
د. سعد ناجي جواد*
المأزق الأمريكي – الإسرائيلي في المواجهة الدائرة.. لماذا إيران ليست بحاجة الى سلاح نووي؟ وكيف يحاول الإحتلال الإلتفاف على قدرات المقاومة اللبنانية؟
يحلو للبعض ان يكون مدافعا عن الولايات المتحدة الأمريكية، وبالمعية عن إسرائيل، عن علم وسبق اصرار او عن جهل. ويحلو لهذا النفر ان يتهم من يقف بوجه هاتان القوتان المارقتان بتهمة استفزاز واشنطن وتل ابيب مما يجعلانهما يردان بعنف دفاعا عن نفسيهما او مصالحهما. ويتناسى هذا البعض الفظائع التي ارتكبتها وترتكبها هاتان القوتان الغاشمتان. آخر هذه الادعاءات كانت ان الولايات المتحدة هي التي اتخذت القرار بمهاجمة ايران (لمنعها من الحصول على سلاح نووي).
احدث اعتراف عن سبب قيام هذه الحرب العبثية والمدمرة والتي استُعمِل فيها القصف العشوائي بصورة هائلة، صدر في بيان رسمي عن الخارجية الأمريكية في 21 نيسان/أبريل اي قبل حوالي عشرة ايام، وجاء في وثيقة بعنوان
Operation Epic Fury and International Law
عملية الغضب الملحمي والقانون الدولي. ذكرت الوثيقة في البداية ان أهداف الحرب، كما حددها الرئيس ترامب، هي “تدمير صواريخ ايران الهجومية والقدرة على إنتاجها، وتدمير البحرية الإيرانية وكل البنية التحتية الأمنية، واخيراً التأكد من ان ايران لن تمتلك أسلحة نووية”. (اهملت الوثيقة هدف اسقاط النظام!) وهذه الأهداف اصبحت معروفة ويجري ترديدها كل يوم، على الرغم من الفشل في تحقيقها. ولكن المهم في هذه الوثيقة الفقرة التي ذكرت ما يلي:
“إن عملية الغضب الملحمي ليست سوى أحدث جولة من الصراع المسلح الدولي المستمر مع إيران. وكما أوضحت الولايات المتحدة في رسائل عديدة إلى مجلس الأمن الدولي، كان آخرها بتاريخ 10 مارس/آذار، [2026] فإن الولايات المتحدة منخرطة في هذا الصراع بناءا على طلب حليفتها إسرائيل، وفي إطار الدفاع الجماعي عن النفس”. هل هناك حاجة لشرح هذه الكلمات، وهل هناك حاجة لشرح الهدف الأمريكي الاساسي؟
التبرير الواهي الاخر، او المغالطة الأخرى التي تستخدم ليقول لنا من يطرحها ان ايران وحزب الله قد (هُزما شر هزيمة) وانه لم يبق لهما غير الاستسلام. بل وصلت الصفاقة بالبعض ممن يحملون الهوية العربية ان يقول ان (جيش الاحتلال الاسرائيلي هو اكثر الجيوش إنسانية في العالم!)، الرد على هذه الأقاويل اتى من اكبر شخصية عسكرية إسرائيلية (رئيس أركان الجيش) الذي قال ان افراد قواته قد فقدوا أخلاقهم، يبتهجون بالقتل العشوائي والتدمير وسلب ممتلكات الناس الذين يقتلونهم او يتم تهجيرهم بالقوة او بالإرهاب.
الحقيقة التي يكره البعض سماعها هي ان الحرب الأمريكية – الاسرائيلية على ايران أتت بنتائج عكسية. فهذا واحد من اهم المحللين السياسيين الأميركان (روبرت مالي – والذي كان من المساهمين النشطين في توقيع الإتفاق النووي في عهد الرئيس اوباما في 2015)، يقول ان النظام الإيراني خرج أقوى وأكثر ثباتا من السابق بعد الحرب. اما موقع (واي نت) الاسرائيلي فلقد نشر مقالة بقلم اثنين من اهم المحللين الصحفيين الاسرائيليين (ناحوم بارنياع ورونين بيرغمان)، قالا فيه: لم يحدث انهيار للنظام الإيراني كما كان متوقعا، واستعاد النظام السيطرة والقيادة ونجا مما اعتقد المخططون [الموساد] على ان وجوده سينتهي في غضون ايام، ويختتمان المقال بالقول: “ان ما بدا كخطوة إسرائيلية طموحة، غنية بالخيال والإعتقاد بانها ستكون حاسمة، انتهى بخيبة امل كبيرة”.. اما اراء المحللين العسكريين الاميركان (العقيد المتقاعد دوغلاس ماكريغر) و(سكوت ريتر) فلقد ذكرا ان الولايات المتحدة استهلكت في هذه الحرب حوالي 90% من صواريخها الدقيقة وقببها الدفاعية، التي كانت معدة لمواجهة قوة عظمى مثل الصين او روسيا، وان استعادة هذا المخزون يحتاج إلى سنوات، وان ايران استطاعت ان تعيد الحياة إلى خمسين بالمائة من منصات الصواريخ التي دُمِرت وانها استأنفت انتاج الصواريخ بوتيرة اسرع. اما صحيفة الفايننشال تايمز اللندنية الرصينة فلقد نشرت مقالا قال فيه كاتبه (تحوّلت عملية “الغضب الملحمي” التي شنّها دونالد ترامب على إيران إلى بحثٍ محموم عن مخرج. ومع ذلك، لا يوجد مخرج واضح يخرج [واشنطن والجيش الامريكي] من المأزق الذي وقعا فيه). بدوره كتب الأستاذ الدكتور فواز جرجس في جريدة الغارديان اللندنية مقالة عنونها (لقد جاءت حرب ترامب بنتائج عكسية مذهلة: إيران الآن اكثر نفوذا من اي وقت مضى). اما مفاجأة مسيرات وصواريخ وقتال المقاومة اللبنانية البطولي فهذه كانت ولا تزال اكبر من ان يستوعبها رجل نرجسي مثل رئيس وزراء الاحتلال او قادة جيشه.
حتى محاولات إسقاط النظام الإيراني من الداخل اثبتت فشلها. هناك من يقول ان الأصوات المعارضة لم تعد تخرج من داخل ايران، بسبب السيطرة الأمنية المشددة، وآخرون يقولون ان مستوى التدمير القاسي، وفي بعض الأحيان غير المبرر، جعل الإيرانيون يقفون خلف حكومتهم. لكن اهم نتيجة هي ان ايران اكتشفت انها تمتلك سلاح جبار ، يضاهي السلاح النووي، قادر على اجبار الولايات المتحدة على الانصياع لرغباتها، إلا وهو التحكم بمضيق هرمز، بدليل ان كل أهداف الرئيس ترامب من شن الحرب تلاشت واصبح الهدف الأساسي والوحيد الآن هو كيف يمكن فتح المضيق ووضع حد للكوارث الاقتصادية التي بدأت تتوالى على العالم بأسره.
على العكس من الحالة الايرانية، فان الحالة اللبنانية ظلت تشهد أصوات تعالت من بعض الأطراف المعارضة لحزب الله تطالبه بإلقاء السلاح، ثم وصلت إلى راسي الدولة اللبنانية، رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، اللذان ابديا رغبة صريحة في التفاوض مع العدو الصهيوني، في نفس الوقت الذي يذوق فيه جيش العدو الأمرين على يد مقاتلي المقاومة اللبنانية، وفي وقت تعج فيه الصحف الاسرائيلية بالمقالات التي تتحدث عن الأوقات الصعبة التي يعيشها جيش الاحتلال في لبنان، وعن سحب ألوية تعرضت لخسائر كبيرة لاعادة تأهيلها. وآخر هذه المقالات هو ما نشر في جريدة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في 28 نيسان/أبريل، اي قبل ثلاثة ايام.
إسرائيل بدورها مازالت تردد ان على الدولة اللبنانية ان تنزع سلاح حزب الله، وانها تدخلت لكي تقوم بذلك بعد ان عجزت الحكومة اللبنانية، ولما عجزت هي ايضا، رغم التدمير الهائل والعشوائي للمناطق المدنية واستهداف الأبرياء، طرح وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو في 27 نيسان/ابريل خطة مبنية على (انشاء وحدات نخبة في الجيش اللبناني، مسلحة ومدربة بالكامل لكي يوكل اليها مهمة نزع سلاح المقاومة)، ولا يهم إذا ما نتج عن ذلك حرب اهلية جديدة.
خلاصة الكلام لقد اثبتت الاحداث ان الولايات المتحدة والكيان المحتل لم يبق لديهما خيارات كثيرة، بإستثناء إستخدام القوة العسكرية مرة ثانية، وهو خيار تتضاءل احتماليته حدوثه، ناهيك عن نجاعته، يوما بعد يوم خاصة ضد إيران.
من جانبها فان ايران ترى فيما يجري فرصة لفرض واقع جديد، والاهم انها اكتشفت انها تمتلك قنبلة نووية ترعب العالم، إلا وهي السيطرة على مضيق هرمز وإغلاقه. هذه القدرة وضعت الاقتصاد العالمي على كف عفريت، واجبرت الرئيس ترامب على إعلان الهدن الموقتة وتمديدها الواحدة تلو الأخرى. (هناك راي لم اتمكن من التأكد منه، يقول ان أهم خطوط الإنترنيت التي تربط حركة الأموال بين الولايات المتحدة واوروبا ودول الخليج تمر أيضا من خلال هذا المضيق، وان إيران هددت بتدمير هذه الخطوط، وان هذه الحقيقة هي التي دفعت الرئيس ترامب على تمديد وقف اطلاق النار الى اجل غير محدود).
ايران، وحتى الوسطاء، يعتقدون ان الحل الدبلوماسي لازال ممكنا، ولكن طهران تعتبر ان الولايات المتحدة غير جادة في حل المشكلة، بدليل انها مصرة على تفويض هواة في السياسة ومنحازين بالكامل لإسرائيل (ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر) في ادارة المفاوضات، وانها ما تزال تمني النفس بتشكيل تحالفا عسكريا (يضم بعض دول الخليج) ينجح في فتح مضيق هرمز بالقوة، هذه العملية ان تحققت فإنها ستجلب كوارث أكثر مما جلبته كارثة شن الحرب الصهيو-امريكية على إيران ولبنان.
*كاتب واكاديمي عراقي

779 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع