بين قرار الحرب وحساباتها… قراءة في مسار الحرب الأمريكية – الإيرانية وتداعياتها الإقليمية محاولة لاكتشاف مكامن الخلل

اللواء الركن
علاء الدين حسين مكي خماس
24 ابريل 2026

بين قرار الحرب وحساباتها… قراءة في مسار الحرب الأمريكية–الإيرانية وتداعياتها الإقليمية محاولة لاكتشاف مكامن الخلل

مدخل

في أقل من أسبوعين، تتحدث الأخبار عن إقالة رئيس أركان القوات البرية الأمريكية، ثم تتبعها أنباء هذا اليوم 23 نيسان / ابريل عن استقالة أو إقالة قائد القوات البحرية الأمريكية، وفي الليلة نفسها تُفعَّل الدفاعات الجوية في طهران وتُسمع دوي انفجارات غامضة دون إعلان رسمي عن أسبابها أو طبيعتها. هذه ليست مجرد أخبار متفرقة، بل إشارات متزامنة تستحق التوقف عندها. فعندما تهتز مواقع القيادة العليا في وقت حرب، ويقابل ذلك تصاعد غامض في الميدان دون تفسير واضح، فإن السؤال لا يكون عمّا يحدث فقط، بل عمّا لا يُقال بعد.
حين تبدأ الحروب قبل أن تُفهم
في الشرق الأوسط، نادراً ما تبدأ الحروب حين يُعلن عنها رسمياً، بل تبدأ فعلياً حين تتداخل النوايا مع الحسابات، وتتحول القرارات السياسية إلى رهانات مفتوحة على المجهول. والحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تبدو أقرب إلى هذا النموذج؛ فهي لا تقدم نفسها كحرب تقليدية ذات أهداف واضحة، بل كصراع ضبابي يطرح منذ لحظته الأولى سؤالاً بسيطاً في صياغته، عميقاً في دلالته: هل نعرف فعلاً لماذا بدأت هذه الحرب؟
هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو المدخل الحقيقي لفهم أي حرب. فالمشكلة في الغالب لا تكمن في غياب الأهداف، إذ إن الأهداف عادة ما تكون معلنة وواضحة، وإنما تظهر حين تكون هذه الأهداف أكبر من الإمكانات المخصصة لتحقيقها، أو حين لا تنسجم الاستراتيجيات والعمليات العسكرية مع طبيعتها، أو حين تُبنى الخطط على افتراضات مسبقة غير دقيقة. عندها يفقد المسار توازنه، ويصبح الحديث عن النصر أو الهزيمة أقرب إلى تقديرات نظرية منه إلى نتائج قابلة للتحقق. وهذه سمة تكررت في كثير من حروب المنطقة منذ بدايات القرن العشرين، حيث تبدأ المواجهات بشعارات كبيرة وطموحات واسعة، لكنها سرعان ما تنزلق إلى مسارات معقدة لا تشبه لحظة انطلاقها.

حرب دولة أم اختلال في التوقيت؟
من هنا يبرز تساؤل لا يقل أهمية، لكنه يحتاج إلى صياغة أدق: هل نحن أمام حرب افتقرت إلى التخطيط، أم أمام حرب بدأت قبل اكتمال شروطها؟ فالمؤشرات لا تدل على غياب الأهداف أو الخطط، بل على العكس، يبدو أن الأهداف كانت واضحة إلى حد كبير، وأن الأطر العامة للعمل العسكري كانت موجودة، لكن الإشكالية ربما ظهرت في التوقيت وفي درجة الجاهزية.
ففي الحالة الأمريكية، يمكن ملاحظة أن الحرب اندفعت إلى الأمام قبل اكتمال تحشيد ما ينبغي من قوات ووسائل، أو قبل الوصول إلى مستوى من التهيئة العملياتية ينسجم مع طبيعة الأهداف المعلنة. وهذا النوع من الاختلال لا يلغي وجود الخطة، لكنه يضعف قدرتها على تحقيق نتائجها، لأن التنفيذ هنا يسبق النضج الكامل لمقوماته.
أما في الحالة الإسرائيلية، فتبدو الصورة مختلفة نسبياً. فإسرائيل لم تدخل هذه الحرب من فراغ، بل جاءت كامتداد طبيعي لمسار تصعيدي بدأ منذ فترة، سواء في مواجهتها مع حماس أو حزب الله، وصولاً إلى ما عُرف بحرب الأيام الاثني عشر. وبذلك يمكن القول إنها كانت أكثر تحشيداً واستعداداً، وأكثر جاهزية من الناحية العملياتية، الأمر الذي جعلها تدخل المواجهة ضمن سياق مستمر، لا كحدث مفاجئ.
وفي مثل هذه الحالات، لا تكون المشكلة في وجود الأهداف أو الخطط، بل في مدى التوافق بين التوقيت، ومستوى الجاهزية، وطبيعة التنفيذ. وعندما يختل هذا التوازن، فإن مسار الحرب قد ينحرف عن نتائجه المتوقعة، ليفرض الميدان معادلاته الخاصة، التي لا تعكس دائماً ما كان مخططاً لها في البداية.
لذا، لا يقتصر الجدل على الجوانب العسكرية أو العملياتية فحسب، بل يمتد إلى طبيعة القرار نفسه. فهناك من يرى، ومنهم حلفاء للولايات المتحدة في أوروبا، إضافة إلى عدد من الدارسين والمحللين، أن ما يجري أقرب إلى أن يكون “حرب الرئيس ترامب” أكثر منه حرباً أمريكية بالمعنى المؤسسي الكامل. ويستند هذا التقدير إلى مؤشرات عدة، من أبرزها تصاعد المعارضة الداخلية داخل الولايات المتحدة لهذه الحرب، حيث أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تراجع نسبة التأييد لها إلى نحو 30% فقط خلال الأسبوع الحالي. وفي مثل هذه الظروف، لا يعود الجدل محصوراً في نتائج الحرب، بل يمتد ليشمل شرعيتها السياسية ومدى تماسك الجبهة الداخلية التي يفترض أن تستند إليها.

إشكالية الهدف… بين المعلن والمخفي
الحجة المعلنة لهذه الحرب تدور حول منع إيران من امتلاك السلاح النووي، واتهامها بدعم الإرهاب. غير أن هذه الحجة، عند النظر إليها بهدوء، تفتح باباً واسعاً للتساؤل. فالمشكلة لا تبدو في السلاح بحد ذاته، بل في هوية من يمتلكه، وإلا كيف يمكن تفسير وجود سلاح نووي في المنطقة لدى طرف، واعتباره تهديداً وجودياً إذا امتلكه طرف آخر؟
ثم إن السلاح النووي في بيئة الشرق الأوسط ليس أداة تُستخدم كما تُستخدم الأسلحة التقليدية، بل هو جزء من معادلة ردع معقدة، مما يجعل التركيز عليه وحده تفسيراً غير كافٍ لحجم التصعيد الجاري. وهذا يقود إلى استنتاج أقرب إلى الواقع، وهو أن هناك أهدافاً أعمق من المعلن، ربما تتعلق بإعادة تشكيل التوازنات، أو بإدارة الصراع لا حسمه.

مفارقة العلاقة مع إيران
تبرز في هذا السياق مفارقة يصعب تجاهلها عند قراءة مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. فهذه العلاقة لم تكن، في جوهرها التاريخي، علاقة صدام مستمر كما قد يبدو في ظاهر الخطاب السياسي، بل مرت بمراحل متعددة، اتسم بعضها بدرجة عالية من التقارب، وبعضها الآخر بالتوتر، دون أن تنقطع خيوط الاتصال بشكل كامل.
ففي عهد الشاه، كانت إيران تُعد من أبرز حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وشكلت ركناً أساسياً في منظومة الأمن الإقليمي المرتبطة بالسياسات الأمريكية. وبعد الثورة عام 1979، ورغم التحول الحاد في الخطاب السياسي وظهور توصيف الولايات المتحدة بـ”الشيطان الأكبر”، إلا أن هذا التحول لم يترجم دائماً إلى قطيعة عملية كاملة. ففي خضم الحرب العراقية–الإيرانية خلال ثمانينيات القرن الماضي، شهدت العلاقة صوراً معقدة من التداخل، كان من بينها تزويد إيران بالأسلحة وقطع الغيار، في مشهد يعكس الفارق بين الخطاب العلني والممارسة الفعلية.
ولعل أبرز تجليات هذا التداخل تمثلت في قضية “إيران–كونترا”، التي كشفت عن قنوات اتصال غير مباشرة بين الطرفين، رغم العداء المعلن، حيث جرى تمرير صفقات سلاح بترتيبات معقدة، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة التي ظلت محكومة بالبراغماتية أكثر من الشعارات. ومع مرور الزمن، أخذت هذه العلاقة طابعاً أكثر براغماتية، خصوصاً بعد غزو العراق عام 2003، حيث تلاقت المصالح في بعض المفاصل، ووجدت إيران فرصة استراتيجية لتوسيع نفوذها داخل العراق، وهو ما أدى تدريجياً إلى تعاظم حضورها الإقليمي. وقد ساهمت سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ولا سيما خلال مرحلتي أوباما وبايدن، في إتاحة هامش أوسع لهذا التمدد، سواء عبر الانخراط السياسي أو من خلال إدارة الصراع بأسلوب يقوم على الاحتواء أكثر من المواجهة المباشرة.
وفي موازاة ذلك، تبرز مفارقة أخرى في طبيعة العلاقة بين إيران وإسرائيل. فرغم الخطاب العدائي الحاد بين الطرفين، لم تشهد العلاقة بينهما مواجهة عسكرية مباشرة على مدى عقود، وبقيت ضمن إطار الصراع غير المباشر حتى أحداث السابع من أكتوبر 2024، الأمر الذي يعزز الانطباع بأن التوازنات الفعلية كانت تُدار بحذر، وبما يضمن بقاء الصراع ضمن حدود معينة.
ضمن هذا السياق التاريخي المعقد، يمكن فهم التحول الحالي بوصفه انتقالاً من مرحلة إدارة التوازن إلى محاولة كسره. فالتطور المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني يبدو أنه تجاوز ما يمكن اعتباره “خطاً أحمر”، مما دفع بالعلاقة إلى مستوى مختلف لم يعد فيه الصراع سياسياً فقط، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بمعادلات الردع وحدود النفوذ، وهو ما يفسر حدة التصعيد التي نشهدها اليوم.

تطورات غير محسوبة… من الضغط إلى رد الفعل
غير أن مسار الأحداث على الأرض لم يتجه كما كان يُراد له في بدايات هذه الحرب. فبدلاً من أن تؤدي الضغوط إلى دفع إيران نحو التراجع أو القبول بشروط مفروضة عليها، شهدنا تحوّلاً معاكساً تماماً، حيث انتقلت طهران من موقع الدفاع إلى موقع الفعل، وبطريقة أربكت حسابات الجميع. ولم يقتصر هذا التحول على توسيع نطاق المواجهة المباشرة، بل امتد ليشمل توسيع دائرة الاستهداف، إذ طالت الهجمات الإيرانية عدداً من دول الخليج العربية بحجة وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، رغم أن هذه الدول لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب. بل إن ما تعرضت له من مسيّرات وصواريخ إيرانية فاق، في بعض التقديرات، ما وُجّه نحو إسرائيل نفسها، الأمر الذي نقل الصراع إلى مستوى إقليمي أوسع، وفتح جبهات لم تكن محسوبة في البداية.
وفي موازاة ذلك، اتخذت إيران خطوة بالغة الخطورة تمثلت في غلق مضيق هرمز، وهو ما لم يقتصر أثره على الأطراف المتحاربة، بل امتد ليضع الاقتصاد العالمي برمّته أمام معادلة جديدة، يمكن وصفها دون مبالغة بأنها نوع من “أخذ العالم رهينة”، نظراً لما يمثله المضيق من شريان حيوي لحركة الطاقة والتجارة الدولية.
وهنا تحديداً لم يعد بالإمكان النظر إلى ما يجري بوصفه تصعيداً عسكرياً محدوداً، بل كتحول نوعي أعاد تعريف طبيعة الصراع وأولوياته. فلم يعد الهدف مقتصراً على الضغط على إيران أو تعديل سلوكها، بل أصبح فتح مضيق هرمز هدفاً مركزياً بحد ذاته، لما يمثله من شريان حيوي لحركة الطاقة العالمية. وفي مواجهة هذا التحول، اتجهت الولايات المتحدة إلى فرض حصار بحري على إيران، وبشكل منفرد حتى الآن، في خطوة تعكس انتقالها من أدوات الضغط السياسي إلى فرض واقع ميداني مضاد، لتجد نفسها عملياً في موقع “محاصِر الحصار”، في محاولة لاحتواء تداعيات الخطوة الإيرانية وإعادة ضبط مسار المواجهة.
هذا التطور انعكس مباشرة على المسار التفاوضي، حيث تعطلت جولات الحوار الجارية في إسلام آباد، وامتنعت إيران عن المشاركة في جولتها الأخيرة مشترطة إنهاء الحصار البحري أولاً. وهنا يظهر بوضوح أن الميدان لم يعد منفصلاً عن السياسة، بل أصبح هو الذي يحدد إيقاعها. فالولايات المتحدة تبدو وكأنها تراهن على أثر الحصار في إضعاف الموقف الإيراني، بينما تراهن إيران، في المقابل، على قدرتها على امتصاص هذا الضغط، مستندة إلى قدر من الاكتفاء الداخلي في الغذاء والدواء، واستمرار مقومات الحياة الأساسية، فضلاً عن تماسك نسبي في بنيتها الداخلية، رغم ما ظهر فيها من تصدعات محدودة لم تؤدِ حتى الآن إلى إضعاف قدرتها على اتخاذ القرار، بل ربما دفعتها إلى مزيد من التشدد في خطابها السياسي.
وفي ظل هذا التوازن المعقد، يصبح السؤال عن اتجاه الحرب أكثر إلحاحاً. هل نحن أمام مرحلة جديدة من التصعيد، ولو على مستوى الخطاب والتهديد، أم أن ما يجري هو تمهيد لضربات مؤجلة قد تعيد خلط الأوراق؟ ثم ماذا عن الأهداف الأوسع التي سعت الولايات المتحدة إلى تحقيقها، وعلى رأسها تقليص نفوذ إيران الإقليمي أو تفكيك أذرعها؟ حتى الآن، لا يبدو أن هذا الهدف قد تحقق، بل إن بعض المؤشرات تسير في الاتجاه المعاكس.
ففي لبنان، على سبيل المثال، لم تؤدِ العمليات العسكرية إلى إنهاء دور حزب الله، بل دخلت المنطقة في مرحلة أكثر تعقيداً، حيث استمرت المواجهة واتسعت تداعياتها، في وقت ما زال فيه الحزب يحتفظ بقدرته على الفعل والتأثير، بوصفه أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني خارج حدودها. وهذا يطرح تساؤلات إضافية حول مستقبل هذه الجبهة: هل تتجه نحو تسوية برعاية أمريكية او دولية، أم نحو استمرار الاستنزاف؟ وماذا عن مستقبل سلاح الحزب ودوره في المرحلة القادمة؟
أما على المستوى الأوسع، فإن الأسئلة تتراكم دون إجابات واضحة. كيف ستنتهي هذه الحرب؟ وهل سيتم احتواء إيران أم إعادة دمجها بشروط جديدة؟ ومن سيتحمل كلفة إعادة الإعمار إذا ما اتجهت الأمور نحو تهدئة شاملة؟ ثم ماذا عن الدول الخليجية التي تعرضت لاستهداف مباشر رغم عدم كونها طرفاً في الحرب، وتكبدت خسائر في بنيتها التحتية؟ من سيتحمل مسؤولية تعويضها، وفي أي إطار قانوني أو سياسي؟
ويبقى السؤال الأكثر حساسية مرتبطاً بمضيق هرمز نفسه، ليس فقط من زاوية التطورات العسكرية، بل من زاويته القانونية بوصفه أحد أهم الممرات المائية الدولية التي تحكمها قواعد راسخة في القانون الدولي واتفاقيات البحار، وفي مقدمتها مبدأ حرية الملاحة وحق المرور العابر في المضائق الدولية. فهل ستنتهي هذه الحرب بإعادة فتحه ضمن ترتيبات تضمن استمرار وضعه القانوني كما هو، أم أن إيران ستخرج وقد عززت قدرتها على التأثير فيه، وربما فرضت واقعاً جديداً على استخدامه؟
إن السماح بأي تغيير في الوضعية القانونية لمضيق هرمز، أو القبول الضمني بإخضاعه لاعتبارات سياسية أو سيادية أحادية، لن يقتصر أثره على المنطقة فحسب، بل سيشكل سابقة خطيرة على مستوى النظام الدولي ككل. فالممرات المائية الدولية لا تُدار بمنطق القوة، بل بمنطق القواعد المتفق عليها، وأي إخلال بذلك قد يفتح الباب أمام تكرار التجربة في مضائق أخرى لا تقل أهمية، مثل باب المندب أو مضيق ملقا، او غيرهما من المضائق الدولية ، مما يعني إدخال التجارة العالمية وأمن الطاقة في مرحلة من عدم الاستقرار المزمن.
وفي هذا الإطار، يكتسب البعد الاقتصادي بعداً أكثر حساسية، خصوصاً في ظل تقديرات تشير إلى إمكان تحقيق عوائد يومية ضخمة من التحكم بحركة الملاحة في المضيق، وهو ما أشار إليه الرئيس الأمريكي نفسه في أكثر من مناسبة. وعندها، لا يعود الحديث عن مضيق هرمز مجرد تفصيل في حرب إقليمية، بل عن نقطة ارتكاز في معادلة دولية أوسع، قد تعيد تعريف العلاقة بين القانون الدولي والواقع المفروض بالقوة.
وفي خضم كل ذلك، يعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: ما هي استراتيجية الخروج من هذه الحرب؟ فالحديث عن الرغبة في إنهائها سريعاً لا يكفي بحد ذاته، ما لم يُقترن بتصور عملي لكيفية الوصول إلى هذه النهاية. إذ إن إنهاء الحروب لا يتم بالإرادة وحدها، بل بخلق توازن يسمح بذلك، وهو ما لا يبدو أنه تحقق حتى الآن.

الخلاصة والرأي
إذا وضعنا هذه التطورات في سياقها العام، فإننا نكون أمام حرب بدأت بأهداف واضحة، لكنها دخلت مساراً لم تعد نتائجه خاضعة بالكامل لمن أطلقها. فالتوازن بين الضغط ورد الفعل لم يعد يميل في اتجاه واحد، بل تحول إلى حالة من التفاعل المعقد، حيث تنتج كل خطوة رد فعل يعيد تشكيل المشهد من جديد.
وفي تقديري، فإن أخطر ما في هذه المرحلة ليس استمرار الحرب بحد ذاته، بل اتساع فجوة التقدير بين ما يُراد تحقيقه وما يمكن تحقيقه فعلياً على الأرض. فكلما طال أمد الصراع دون حسم، زادت احتمالات أن تخرج الأطراف بنتائج مختلفة عن أهدافها الأصلية، بل وربما معاكسة لها.
وإذا استمر هذا المسار، فإن النتيجة الأقرب ليست إخضاع إيران، بل تعزيز موقعها ضمن معادلة إقليمية جديدة، مستفيدة من قدرتها على الصمود وعلى نقل الصراع إلى مستويات أوسع. وفي المقابل، قد تجد الأطراف الأخرى نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً، تتراجع فيه القدرة على التحكم بمسار الأحداث لصالح منطق الميدان.
ولم تعد تداعيات هذه الحرب محصورة في نطاقها الإقليمي، بل امتدت لتلامس أحد أهم مرتكزات النظام الدولي، من خلال المساس بحرية الملاحة في المضائق الدولية، وما قد يترتب على ذلك من سوابق خطيرة تتجاوز مضيق هرمز إلى غيره من الممرات الحيوية حول العالم. كما أن اتساع دائرة الاستهداف لتشمل دولاً لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب يعكس انزلاق الصراع إلى مستوى أوسع، لم يعد بالإمكان احتواؤه ضمن حدوده الأولية.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة التي أثبتتها تجارب كثيرة، أن الحروب التي تبدأ دون ضبط دقيق لتوازناتها، لا تنتهي حين يرغب من بدأها، بل حين تفرض الوقائع شروطها. وعندها فقط، يتحول السلام من خيار مطروح إلى ضرورة لا يمكن تجنبها. وهنا فقط، تتوقف الحروب… لا حين تُحسم، بل حين تستنزف قدرتها على الاستمرار.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

625 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع