
د. عيسى الموسوي
من بغداد.. شريان العالم
الذهب الأحمر الجديد
في العراق، لم تعد الطماطة مجرد خضرة حمراء مسكينة تُرمى بجانب البصل والخيار في “عربة الخضري”، بل أصبحت مشروعاً استثمارياً واعداً، وأصلاً مالياً يمكن أن ينافس الذهب والدولار، وربما النفط نفسه.
قبل سنوات، كانت الأم العراقية تقول لابنها: “روح جيب كيلو طماطة”، فيعود بالكيلو مع (جيس طرشي وجيس لبن).
أما اليوم، فإذا قلت لابنك: “جيب كيلو طماطة”، سيرد عليك: “كاش لو أقساط؟”.
الطماطة العراقية دخلت مرحلة جديدة من الوعي الطبقي. لم تعد تقبل أن تُطبخ في كل بيت، بل أصبحت تختار البيوت الراقية فقط. هناك طماطة للطبقة الكادحة، تُشاهدها من بعيد في السوق وتتنهد، وطماطة للطبقة المخملية تدخل إلى البيت في كيس منفصل، وكأنها ضيفة شرف جاءت من الخارج.
قريباً سنرى حبة طماطة ترفض أن تدخل (جدر المرك) لأنها “متعودة على المطاعم الراقية”. وربما سنسمع عن خطوبة ابن تاجر على ابنة تاجر، ويكون المهر صندوقين من الطماطة، وخمس بصلات، وشقة مؤثثة.
حتى (الزلاطة)العراقية تغيّرت. في السابق، كانت (الزلاطة)تتكون من طماطة وخيار وبصل ورشة (سماك).
أما الآن، (الزلاطة)صارت مشروعاً اقتصادياً يحتاج إلى موافقة البنك المركزي، وكتاب تأييد من وزارة المالية، وجدولة ديون لمدة خمس سنوات.
أما الباعة، فقد اكتسبوا فجأة هيبة جديدة. بائع الطماطة لم يعد مجرد رجل يجلس على “بسطية” قرب الشارع، بل صار أشبه بموظف مصرف سويسري. يقف أمامك واضعاً يديه خلف ظهره، وينظر إليك من فوق نظارته، وكأنه يقول: “كم كيلو تريد؟ وهل لديك قدرة مالية حقيقية، أم جئت لتتفرج فقط؟”.
وبعض الناس صاروا يدخلون إلى السوق ليسألوا عن السعر، لا بنية الشراء، بل من باب الثقافة العامة، مثلما يسأل الإنسان عن سعر الدولار أو سعر الذهب أو سعر النفط في الأسواق العالمية. هناك مواطنون صاروا يتابعون نشرات الطقس، ليس خوفاً من المطر، بل لمعرفة هل ستنخفض الطماطة أم ستواصل رحلتها التاريخية نحو المجد.
وقد بدأت تظهر بوادر أزمة اجتماعية حقيقية. الزوجة تطلب من زوجها أن يجلب طماطة، فيعود بنصف كيلو فقط، فتسأله بغضب: “وين الباقي؟”، فيجيبها بصوت مكسور: “هذا كل ما سمح به الراتب”. أما الأطفال، فربما يأتي يوم يسألون فيه آباءهم: “بابا، صحيح أنتوا بزمانكم كنتوا تاكلون طماطة كل يوم؟”، فيرد الأب والدمعة في عينه: “إي ابني… وكانت تدخل حتى بالمرق”.
الخطير في الموضوع أن الطماطة بدأت تشعر بنفسها أكثر من اللازم. إذا استمرت الأسعار على هذا الشكل، سنجد بعد فترة إعلاناً يقول: “افتتاح أول معرض سيارات يقبل الدفع بالطماطة فقط”. وربما تظهر صفحة على الإنترنت بعنوان: “كيف تصبح مليونيراً من خلال تجارة الطماطة خلال 30 يوماً”.
في النهاية، يبدو أن العراق مقبل على مرحلة اقتصادية جديدة: لم يعد السؤال كم سعر برميل النفط، بل كم سعر كيلو الطماطة. لأن النفط قد يهبط ويرتفع، لكن الطماطة، عندما تقرر أن تصبح سلعة فاخرة، فلا أحد يستطيع إيقاف طموحها.

675 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع