
عائشة سلطان
وعي العمر
تأسس وعي والدتي على مجموع ما تعلمته وسمعته وسرى في كيانها، عبر آيات القرآن، وتقلبات مواسم أشجار النخيل من أول طلعها وتلقيحها حتى تمام نضجها عندما تصير بلحاً حلواً كطعم العسل يزين الموائد في كل بيت خلال نهارات الصيف القائظة كما تفتّح وعيها على مواسم رحيل الرجال في رحلات الغوص والتجارة لشهور طويلة، وتفتّح وعيها على شظف العيش ومقاومة خشونة الحياة!
كانت حكمتها ترشح من خلال كل ما مرت به، حيث لا يأتي الوعي عبر الكتب فقط، فلم تقرأ أمي كتباً، ولم تذهب إلى مدرسة، وعندما ولدتُ وحتى دخولي المدرسة لم يكن في بيتنا كتاب سوى مصحف والدي. لكن أمي هي من أصرت على أن أتعلم، ومن ألحت عليّ بشكل يومي على أن أقرأ كل كلمة تمر أمامي مكتوبة في كتاب أو حتى ورقة تطوح بها ريح عابثة في طرقات وأزقة فريج عيال ناصر!
لا تعطي أذنيها لكلام الناس ولا تهتم بما يقولون، فالناس حين يشتكي لها أحد كلامهم وتطاولهم تقول: إنهم خلقوا ليقولوا، لذلك فإن لم يجدوا ما يتحدثون فيه اخترعوه ليتناقلوه، إنهم يملؤون به أوقاتهم كما يملؤون بطونهم بالطعام، ولا يملأ روحه ودماغه بالكلام إلا إنسان أجوف، تافه، فلا تلقي بالاً للأجوف!
قال لها أخي يوماً الناس لا تشكر ولا تمتن مهما أحسنت لهم، فأجابته: (لا يموت الإحسان إلا في قلوب الأنذال) أما جدتي فتقول (الناس سيتحدثون عنك دائماً، فإذا وجدوك في خير حسدوك. وإن رأوك في شر ضحكوا عليك). والخلاصة: أرح رأسك، فالناس سيتحدثون في كل الأحوال!
يحتاج الإنسان إلى أن يعرف على وجه الدقة أن ما يجعله متماسكاً في مواجهة الظروف والقسوة لا بد من أن ينبع من داخله، إلا أن المعرفة وحدها لا تكفي إذا لم يكن بمقدورنا أن نتخطى سطوة أحاديث وآراء الناس، التي قد تتحول أحياناً إلى آلة قاسية، ونحن نحتاج إلى أن ننتبه لأنفسنا أكثر مما نركز على اشتراطات الآلة، فمعظم تصوراتنا عن الناس لا تعدو كونها تصورات ليس هنا ما يؤكدها، لكنها سرعان ما تكتشف حين يتحدثون أو حين يغيبون!

660 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع