة الضيقة.
تقف نوال قرب الباب، تسترق السمع. لم تمهلها اللحظة كثيرًا؛ دوّى إطلاق نارٍ أقرب من أن يُحتمل، سقط في تبادله الرجل الذي وعدها بحياةٍ أخرى. تجمّدت للحظة، كأن الزمن عاد لينكسر من جديد، ثم انفرط كل شيء. شعرت بالأرض تنسحب من تحتها. تحرّكت بآليةٍ باردة، جمعت ما استطاعت من مصوغاتها، لفّتها على عجل، وأخفتها تحت عباءة استخدمتها لأول مرة. خرجت حافية، دون أن تلتفت خلفها، كأن البيت لم يعد بيتًا، وكأن الجسد الذي تركته خلفها لم يكن يومًا سندًا.
في الزقاق، ما تزال الطلقات تتردد، لكنها تمضي، خفيفة الخطى، مثقلة بما فقدت… وبما بقي. لم تعرف كيف وصلت، لكنّها وجدت نفسها في قطار البصرة، وحيدة، تحتضن ما تبقّى من ثروتها، وتحدّق في ظلامٍ يشبه مستقبلها. تشعر أن روحها تُنتزع، لأن الزمن قرر أن يتقدّم أسرع منها.
في البصرة، تأويها صديقة قديمة، امرأة ترمّلت أيام الانتفاضة الشعبانية، عاشت معها على ما تجنيه من أعمال الخدمة في البيوت، وما تبقّى من مدّخراتها التي أخذت تتآكل ببطء. تقاسمتا المكان وأيام ثقال وجهود رعاية عدنان الابن الوحيد لصديقة وحيدة هي أيضا.
تمضي السنوات العشرين ثقيلة. أمراضٌ تتكاثر، وشيخوخة تقترب بلا رحمة. في إحدى الليالي، تسقط الصديقة فجأة، تُحمل إلى المستشفى، لتعود جثةً صامتة. يفتح الحدث فراغًا واسعًا، يتّسع أكثر مع خبر التحاق عدنان بأحد الفصائل المسلحة، كأن كل ما تبقّى لها يبتعد دفعةً واحدة. عندها، يعود المكان الأول إلى ذاكرتها: بيتها الذي خرجت منه حافية. تكبر الرغبة في العودة إليه، لتسند ما تبقّى من عمرها إلى عتبته.

لم تجد المحلة كما تركتها؛ صارت شيئًا آخر: سوقًا مفتوحة بلا قواعد، بلا وجوه معروفة. السلاح حاضر في كل زاوية، والقرار بيد المليشيات. رجال يديرون ما كان للنساء، وبضاعة أكثر انكشافًا، وسمومٌ تُدفع في العروق، وحبوبٌ تُباع في وضح النهار. كل شيء هنا يجري تحت ظل البنادق. أما بيتها، فمصيره معلّق في المجهول.
تَطرقُ الباب، فيُفتح على شابٍ مسلح بملامح مألوفة؛ تتذكره، ابن حسيبة، أجمل مومس في جيلها. بصوتٍ مبحوح تسأله عن أمه، فيبتسم ببرود: لا مكان للقوّادات في زمننا الديمقراطي. تتقدّم خطوة: هذا بيتي. يردّ بلا اكتراث: كان… الآن باسمي. راجعي الطابو، ستجدين توقيعك، والثمن مقبوض. تختنق الكلمات في حلقها: هذا حرام. يهزّ كتفيه: هذا البيت من مال حرام أصلًا… نحن فقط أزلنا شرعًا شبهة الحرام.
تتراجع من الباب. تعود أدراجها إلى عدنان، تقصّ ما جرى وتطلب التدخل؛ فالمتجاوز من الفصيل المسلح ذاته. يصغي بوجهٍ بارد، ثم يقول كمن يحدّد أجرة خدمة: ثلاثون ألف دولار يعود اليك البيت. عشرة لي، وعشرة لابن حسيبة، وعشرة للسيد القائد. تتصلّب ملامحها: أأدفع لأستردّ بيتي؟ يرفع كتفيه: هكذا تُحلّ الأمور يا خالتي.
تبتعد عن المكان دون أن تلتفت. تمشي طويلًا في شوارعٍ لا تعرفها، تتكلم مع نفسها، تضحك مرةً وتبكي أخرى، كأن صوتها صار أثقل من أن يحتمله الصدر. تصل إلى أطراف المدينة، حيث ينتهي الضوء ويبدأ الفراغ. تقف لحظة، تنظر أمامها طويلًا، ثم تقول بصوتٍ خافت: لم يعد لي مكان هنا… أريد مكانًا أموت فيه. وتمضي، كأنها خرجت من عالمٍ لن تعود اليه .
***

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

968 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع