
د. جابر أبي جابر

رواية "الدون الهادئ"- مَنْ هو المؤلف الأصلي؟
تتحدث رواية "الدون الهادئ" عن حياة ومصائر القوزاق في مطلع القرن العشرين. فمن هم هؤلاء القوزاق؟ إنه شعب حر ومستقل كان يمارس الزراعة والفروسية والقتال إلى جانب بقية وحدات الجيش القيصري. وقد كان الرجال محاربين أشداء يتعلمون ركوب الخيل منذ نعومة أظفارهم، ويساعدون الدولة الروسية في حروبها وتوسعاتها. وبفضل ذلك حصلوا على استقلال ذاتي اجتماعي ملحوظ وأراض خصبة وأعفوا من الضرائب. كما أنهم كانوا يتمتعون بالتعليم المجاني والخدمات الطبية المجانية. وقد كانت الدولة تعطي لكل قوزاقي من الذكور ما يعادل 30 هكتاراً من الأراضي. وفي إطار ذلك لم يعرف القوزاق نظام القنانة على الإطلاق. ولهذا فقد كانوا يتميزون عن السكان الروس بطبع خاص ولهجة مختلفة فضلاً عن نمط حياة معين وعادات أخرى. وقد كانوا يقطنون مناطق شتى في الإمبراطورية الروسية وخاصة شمال القوقاز(إقليم الدون) وأوكرانيا وسيبيريا.
جعل اندلاع الحرب الأهلية في روسيا عقب ثورة أكتوبر القوزاق مشاركين في مواجهة حادة بين حركة البيض المناهضة للبلاشفة والسلطة السوفيتية. وقد وقف جزء كبير من القوزاق إلى جانب البيض بينما جارب جزء آخر في معسكر الحمر ووقف البقية على الحياد. وحتى منتصف الثلاثينات تعرضت جميع المناطق القوزاقية إلى عملية إبادة واسعة النطاق وحًرِم القوزاق من حقوقهم السياسية واستقلاليتهم الذاتية وتم القضاء عليهم كفئة اجتماعية ثقافية في البلد.
وقد أسفرت هذه السياسة في النهاية عن إرهاب أحمر واسع النطاق ضد القوزاق تجلى في عمليات إعدام جماعية واحتجاز الرهائن وحرق القرى وتحريض غير المقيمين على القوزاق ومصادرة الممتلكات العقارية والمنقولة بما في ذلك الثروة الحيوانية والمنتجات الزراعية وإعادة توطين الفلاحين من الشعوب الأخرى في الأراضي القوزاقية.
وفيما بعد أدت كافة هذه الممارسات إلى دفع العديد من القوزاق خلال الحرب العالمية الثانية إلى إنشاء وحدات عسكرية مجدداً والتعاون مع الجيش النازي. وقد جرى خلال ذلك تشكيل حكومة قوزاقية مؤقتة في المهجر. وفي معرض حديثه عن القوزاق أشار قائد الجيش الأحمر تروتسكي قائلاً:" القوزاق هم الجزء الوحيد من الأمة القادر على التنظيم الذاتي. ولهذا السبب ينبغي تدميرهم بدون استثناء ".
وقد جاء في التعليمات الموقعة من قبل رئيس الحكومة السوفيتية فلاديمير لينين(اوليانوف) ورئيس اللجنة التنفيذية المركزية ياكوف سفردلوف في 29 كانون 2/ يناير عام 1919 "إلى جميع الرفاق المسؤولين العاملين في مناطق القوزاق" مايلي:
1 - يجب القيام بإرهاب جماعي ضد القوزاق الأثرياء وإبادتهم جميعاً. كما ينبغي إجراء إرهاب لا هوادة فيه إزاء جميع القوزاق المشاركين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الصراع ضد السلطة السوفيتية. وبالنسبة للفئات المتوسطة من الضروري استخدام كافة الإجراءات، التي تضمن قطع دابر جميع المحاولات من جانبهم للقيام بانتفاضات جديدة ضد السلطة السوفيتية.
2- مصادرة الحبوب وإرغام القوزاق على إفراغ كل الفوائض في المراكز المشار إليها.
يعتبر العديد من المؤرخين قوزاق الدون إثنية مستقلة انقطع تطورها نتيجة سياسة الإبادة الجماعية، التي انتهجتها السلطة السوفيتية تجاههم في العشرينات من القرن الماضي وتصفيتهم كفئة اجتماعية مستقلة. وقد كان عددهم في الإمبراطورية الروسية، حسب إحصاء عام 1897، حوالي ثلاثة ملايين، بينما لم يتجاوز عددهم في روسيا الاتحادية 140 ألفاً وفق إحصاء عام 2002.
أصبح نشر المجلدين الأولين من رواية « الدون الهادئ» عام 1928 والمنسوبة إلى ميخائيل شولوخوف ، حدثاً فريداً من نوعه في تاريخ الأدب الروسي. فهذه رواية ملحمية عظيمة تصوّر بصدق وعمق حياة القوزاق في إقليم الدون، خلال مطلع القرن العشرين مروراً بالحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الروسية، ومقاومتهم البطولية لقوات الجيش الأحمر خلال الحرب الأهلية، التي كانت تضم، إلى جانب الروس، أعداد كبيرة من الرماة اللاتفيين، وأسرى الحرب العالمية الأولى الألمان والصينيين، وكان يقودها اليهود وعلى رأسهم مؤسس الجيش ليون (ليف) تروتسكي. هذه الرواية تفضح ممارسات السلطات البلشفية القمعية تجاه السكان القوزاق بشتى أشكالها الوحشية، ولهذا لا يمكننا أن نتوقع من كاتب مناصر للسلطة البلشفية أن يبدع مثل هذه الملحمة العظيمة. فالموقف السياسي لمؤلف الرواية لا ينسجم البته مع وضع قطاع الثقافة في ظل وصاية الدولة الصارمة على الأدب وبقية فروع الفن خلال فترة العشرينات من القرن العشرين، حيث لابد للكاتب من تمجيد انتصارات قوات الجيش الأحمر في القضاء على المعادين لثورة أكتوبر.
لم يتسبب أي عمل في الأدب السوفيتي بإثارة الكثير من التكهنات والانتقادات والشكوك مثل رواية "الدون الهادئ". فلا يزال الناس في روسيا وخاصة الكتاب والنقاد والمؤرخين يتناقشون منذ حوالي مئة عام حول المؤلف الحقيقي لهذه الرواية، التي تعد من أفضل الأعمال الأدبية الروسية في القرن العشرين. فهناك رأيان متعارضان تماماً حيث يعتقد بعض المؤرخين الأدبيين والباحثين في أعمال شولوخوف أن ميخائيل شولوخوف حصل بجدارة على جائزة نوبل وأن تأليفه لهذا العمل لا غبار عليه. ويشك البعض الآخر بشدة في أن شولوخوف كان قادراً على رسم مثل هذه الصورة الشاملة لحياة القوزاق. علاوة على ذلك، يشكك بعض الكتاب ونقاد الأدب في تأليفه بنفسه لجميع أعماله الأخرى. وقد تم دحض هذا الرأي عدة مرات من قبل المختصين في أعمال الكاتب، ولكن لا يزال القيل والقال موجوداً على مستويات مختلفة من دراسة هذا العمل.
وهكذ يرى بعض الباحثين أنه لا يمكن إنكار عائدية الرواية إلى شولوخوف، بينما يعتقد آخرون أن الكاتب سرق مخطوطة الرواية ( الأجزاء الثلاثة وقسم صغير من الجزء الرابع) ، التي تعود إلى مؤلف حقيقي وهو على الأغلب فيودور كروكوف، وربما الكاتب القوزاقي فكتور سيفسكي (الاسم الحقيقي بنيامين كراسنوشكين) . وبهذا الصدد يُطرح غالباً السؤال التالي:" متى ومَنْ كتب رواية"الدون الهادئ"؟ فهل هو فيودور كروكوف من حركة الأبيض أم أنه عمل مستقل للشاب ميخائيل شولوخوف؟
بدأت الشكوك المتعلقة بتأليف ملحمة "الدون الهادئ" الرائعة فور صدور المجلدين الأولين في عام 1928 حيث كان الكتاب والنقاد في حيرة من أمرهم. وكانوا يتساءلون هل يمكن للمؤلف البالغ من العمر 22 عاماً، والذي لم يتلق تعليماً لائقاً، أن يضع مثل هذه الصورة الكاملة والواقعية لحياة قوزاق إقليم الدون في رواية تحتوي على عشرة خطوط سردية وحوالي 700 شخصية منها 250 شخصية تاريخية بأسمائها الحقيقية ؟ فمن الناحية الموضوعية لم يكن شولوخوف معاصراً لمعظم الأحداث التي وصفها. فقد كان طفلاً ثم مراهقاً في ذلك الوقت. ولكن من جهة أخرى اتهم الشيوعيون شولوخوف بالتعاطف مع حركة البيض والكولاك.
ومن المعروف عادة أن الكاتب، الذي ينبري لتأليف رواية كهذه، لا بد له أن يعمل بلا كلل على المخطوطات التاريخية لإنجاز رواية تغطي كافة شرائح وفئات المجتمع الروسي. ولكن لا يوجد دليل واحد على أن شولوخوف قضى ساعات طويلة في المكتبات.
تتميز الرواية بمعرفة تفصيلية دقيقة لمجتمع القوزاق ووقائع الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الروسية وخاصة في شمال القوقاز. أما شولوخوف الذي نشأ بعيداً عن تلك المنطقة وترك الدراسة بعد أن اجتاز ثلاثة صفوف ابتدائية. فكيف بوسعه في سن الحادية والعشرين أن يتصدى لتأليف عمل أدبي ضخم. فعلى سبيل المثال استغرق تولستوي 16 عاماً في كتابة روايته الخالدة"الحرب والسلام". زد على ذلك أنها لم تكن الرواية الأولى له.
ولدى خروج المجلدين المذكورين إلى النور في عام 1928انتشرت إشاعات مفادها أن مخطوطة الرواية انتزعت من حقيبة ميدانية للكاتب الأبيض فيودور كروكوف، الذي يُعتقد أن رجال جهاز الأمن السوفيتي(التشيكا) قد أعدموه. وترددت إشاعات أخرى تشير إلى أن أم عجوز تطالب بنشر الكتاب باسم ابنها المؤلف الأصلي. ومن المشتبهين خلال ذلك الوقت في عائدية الرواية إلى شولوخوف البروفسور دمتري ليخاتشوف والكاتبان يوسف غيراسيموف وألكسي تولستوي والعديد من النقاد والكتاب الآخرين. وفي مذكراته أعرب البروفسور ألكسندر ايلسكي، الذي كان يعمل في مجلة" رومان غازيتا"، التي نشرت المجلدين الأولين للرواية، قائلاً:" لست انا فقط، ولكن الجميع في إدارة التحرير عندنا كانوا يعرفون أن شولوخوف لم يكتب أبداً هذه الرواية". ووفقاً لإيلسكي فعندما كان الحديث في الأوساط الأدبية عن السرقة الأدبية لرواية"الدون الهادئ" في أوجه جمعت رئيسة التحرير آنا غرودسكايا الفريق بأكمله وقالت أن قضية انتحال هذه الرواية قد بُتّ فيها"من الأعلى" ولايجدر بنا طرحها بعد الآن".
وفي ضوء كل هذه الظروف والملابسات تشكلت في عام 1929 لجنة تحقيق من بين اعضائها الكاتبان ألكسندر فادييف وألكسندر سيرافيموفتش وشقيقة لينين ماريا أوليانوفا. وقد أُرغم شولوخوف على تقديم مخطوطات المجلدات الثلاثة إلى إدارة تحرير صحيفة"برافدا" مع مخطط تقريبي للمجلد الرابع. وبالفعل قام الشاب بتقديم تلك المخطوطة المكتوبة بثلاثة خطوط (الكاتب نفسه وزوجته وشقيقتها). وبما أن مخطوطة كروكوف المنسوخة قد كتبت باستخدام قواعد الإملاء القديمة فإنه بقيت بعض آثار العمل على إزالة الحروف الزائدة.
وقد أجرى الخبراء تحقيقاً قارنوا خلاله بين أسلوب الكتابة لمجموعة "قصص من الدون" ورواية"الدون الهادئ" وخلصوا إلى نتيجة مفادها أن مؤلف العملين هو شولوخوف. ولكن، مع ذلك، استمر كثيرون في شكوكهم بخصوص المؤلف الحقيقي لهذه الرواية، التي أدت في أوقات مختلفة إلى ظهور آراء متباينة لدى الكتاب والنقاد والجمهور. وبعد صدور قرار اللجنة هددت البرافدا بمعاقبة أي شخص يشكك بعائدية الرواية لشولوخوف.
وحول رد فعل شولوخوف على الإشاعات بخصوص انتحاله لرواية" الدون الهادئ" يقول الكاتب والمترجم العراقي جودت
هوشيار في مقالته" كيف فضح شولوخوف نفسه أمام كتّاب أوروبا" :" اضطر شولوخوف إلى الهروب من الشائعات، التي حاصرته في موسكو، وعاش عشرات السنين منعزلاً في بلدة «فيشينسكايا» في شمال منطقة روستوف، لا يظهر في الأماكن العامة، ولا يخالط الوسط الأدبي الروسي، ولا يستقبل أي أديب أو صحافي أو زائر أجنبي، إلا نادراً. وكل من نجح في لقائه من الأدباء الكبار، أو زاره في بيته، ندم على ذلك أشد الندم، وخاب ظنه في الروائي «العبقري» الذي كان مدمناً على شرب الفودكا والكونياك وثملا في أغلب الأوقات، وليس على مكتبه أي أوراق أو مسودات أو كتب".
ومن اللافت أن كاتب الرواية الأصلي يبدو متعاطفاً مع البيض وإن كثيرين من البلاشفة والقراء السوفيت كانوا يعتقدون أن شولوخوف معادٍ خفي للسوفيت يكره البلاشفة في السر من كل قلبه. وقد كان هذا التصور سائداً حتى لدى المهاجرين الروس وخاصة القوزاق.
ويشير هوشيار إلى أنه" خلال جلسة اللجنة الخاصة بمنح جوائز ستالين في ميدان الأدب والفن المنعقدة يوم 18 تشرين2/نوفمبر عام 1940 أعلن الكاتب ألكسندر فادييف قائلاً:" في رواية الدون الهادئ" هناك ثلاث شخصيات من البلاشفة وهم: ستوكمان ولكنه ليس بلشفياً حقيقياً حيث لديه نزعة مسيحية. أما الشخصية الثانية فهو بونتشوك البلشفي الفولاذي, وفيما يتعلق بشخصية كوشيفوي فإنه حقير".
ويرى العديد من الباحثين المعاصرين أن المخطوطة الأصلية تعرضت خلال عملية النسخ وبعدها (حتى عام 1953) للتحريف والتشويه والحذف والإضافة والتعديل لتتناسب إلى حد ما مع إيديولوجية النظام الشيوعي. وعلى سبيل المثال جاء في الطبعة الأولى الجملة التالية " سقطت السوفيتات رأساً على عقب"، ثم فيما بعد حل مكانها الجملة التالية" اضطرت القوات السوفيتية إلى الانسحاب".
وخلال العامين 1937-1938 اندلعت على نحو مفاجئ حملة جديدة بهذا الخصوص. وحسب قول الكاتب القوزاقي دمتري بتروف –بيريوك فقد تلقى شخصياً إلى جانب صحيفة"مولوت" الصادرة في روستوف رسائل من السكان القوزاق ، الذين يتهمون شولوخوف من جديد بانتحال "الدون الهادئ". وتؤكد بعض هذه الرسائل على أن الكاتب المعروف والمشارك في حركة البيض فيودور كروكوف هو المؤلف الحقيقي للرواية، وأن والد زوجة شولوخوف غروماسلافسكي، الذي خدم مع كروكوف في قوات البيض قد أعطى مخطوطة رواية صديقه إلى صهره.
وفي إطار ذلك يرى العديد من الكتاب والنقاد وغيرهم بأن شولوخوف لم يكن بوسعه أن يكتب شيئاً ذا قيمة. ولكن في ذلك الوقت كانت السلطات السوفيتية بأمس الحاجة إلى ظهور كاتب بروليتاري شهير حيث هاجر معظم الكتاب الروس المرموقين خوفاً من بطش البلاشفة. كما ان الكاتب البروليتاري مكسيم غوركي كان آنذاك يعيش في إيطاليا. وفي ضوء هذه الظروف قامت السلطات السوفيتية بتشكيل مجموعة سرية من الكتاب "الأشباح" للإعداد لظهور عمل أدبي كبير لكاتب عبقري من بيئة فقيرة. وبمساعدة هؤلاء "الأشباح" جرى نشر مجموعتين من القصص الصغيرة باسم شولوخوف وهما : " قصص من الدون" (عام 1925) و"سهل آزوف" (عام 1926).
وفيما يتعلق بفيودور كروكوف فهو شخصية أدبية وسياسية قوزاقية بارزة طواه النسيان مع مؤلفاته الادبية في العهد السوفيتي لموقفه المعادي لحكم البلاشفة. وهو من مواليد عام 1870 أي أنه أكبر من شولوخوف بخمسة وثلاثين عاماً. والده أتمان ووالدته من النبلاء. درس في كلية التاريخ والآداب بجامعة بطرسبورغ وتخرج منها عام 1892. وكان نائباً في مجلس الدوما الأول (عام 1906) وأحد مؤسسي ومنظري حزب الاشتراكيين الشعبيين. وقد عمل فترة طويلة في الصحافة رئيساً لقسم الأدب والفن في المجلة العلمية"روسكويه بوغاتستفو" (الثراء الروسي)، وقام بتدريس التاريخ والأدب الروسي في المدارس الثانوية، ونشر عشرات الأعمال الأدبية حول حياة القوزاق. ووفقاً لاصدقائه كان في السنوات الأخيرة في حياته يعكف على تأليف رواية اختفت مخطوطاتها بعد وفاته.
وخلال العهد القيصري أمضى كروكوف ثلاثة أشهر في السجن بسبب أنشطته السياسية. وأثناء الحرب العالمية الأولى شارك كروكوف في فصيلة الخدمات الصحية. وخلال الحرب الأهلية الروسية كان شخصية بارزة في حركة البيض ومناضلاً صلباً ضد البلاشفة في منطقة الدون. وأثناء انسحاب قوات البيض توفي من جراء إصابته بالتيفوس، ولكن ثمة رواية أخرى تشير إلى انه أُعدم من قبل جهاز الأمن السري السوفيتي" تشيكا".
في 5 أيلول/سبتمبر عام 1920 قام المحرر في صحيفة"سبولوخ"(الإنذار) القوزاقية سيرغي سيرابين( اسمه المستعار سيرغي بينوس) بتكريم ذكرى الكاتب كروكوف بهذه الكلمات:"لقد أخذ فيودور دمتروفتش معه إلى القبر بدون شك"الحرب والسلام" لعصرنا، والتي قد أبدعها بعد أن حمل على كتفيه كافة الجوانب المأسوية وكل عظمة هذه الملحمة".
أنكر شولوخوف معرفته بمؤلفات كروكوف، كما أن زوجته ماريا بتروفنا أعلنت أنها لا تعرف الكاتب فيودور كروكوف، ولم تقرا أيّاً من أعماله. وهذا قول غير قابل للتصديق على الإطلاق، حسب اعتقاد الباحث فلاديمير سمارين، الذي أشار إلى" أنها درست في بلدة أوست- مدفيديتسكايا حيث كان كروكوف مدير المدرسة. وفي عام 1918 كانت هناك ايضاً احتفالات صاخبة بمناسبة ذكرى مرور 25 عاماً على النشاط الأدبي للكاتب". ويذكًر سمارين بمراسلات شولوخوف مع سيرافيموفتش، الذي، بدوره، كان يعرف كروكوف جيداً ويقدّر موهبته.
ومن المؤكد أن نص الرواية كتبه شخص تلقى تعليماً جيداً، نظراً لأنها تعجّ بالإشارات إلى العديد من الكتاب مثل غوغول وسالتيكوف- شدرين وبونين وبلوك وميرجكوفسكي وحتى إدغار آلان بو .
وبدءاً من سبعينات القرن الماضي ظهرت في الغرب وبعد ذلك في الاتحاد السوفيتي أيام البيريسترويكا وعقب انهيار النظام السوفيتي طائفة كبيرة من الدراسات حول رواية" الدون الهادئ" قام بها الكتاب والباحثون التاليون: إيرينا ميدفيديفا- توماشيفسكايا (ركاب "الدون الهادئ")، وألكسندر سولجنتسين (مقدمة الكتاب المذكور آنفاً)، وروي مدفيديف ("سيرة ميخائيل شولوخوف الإبداعية")، وأندريه مكاروف ("هل بدأ شولوخوف كتابة"الدون الهادئ" في السابعة من عمره؟")، وأندريه فينكوف (" أساس المصادر ومسألة تحديد المؤلف الأصلي")، وزئيف بار- سيلا ("حفرة الأساس الأدبي. مشروع الكاتب شولوخوف")، وفلاديمير سمارين (" ضجة حول "الدون الهادئ")، وأندريه تشيرنوف(" كيف سرقوا الدون الهادئ؟")
وبخصوص مؤلفات شولوخوف أشار المؤرخ روي ميدفيديف في كتابه"سيرة ميخائيل شولوخوف الإبداعية " إلى"ان ثمة تناقضاً صارخاً بين المستوى الفني والفلسفي للرواية والأعمال الأدبية الأخرى التي صدرت باسم شولوخوف".
وفي مقدمته لكتاب ايرينا ميدفيديفا- توماشيفسكايا (رِكاب "الدون الهادئ") علق الكاتب السوفيتي المنشق ألكسندر سولجنتسين على رواية" الدون الهادئ" قائلاً:" كُتبت الرواية بقوة فنية يتعذر بلوغها إلا بعد تجارب عديدة لكاتب متميز ذو خبرة طويلة في الكتابة السردية. وفي غضون السنوات الخمسة والأربعين اللاحقة لم يستطع شولوخوف أن يكرر هذا المستوى الفني الرفيع ولا هذه الوتيرة السريعة".
وأضاف المنشق الكبير أن رواية"الدون الهادئ"، التي تعد أشهر روايات شولوخوف، بل اشهر نتاجات الادب السوفيتي طوال القرن العشرين، مسروقة في أجزاء كبيرة منها من نصوص مخطوطة الكاتب القوزاقي فيودور كروكوف وهو أحد المناضلين النشيطين ضد الثورة البلشفية قبل أن يقضي في العام 1920 بداء التيفوئيد".
ويقول الناقد الأدبي زئيف بار- سيلا أنه لا توجد حجة واحدة تؤكد أن شولوخوف هو مؤلف الرواية، التي حصل لقائها على جائزة نويل للآداب, وهو يرى أن هنالك العديد من الحجج، التي تدحض ذلك، وأن مخطوطة الرواية مزيفة بلا شك. كما أنه من الواضح لأي غرض تم إعدادها. ويضيف الناقد قائلاً:" لقد حدد الخبراء أماكن كثيرة في المخطوطة المزعومة تشير إلى أن الشخص الذي نسخها لم يكن بفهم أحياناً ما هو مكتوب على الإطلاق. فعلى سبيل المثال بدلاً من كلمة نازاريت (مدينة الناصرة بفلسطين) يكتب لازاريت (مستشفى عسكري). ويدعي الناقد أيضاً أن مجموعة"قصص الدون" لا تعود إلى شولوخوف. فهي مختلفة من حيث السمات الأسلوبية. ومن الجلي أنها تنتمي إلى أقلام أشخاص مختلفين. وحسب اعتقاد زئيف بار- سيلا فهناك شكوك جدية بشأن تأليف شولوخوف لرواية " الأرض البكر المستصلحة" حيث نجد في النص مقاطع كاملة تشبه تمام الشبه كتابات أندريه بلاتونوف. ومن المؤكد، وفقاً له، أن نص رواية"الدون الهادئ" من تأليف شخص آخر تلقى تعليماً جيداً واكتسب ثقافة واسعة.
جاء التحليل الرياضي، الذي أجراه عالم الرياضيات السوفيتي ظافر عثمانوف ضمن مجموعة من الباحثين حول مسألة تحديد المؤلف الأصلي لرواية " الدون الهادئ" ليوضيف أحد الأدلة، التي تدعم النظرية القائلة أن المؤلف الحقيقي للعمل هو فيودور كروكوف، وليس ميخائيل شولوخوف.
ووفقاً لاستنتاجات التحليل، فإن أسلوب ومفردات وإيقاع الجمل وخصائص تكرار الكلمات في رواية " الدون الهادئ" أقرب بكثير إلى أعمال فيودور كريوكوف. وتؤكد الدراسة الفرضية القائلة بأن المخطوطة، التي نُشرت منها الرواية كُتبت بقلم كريوكوف، ثم قام شولوخوف بتنقيحها أو اقتباسها. وتدعم هذه النتائج موقف الباحثين الذين يعتقدون أن ملحمة" الدون الهادئ" كتبها رجل مسن، ملمّ إلماماً واسعاً بحياة قوزاق الدون قبل الثورة، مثل كروكوف. ولم يقتصر الأمر على تحليل نصوص شولوخوف وكروكوف فحسب، بل شمل أيضاً عدداً كبيراً من المؤلفين الروس في القرنين التاسع عشر والعشرين.
تحتوي المخطوطة على 885 صفحة منها 605 صفحة مكتوبة بخط شولوخوف و280صفحة مبيضة بخط زوجته وشقيقتها. وإلى جانب ذلك مسودات واحتمالات مطروحة وصفحات مبيضة، وكذلك رؤس أقلام وإضافات إلى هذه أو تلك من أجزاء النص. ويبدو خط شولوخوف واضحاً ومتميزاً ومن السهل التعرف عليه. ولدى الحصول على المخطوطة تم إجراء ثلاثة اختبارات: نحوية ونصية وتحديد الهوية، مما يؤكد صحة المخطوطة وانتمائها إلى عصرها - أواخر العشرينيات. وفي خلاصة خبراء النصوص نجد ما يلي:
ليس هناك شك في أن 605 صفحة من هذه المخطوطة كتبت بخط يد ميخائيل شولوخوف. … وتوفر هذه المخطوطة ثروة من المواد لتحليل عمل الكاتب في المجلدين الأولين من الرواية، وتسمح لنا باختراق المختبر الإبداعي لمؤلفها، وإعادة بناء تاريخ إنشاء هذا العمل. .. لا شك أن الدراسة النصية لهذه المخطوطة تتيح حل مشكلة هوية مؤلف "الدون الهادئ" بشكل علمي مدعم بالحجج والبراهين.
وقد كان الانتقال من التقويم اليوليلني (الشرقي) إلى التقويم الغريغوري (الغربي) عقب ثورة أكتوبر يضع شولوخوف دائماً في حالة ارتباك شديد خلال إعادة نسخ المخطوطة الأصلية العائدة لكروكوف والمكتوبة حسب قواعد الإملاء القديمة. وقد أدى ذلك إلى حدوث أخطاء كثيرة في النص. وقد كان من الممكن أن يصل الحجم الإجمالي لما كتبه كروكوف، خلال نشاطه الإبداعي، إلى عشرات المجلدات. فكيف بوسع شولوخوف الإدعاء أنه لا يعرف شيئاً عنه. ولهذا لا بد أنه كان لديه سبب مهم لهذا القول وهو مسألة تأليف رواية الدون الهادئ ووجود منافس رئيسي وهو كروكوف.
بمساعدة أكاديمية العلوم الروسية نشرت في عام 2006 نسخة طبق الأصل من المخطوطة، والتي، وفقاً لمؤيدي شولوخوف، تمنح الجميع فرصة التحقق من التأليف الحقيقي للرواية، وتتبع مسار العملية الإبداعية.
بعد اكتشاف مخطوطة"الدون الهادئ" وإجراء الاختبارات عليها اعتبر أنصار عائدية الرواية لشولوخوف موقفهم مثبتاً تماماً. وفي المقابل، يواصل العديد من مؤيدي رواية الانتحال الإصرار على أنهم على حق، معلنين أن مجرد وجود المخطوطة لا يعني أن الشخص الذي كُتبت بخط يده هو في الواقع مؤلفها الأصلي. كما أنهم، في بعض الحالات، استخدموا المخطوطة، التي تم العثور عليها كحجة لصالح مسألة الانتحال.
يشير الكاتب اللبناني إبراهيم العريس، استناداً للكاتب السوفيتي المنشق أندريه سينيافسكي، إلى أن حكاية صعود ميخائيل شولوخوف إلى سدة الزعامة في الأدب السوفيتي طوال عقود من الزمن لم تكن سوى "مهزلة كبرى" ذلك أن قلمه"لم يكتب" عقداً بعد عقد، أي شيء يستحق حقاً أن يُقرأ. أما فمه فلم يتفوه إلا بسخافات دعائية".
ويتابع الكاتب هوشيار حديثه حول شولوخوف في مقالته " كيف فضح شولوخوف نفسه أمام كتاب أوروبا" نقلاً عن الكاتب السوفيتي فاسيلي أكسيونوف بخصوص كلمة الحائز على جائزة نوبل للآداب في مؤتمر جمعية الكتاب الأوروبيين المنعقد بلينينغراد في آب/أغسطس عام 1963: «أشيع في أروقة المؤتمر أن شولوخوف وصل لينينغراد وسيلقي كلمة مهمة حول مشكلات الرواية المعاصرة. وكان الكتّاب الأوروبيون ينتظرون بلهفة حضور «عميد الأدب السوفييتي» وسماع كلماته الحكيمة ومعرفة وجهة نظره حول طرق معالجة تلك المشكلات. وكانوا يتساءلون في ما بينهم في شيء من القلق ـ هل سيحضر شولوخوف حقا؟».
كان أعضاء الوفد السوفييتي يعرفون أن شولوخوف وصل لينينغراد وهو يقبع في غرفته بفندق "أستوريا" ويشرب الفودكا بإفراط وأن فريق اللجنة المركزية للحزب لا يستطيع إقناعه بالإقلاع عن الشرب. فمن غير الممكن أن يقف وراء الميكرفون لأنه سيترنح حتماً وسيقع أرضاً إن حاول ذلك.
ويضيف قائلاً:" وأخيراً ظهر شولوخوف على المنصة في اليوم الأخير للمؤتمر. حبس الحضور أنفاسهم، وساد الصمت المطبق في أرجاء القاعة الفسيحة، بحيث كان من الممكن سماع أزيز ذبابة. الكل جالسون بهدوء يرهفون السمع لمعرفة ماذا سيقول الكاتب (العبقري). قال شولوخوف- كما ورد في محاضر جلسات المؤتمر:" حضرات السيدات المحترمات والسادة المحترمون، ايها الرفاق. الطقس في لينينغراد حار وفظيع، اما في مورمنسك فهو بارد. لكنني أقول لكم، حتى لو انعقد مؤتمرنا هذا في مورمنسك فإنكم ستشعرون بالدفء، بدفء قلوبنا وبحسن الضيافة الروسية والسوفيتية".
ايها الرفاق: أما ما يخص الرواية فإن هذه المسألة، غير جديرة بالمناقشة. فالرواية حاضرة.. كانت حاضرة في الماضي وستحضر مستقبلاً. شكراً لكم".
757 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع