
د. عصام البرّام
الميثالوجيا وبناء الرمز من السيّاب الى أودنيس
يمثل توظيف الرمز والأسطورة في الشعر العربي الحديث أحد أهم ملامح تحوله الجذري عن أنماطه الكلاسيكية، إذ لم يعد الشعر مجرد تعبير مباشر عن العاطفة أو تسجيل للحدث، بل أصبح فعلا معرفيا وجماليا يسعى إلى إعادة تأويل الوجود والذات والتاريخ. وفي هذا السياق يبرز اسما أدونيس وبدر شاكر السيّاب بوصفهما من أكثر الشعراء تأثيرا في ترسيخ البعد الرمزي والأسطوري في القصيدة العربية الحديثة، كل بطريقته ورؤيته وأسئلته الوجودية والفكرية.
لقد جاء هذا التحول في زمن عربي مأزوم سياسيا وثقافيا حيث بدت اللغة المباشرة عاجزة عن احتواء حجم الانكسار والأمل في آن واحد. فكان الرمز والأسطورة بمثابة لغة بديلة قادرة على تجاوز الرقابة الخارجية والداخلية وعلى فتح النص على طبقات متعددة من الدلالة. لم يعد الشاعر يتحدث بضمير فردي فقط بل صار يستعير أصوات الآلهة القديمة والأبطال الأسطوريين والشخصيات التاريخية ليعبر عن الإنسان العربي الحديث في قلقه واغترابه وتطلعه إلى الخلاص.
السيّاب كان من أوائل من أدخلوا الأسطورة إلى بنية القصيدة العربية إدخالا عضويا مرتبطا بالتجربة الحياتية والواقع الاجتماعي. في شعره تتجاور المعاناة الشخصية مع المأساة الجماعية وتتحول الأسطورة إلى مرآة للألم الإنساني. استلهم السيّاب أساطير الخصب والموت والبعث مثل أسطورة تموز وعشتار ليعبّر عن فكرة الانبعاث بعد الخراب وعن الحلم بولادة جديدة لوطن مثقل بالجراح. لم تكن الأسطورة لديه ترفا ثقافيا أو زينة لغوية بل ضرورة فنية وفكرية فرضها الواقع القاسي الذي عاشه العراق في تلك المرحلة.
في قصائد السيّاب يتحول المطر إلى رمز مركزي يحمل دلالات متناقضة فهو علامة الخصوبة والحياة وفي الوقت ذاته شاهد على الحزن والفقد. هذا التعدد الدلالي يعكس قدرة الرمز على احتضان التناقض الإنساني وهو ما منح شعره عمقا وتأثيرا واسعين. الأسطورة هنا لا تنفصل عن البيئة المحلية بل تتداخل مع النخيل والأنهار والقرى الجنوبية لتخلق عالما شعريا يمزج الكوني بالمحلي والإنساني بالميتافيزيقي.
أما أدونيس فقد اتخذ من الرمز والأسطورة مشروعا فكريا وجماليا متكاملا يهدف إلى إعادة بناء الشعر العربي من جذوره. الأسطورة عنده ليست فقط أداة تعبير بل بنية تفكير ورؤية للعالم. استدعى أدونيس الأساطير الشرقية والغربية والشخصيات التاريخية والدينية ليعيد تفكيكها وإعادة تركيبها ضمن سياق حداثي يتحدى السائد ويطرح أسئلة كبرى حول السلطة والمعرفة والهوية والزمن. في شعره تتحول الشخصيات الأسطورية إلى أقنعة يتكلم من خلالها الشاعر لا ليحكي الماضي بل ليحاكم الحاضر ويستشرف المستقبل.
أدونيس يوظف الرمز بوصفه أداة قطيعة مع اللغة المباشرة ومع البلاغة التقليدية. لغته كثيفة ومفتوحة على التأويل وتحتاج إلى قارئ فاعل يشارك في إنتاج المعنى. الأسطورة لديه لا تمنح الخلاص بقدر ما تكشف المأزق الوجودي وتعرّي البنى الفكرية الجامدة. ومن هنا تبدو قصيدته أكثر تجريدا وأقل ارتباطا بالحدث اليومي مقارنة بالسيّاب لكنها أكثر انغماسا في الأسئلة الفلسفية والكونية.
بين السيّاب وأدونيس تتجلى مدرستان مختلفتان في توظيف الرمز والأسطورة. السيّاب ينطلق من الألم الشخصي والجماعي ليصل إلى الأسطورة بوصفها عزاء وأملا بينما ينطلق أدونيس من الأسطورة ليهدم الواقع ويعيد مساءلته جذريا. ومع ذلك يشتركان في إدراك عميق لعجز اللغة التقليدية عن التعبير عن عصر مضطرب وفي السعي إلى خلق لغة شعرية جديدة تتجاوز الوصف إلى الرؤيا.
الرمز في شعرهما ليس غموضا مقصودا لذاته بل أفقا دلاليا مفتوحا يحرر القصيدة من الأحادية ويمنحها قابلية الاستمرار والتجدد. فالقصيدة الرمزية لا تُستهلك في قراءة واحدة بل تعيد إنتاج معناها مع كل قراءة جديدة. وهذا ما يفسر بقاء شعر السيّاب وأدونيس حيا في الذاكرة النقدية والثقافية رغم تغير الأزمنة والسياقات.
أثر هذا التوظيف الرمزي والأسطوري لم يقتصر على تجربتهما الفردية بل امتد إلى أجيال لاحقة من الشعراء العرب الذين وجدوا في الأسطورة مجالا رحبا للتجريب وكسر القوالب الجاهزة. لقد أسهما في نقل الشعر من فضاء التعبير الانفعالي إلى فضاء الرؤية والتأويل ومن الصوت الفردي إلى الصوت الكوني.
من هنا، يمكن القول إن الرمز والأسطورة في شعر أدونيس والسيّاب ليسا مجرد تقنيتين بل تعبير عن وعي جديد بالشعر ووظيفته. شعر يرفض أن يكون مرآة سطحية للواقع ويسعى بدلا من ذلك إلى تعميقه وإعادة تخيله. وبين أسطورة الخصب عند السيّاب وأساطير الهدم والبناء عند أدونيس تتشكل ملامح الشعر العربي الحديث بوصفه مساحة للسؤال والاختلاف والبحث الدائم عن معنى الإنسان في عالم متغير.
ولتعميق قراءة الرمز والأسطورة في تجربة السيّاب وأدونيس لا بد من التوقف عند البعد التاريخي والفكري الذي جعل من العودة إلى الأسطورة فعلا حداثيا لا ارتدادا إلى الماضي. فالأسطورة في الشعر الحديث لم تُستدع بوصفها حكاية بدائية أو بقايا معتقدات غابرة بل بوصفها نصا إنسانيا مفتوحا يحمل أنماطا أولية من التجربة البشرية يمكن إعادة تأويلها في ضوء الحاضر. من هنا كان وعي الشاعرين بالأسطورة وعيا نقديا يعيد إنتاجها داخل بنية شعرية جديدة تتجاوز التكرار وتؤسس للاختلاف.
الأسطورة بين الوعي التاريخي والقلق الوجودي
عند السيّاب يتخذ الرمز والأسطورة بعدا تاريخيا مرتبطا بسؤال الانكسار العربي والحلم بالنهضة. فهو شاعر عاش التحولات السياسية الحادة والخيبات الكبرى وشهد التناقض بين الوعود الثورية والواقع القاسي. لذلك جاءت الأسطورة لديه محمّلة بطاقة خلاصية حتى في لحظات اليأس. فتموز الذي يموت ويبعث وعشتار التي تنزل إلى العالم السفلي ليستا مجرد رمزين جماليّين بل تعبير عن إيمان عميق بدورة الحياة وعن أمل لا ينطفئ رغم الألم. الأسطورة هنا تتماهى مع التجربة الإنسانية البسيطة وتمنحها بعدا كونيا دون أن تفقد حرارتها العاطفية.
كما أن البعد الديني والروحي في شعر السيّاب يتقاطع مع الأسطورة دون أن يذوب فيها. فهناك حس تراجيدي واضح يجعل من الرمز وسيلة لمساءلة العدالة والقدر والمعاناة البشرية. وهذا ما يمنح شعره قدرة على التأثير الوجداني المباشر رغم كثافة رموزه. القارئ لا يشعر بالاغتراب أمام النص بل يجد نفسه منخرطا في ألمه وأمله معا.
أما أدونيس فإن توظيفه للأسطورة ينطلق من قلق معرفي وفلسفي عميق. فهو شاعر ينظر إلى التاريخ بوصفه بنية قابلة للتفكيك لا مسارا مقدسا. لذلك يعيد قراءة الأساطير والرموز الدينية والتاريخية ليكشف ما فيها من سلطة وخطاب مهيمن. الأسطورة عنده ليست وعدا بالخلاص بل سؤالا مفتوحا حول معنى البداية والنهاية وحول إمكانية التجدد الحقيقي. ومن هنا تبدو قصيدته أحيانا صادمة أو عصية على الفهم السريع لأنها لا تمنح القارئ إجابات جاهزة بل تدفعه إلى الشك وإعادة التفكير.
اللغة الشعرية عند أدونيس تقوم بدور أسطوري بحد ذاتها إذ تتحول الكلمات إلى كيانات حية تتفكك وتُعاد صياغتها خارج السياق المألوف. الرمز هنا لا يحيل إلى معنى ثابت بل إلى شبكة من العلاقات والدلالات المتحركة. وهذا ما يجعل من شعره فضاء تأويليا مفتوحا يتجاوز الزمان والمكان.
اللافت أن كلا الشاعرين استخدم الأسطورة ليؤسس قطيعة مع الخطاب الشعري التقليدي لكن كل منهما اختار طريقا مختلفا. السيّاب أعاد وصل الشعر بالإنسان البسيط وبألمه اليومي عبر رمز شفاف قريب من الحس الإنساني العام بينما ذهب أدونيس إلى تعقيد التجربة الشعرية ليجعل منها مختبرا فكريا وجماليا. هذا الاختلاف لا يعني تناقضا بقدر ما يعكس تنوع إمكانات الرمز والأسطورة في التعبير عن التجربة العربية الحديثة.
إن توسعة النظر في أعمال السيّاب وأدونيس تكشف أن الرمز والأسطورة لم يكونا مجرد مرحلة عابرة في تطور الشعر العربي بل تحولا إلى أفق دائم للكتابة الحديثة. فقد أسهما في تحرير القصيدة من أسر المباشرة وفتحا أمامها فضاء كونيّا يسمح لها بالحوار مع الثقافات الأخرى دون أن تفقد خصوصيتها. ومن خلال هذا التوظيف العميق للأسطورة استطاع الشعر العربي الحديث أن يعبر عن أزمته وعن طموحه في آن واحد وأن يثبت أن الشعر ما زال قادرا على إنتاج المعنى في عالم مضطرب ومتغير.

570 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع